الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

15 دقيقة وقت القراءة ( 3020 كلمة )

الارض الطيبة لم تعد طيبة / د طه جزاع

عطاؤهم ملابس وعربات متقنة لإفساد أبصارهم

إعطاؤهم طعاماً لذيذاً لإفساد أذواقهم

إعطاؤهم موسيقا ونساء لإفساد أسماعهم

تزويدهم بمبانٍ فخمة ، مخازن عامرة ، وعبيد لإفساد مِعَدِهم

أما أولئك الذين يأتون للاستسلام ، فإن على الإمبراطور أن يتملقهم بتكريمهم في حفل استقبال إمبراطوري ، يتعين فيه على الإمبراطور أن يصبَ لهم الخمر والطعام وصولاً إلى إفساد عقولهم .

هذه هي الأمور التي يمكن أن تحمل عنوان الطعوم " الاغراءات " الخمسة .

( وزير في سلالة الهان الصينية يقدم وصفاً لخمسة طعوم – إغراءات – يمكن استخدامها لتدبر أمر إدارة قبائل الفرسان المقيمة على امتداد حدود الصين الشمالية – الغربية ، مع أن الصين كانت القوة العسكرية المتفوقة من منظور التحليل التقليدي  ... يشير هنري كيسنجر إلى هذه الإغراءات الصينية في كتابه النظام العالميّ .. تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ ) .

                       الأرضُ الطيبة

حين صدرت رواية " الأرضُ الطيبة " للروائية الأميركية بيرل باك " Pearl S. Buck مواليد   1892" قبل ما يقرب من تسعين عاماً ، فإن الأميركيين والغربيين عموماً ، تفاعلوا معها بإعجاب شديد ورومانسية عالية ، إذ تعاطفوا مع الفلاح الصيني الشاب البسيط " وانغ لنغ " الذي يتشبث بأرضه على الرغم من قساوة الطبيعة ، واحتباس الأمطار ، والفقر والمجاعة التي وصلت به إلى حد الرضوخ لذبح ثوره الوحيد الذي كان يحرث له الأرض ، من أجل أن يطعم والده العجوز وزوجته وأطفاله ، رافضاً أن يذبحه بيديه ، لتقوم زوجته بهذه المهمة ، وليقدم على أكل لحم ثوره بعد ممانعة واستنكار وامتعاض . لقد كان رهان الفلاح الصيني على أرضه الطيبة ، لذلك فأنه لا ينفك أن يتحمل المشاق والصعوبات والعمل الطويل لحرثها وسقيها وزرعها وحصادها وبيع غلاتها التي تدر عليه العملات الفضية والذهبية ، وحين تجدب هذه الأرض ، وخوفاً من الهلاك جوعاً ، يضطر للهجرة إلى الجنوب ، لكن دون أن يبيع الارض ، ليعمل هناك في جر عربة تحمل الأشخاص الموسرين والسياح ، فيما يتجه بقية أفراد العائلة للشحاذة والاستجداء من الناس ، لكنه يقرر العودة إلى أرضه ، ليتعرض مع زوجته التي كانت جارية في بيت السيد العظيم "هوانغ " صاحب الأراضي والأملاك الواسعة ، إلى عدد من الحوادث والمصادفات التي تنتهي بأن يمتلك هذا الفلاح الفقير في النهاية بيت "هوانغ " واراضيه ، مثلما يمتلك المزيد من الزوجات ، والأولاد ، والمزيد من الذهب والفضة والمجوهرات ، التي ما كان يحصل عليها لولا تمسكه بتلك الأرض الطيبة . ومنذ ظهور هذه الرواية التي تُحسبُ من الروايات الكلاسيكية المهمة في تاريخ الرواية العالمية ، حصدت الكثير من الاعجاب والجوائز ، ومنها جائزة بوليتزر الأدبية ، وتصدرت الروايات الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة في سنة صدورها  1931 والسنة التالية ، حتى أن ذلك النجاح الكبير حفز الكاتبة لاستكمال عملها بروايتين لاحقتين بعنوان  " الأبناء " و " منزل منقسم على نفسه " ، لتكون هذه الثلاثية التي تمثل  " الأرضُ الطيبة " الجزء الأول منها ، عاملاً مهماً في حصول بيرل باك على جائزة نوبل للآداب في العام 1938 ، وقد جُمعت هذه الثلاثية بعد ذلك ، بكتاب واحد تحت عنوان " بيت الأرض " .

لقد اتيح لهذه الروائية - بحكم نشأتها في أسرة تقوم بمهمة التبشير الديني في الصين ، أيام ما كانت البعثات التبشيرية الاميركية تمارس نشاطها بكثافة منتصف ونهايات القرن التاسع عشر - أن تعيش مراحل مهمة من حياتها في الصين ، وتتعرف على طبيعة المجتمع الصيني وعاداته وأنماط حياته في الريف والمدينة ، فضلاً عن تعلمها اللغة الصينية التي أتاحت لها الاندماج في المجتمع والتعرف على خفاياه ، ومعتقداته الدينية ولاسيما الكونفوشيوسية والطاوية والبوذية ، وبدأ اهتمامها بالحياة الاجتماعية الصينية مبكراً ، حين أصدرت " ريح الشرق وريح الغرب " وحاولت في جميع رواياتها أن تفتح نافذة لإطلالة الأميركيين والغربيين ، على المجتمع الصيني ، وطقوسه العبادية ، وعادات الفلاحين في الريف - ومنها عادات استنكرها الغرب ، مثل تقييد أقدام الفتيات الصغيرات في سن مبكرة للحصول على القدم المثالية الصغيرة التي يفضلها الرجال - وأن تتواصل مع أجيال عديدة من شخوصها الروائية في الأسرة الواحدة ، وفي عمل أدبي مشابه لاحقاً ، تتبع الروائي المصري نجيب محفوظ في ثلاثيته " بين القصرين ، قصر الشوق ، السكرية " شخصية أحمد عبد الجواد ، ثم ولده كمال ، وبقية شخصيات الاسرة في مراحل الطفولة والمراهقة والشباب والرجولة والشيخوخة ، وهكذا كانت قد فعلت بيرل باك بتتبع شخصية الفلاح الصيني  " وانغ لنغ " وأولاده وأسرته ، قبل محفوظ بربع قرن ، مع الفوارق الكبيرة ، بين الزمنيين ، وبين كل من الأسرتين الصينية والمصرية ، وبين المجتمعين الصيني والمصري ، وبين نجيب محفوظ وبيرل باك التي تحسب روايتها وفق المقاييس النقدية للرواية الكلاسيكية ، رواية بسيطة ، وربما ساذجة في نظر بعض النقاد ، بسبب افتقادها التقنية الروائية ، والخيال الروائي الواسع ، فهي مجرد سرد واقعي عن أحداث يومية لشخصيات الرواية ، لكنها بالتأكيد لم تفتقد الحس الإنساني في وصف وتتبع حركات شخصياتها المختلفة في نوازعها وسلوكياتها ، وردود أفعالها تجاه التجارب المريرة التي مرت بها ، وكذلك تقلبات الشخصية الرئيسة في الرواية ، بين العوز والثراء ، وبين القسوة والرأفة ، والتمرد والخضوع للأصنام القابعة في معبد الآلهة . وفي العموم كانت عملاً أدبياً جديراً بالاهتمام والتقدير الذي حظيت به وقت صدورها ، في عالم ما قبل الحرب العالمية الثانية .

                     دولة جورج أورويل

لكن .... وبعد 90 عاماً على صدور الارض الطيبة ، يصف مسؤول أميركي كبير تعامل الصين مع أقلية الإيغور المسلمة بأنه أشبه برواية 1984 لجورج أورويل ، ففي حديث جديد لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ، وفي سياق التحشيد الاعلامي ضد الصين الذي أعقب اتهامها بالمسؤولية عن جائحة كورونا ، قال أن الحزب الشيوعي الصيني يحتجز أكثر من مليون مسلم من الإيغور في معسكرات الاعتقال في شنغيانغ النائية ويسيء معاملتهم . مؤكداً أن  " صفحات رواية 1948 تتجسد هناك " . وتوصف هذه الرواية بانها من روايات الخيال العلمي السياسي التي تدين الطغيان والشر والفسوق وتنذر بنهاية العالم ، وهي تنتمي إلى أدب " الديستوبيا " المعني بتصور المدن الفاسقة والشريرة والدموية ، على العكس من المدن الفاضلة " اليوتوبيا " . وينطبق ذلك أيضاً على روايته الشهيرة الاخرى " مزرعة الحيوان " التي تدين الأنظمة الدكتاتورية والشمولية ، وكانت تمثل وقت اصدارها إدانة لحكم ستالين في الاتحاد السوفيتي . ويعكس هذا التحول في نظر الأميركان إلى الصين خلال أقل من 100  عام ، من أرض طيبة ربما تمثل " يوتوبيا " للكثيرين منهم ، ولاسيما الحالمين بالاستثمار ، إلى دولة تتسلط عليها حكومة شريرة " دستوبيا " تغييراً أيضاً ، في الحسابات الأميركية ، تجاه هذه القوة الجديدة في العالم ، التي باتت تنافسها ليس على الأسواق والاستثمارات فحسب ، إنما على مناطق السيطرة والنفوذ العسكري ، ولا سيما في شرق وجنوب شرقي آسيا ، حتى باتت لأن تكون اللاعب الأهم في النظام الدولي الجديد ، نظام القرن الواحد والعشرين  .

                       نهوض ربع البشرية

في بحثه المهم عن صعود الصين والمصالح الجوهرية لبكين المقدم ضمن بحوث ندوة العلاقات العربية – الصينية المنعقد في بيروت شباط / مارس 2017 يشير الباحث العربي المقيم في بريطانيا ناصر التميمي إلى أن هذا الصعود المتواصل للصين : لم يعد مفاجئاً لأحد ، فقصة نهوض " التنين الصيني " أبهرت العالم بأسره ، وأصبحت مصدر إلهام لعدد من الدول ، ومبعث قلق لدول أخرى في آن . ذلك أن الحقبة التاريخية 1839 – 1949 أو ما أصطلح على تسميته في الصين " قرن الإذلال " الذي امتد على مدى 110 سنوات ، انطبعت في ذاكرة الصينيين على أنها حقبة سوداء شهدت هزائم عسكرية مذلة على يد القوى الأجنبية الخارجية ، وقد كانت هذه الذاكرة الأليمة حاضرة بقوة حين أعلن ماو تسي تونغ بعد انتصار الشيوعية في عام 1949 أن : الشعب الصيني ، الذي يضم ربع البشرية ، قد نهض اليوم . . ويسلط الباحث الضوء على ثلاث قضايا أساسية ، ودروس تاريخية استلهمها الصينيون حين تراجعت مكانة بلادهم ، وتتلخص هذه القضايا بأنه يستلزم ان تكون السلطة المركزية موحدة ومتماسكة ولديها قدرات اقتصادية وعسكرية تؤهلها للدفاع عن نفسها وحماية مصالحها من أجل عدم تكرار " قرن الإذلال " , وان لا ينظر الصينيون إلى صعود بلادهم على انه امر طارئ او تهديد لأحد بل عملية طبيعية ومنطقية لاستعادة الصين دورها التاريخي والحضاري ، وأخيراً فإن موقف الصين تجاه النزاعات الإقليمية ، وخصوصاً في بحر الصين الجنوبي والشرقي ، ينبع أساساً من الشعور بالظلم التاريخي الذي حصل أبان قرن الإذلال ، وبالتالي فإن عودة المناطق التي اقتطعت إلى حضن الوطن الأم تمثل العدالة التاريخية ، ولا نزعة توسعية أو استعمارية تمارسها بكين تجاه الدول الأخرى . كما أن الصين تحت قيادة ماو لم تتبنَّ مفهوم " المصالح الجوهرية " إنما هيمنت عليها المبادئ الأيديولوجية مثل الصراع الطبقي ، والأممية البروليتارية ، ونظرية ماو عن العوالم الثلاثة ، التي يعني بها عالم القوى العظمى " الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي " وعالم حلفاء القوى العظمى ، ثم العالم الثالث وهو دول عدم الانحياز . وبعد رحيل ماو في 1976 ومجيء خليفته  " دنغ شياو بنغ " اتجهت الصين إلى التخلص من الإرث الماوي الأيديولوجي والسير نحو الإصلاح التدريجي ، وشرع الحزب الشيوعي الصيني في الإصلاح والانفتاح على العالم الخارجي ، ووضع عملية التنمية الاقتصادية على رأس أولوياته . " صعود الصين : المصالح الجوهرية لبكّين والتداعيات المحتملة عربياً ، ناصر التميمي ، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية عن العلاقات العربية – الصينية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2017 " . ويعتبر بعض المؤرخين والمراقبين ان عام 1978 يمثل ولادة جديدة لجمهورية الصين الشعبية على يد شياو بنغ ، فقد تم في عهده تحديد هدف واحد : وضع الصين بين القوى العالمية المتقدمة بحلول العام 2000 وذلك فقط عن طريق مضاعفة الإنتاج القومي حتى أربعة أمثاله في المدة من 1980 – 2000 ، وهذا ما حدث بالضبط ، وإلى الحد الذي أبدى فيه كلاوس توبفر رئيس برنامج حماية البيئة التابع للأمم المتحدة آنذاك مخاوفه من أن ذلك سيؤدي إلى إضرار هائل بالبيئة الصينية والعالمية أيضاً ، بل وصل بعد ذلك بسنوات قليلة ، إلى حد ان الصين اصبحت من الدول المسافرة الى الفضاء ، ففي ساعة مبكرة من يوم السادس عشر من تشرين الأول / اكتوبر ، هبطت كبسولة تابعة لسفينة فضاء صينية في وسط منغوليا ليخرج منها بعد دقائق أول رائد فضاء صيني " يانغ لي وي " بعد أن دار 21  مداراً حول الأرض ، وبهذه الخطوة أصبحت الصين - الأرض الطيبة الموسومة بالفقر والجوع والتخلف لقرون طويلة - العضو الثالث في نادي المسافرين إلى الفضاء بعد روسيا والولايات المتحدة ، وفي وقتها تحدث الرئيس الصيني " هو جين تاو " بفرحة غامرة قائلاً : إن هذه خطوة تاريخية للشعب الصيني حتى تضعه على طريق رواد العالم في مجالات العلوم والتكنولوجيا . " التحدي الصيني ، فولفجانغ هيرن " . وبالطبع فإن هذا الحدث غير من نظرة المحللين الغربيين للصين بشكل كبير ، فهم دائماً ينظرون إليها باعتبارها متفوقة في صناعة الخردوات الرخيصة ولعب الأطفال والأحذية وزينة أعياد الميلاد وربما الهواتف المحمولة وأجهزة التلفاز ، ولكن هل تتمكن الصين من إنتاج تكنولوجيا فائقة ؟ أو تصنيع صواريخ ؟ " المصدر نفسه " . ويشير الدكتور صادق جلال العظم إلى أن الصين اصبحت مطلع سنة 1990 ثاني أكبر مستَقبِلٍ للاستثمار الاجنبي في العالم . " وفي سنة 1993 تمّ تقدير عدد المشاريع المملوكة أجنبياً فيها بحوالي 80 ألف مشروع . أما في سنة 1995 فقد بلغ حجم الاستثمار المباشر الأجنبي في البلد ما يعادل 35 مليار دولار . لذا لا غرابة في أن تنجز الصين اعلى معدل نمو اقتصادي سنوي في العالم أثناء الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين .. وان يقترب الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة الأميركية من المستويات التي تحققها اليابان عادة على هذا الصعيد مع الدولة الأعظم في عالم اليوم . " حوارات القرن العشرين ، ما العولمة ؟ الدكتور حسن حنفي ، الدكتور صادق جلال العظم ، دار الفكر ، دمشق 2002 " . ان ما عملته الصين خلال العقود الأخيرة في تغيير موازين العالم الاقتصادية على وجه الخصوص ، يجعلها الأكثر منافسة للأميركيين ، بل أن رئيس الوزراء الأسبق لسنغافورة  " لي كوان يو " الذي يرجع اليه الفضل في النهضة التنموية والعلمية والصناعية والتكنولوجية والاقتصادية التي بلغتها سنغافورة – ودوره فيها مشابه لدور مهاتير محمد في ماليزيا – يتساءل ويجيب في الوقت نفسه : " إلى أي مدى يضع العالم الصين خارج حساباته على الرغم مما هي فيه من ضخامة حجمها ؟ . يجب أن يبحث العالم عن قوى توازن جديدة تسيطر عليه في غضون 30 أو 40 سنة قادمة ، ولا يمكن الادعاء بأن الصين مجرد لاعب مهم فقط على الساحة العالمية ، ولكنها أهم لاعب في تاريخ البشرية " . وبحساب تاريخ قول هذا الزعيم السنغافوري ، فأننا اليوم قد تجاوزنا ، أو نحن في العقود الثلاثة ، أو الأربعة التي حددها لكي يبحث العالم عن قوى توازن جديدة تسيطر عليه ، ولا شك أن موقع الصين في الصدارة ، إن لم تكن أهم لاعب ، بحسب وصفه . فكيف تتصرف واشنطن في مواجهة هذا التحدي ، وقد جاءتها الفرصة على طبق من ذهب يحمله فايروس كورونا COVID- 19 ؟! . وقبل ذلك كيف تنظر الصين الحمراء الشيوعية للغرب عامة ، وإلى الولايات المتحدة الأميركية ، والرأسمالية العالمية ، على وجه الخصوص ؟ .

                        اكرهوا أميركا

يقول ه . ج . كريل في كتابه الموسوعي المهم " الفكر الصيني من كنفوشيوس إلى ماو تسي تونج " : إن الشيوعيين أخذوا على أنفسهم وعداً بأن ينتقموا لأخطاء الصين ، بحرب عالمية تشن نيابة علن الأشخاص المظلومين في كل مكان ، وهذه الحرب يجب أن تمحو الحكومات " الرأسمالية " من على ظهر الأرض ( هكذا ! ) . ويشير إلى تلك الحقبة الزمنية التي كانت فيها الولايات المتحدة ترسل بعثات تبشيرية إلى الصين – وللتذكير فإن عائلة الروائية بيرل باك كانت تقوم بمهمة تبشيرية ، ومن مرافقتها لعائلتها ، وتلقيها تعليمها الأولي ، وعودتها اللاحقة مع زوجها إلى الصين تعرفت على المجتمع الصيني ، وعاداته وطقوسه وآلامه التي جسدتها في رواية الأرض الطيبة –  وقد بعثت شعوب الغرب وبخاصة الولايات المتحدة  – والقول لكريل – لعدة سنوات ، إلى الصين بمبشرين وأطباء ومعلمين وأموال لإنشاء مدارس ومستشفيات ، ومعونات لإغاثة المجاعات ، ومعونات عامة للحكومة والشعب ، لكن بعض الغربيين ، كانوا يقولون للصينيين باستمرار ، كما يقول البالغون للأطفال ، إنهم يجب أن " يتمدينوا " أي يجب أن يتخلوا عن أساليبهم التقليدية في الحكومة ، وفي القانون ، وفي الديانة ، وفي ممارساتهم الاجتماعية والاقتصادية ، وان ينهجوا نهج الغرب ، وقد قيل لهم بأنهم اذا فعلوا ذلك ولا شيء غيره ، يمكن أن يتلقاهم الغربيون كشركاء في أسرة الشعوب المتحضرة . ! . غير ان الصينيين لم يستسيغوا مثل هذا النقد من الأجانب ، ولم يتقبلوه " ولا يتوقع من أناس يحترمون أنفسهم أن يتقبلوا ، شاكرين ، مثل هذا المزج بين الاحسان والتحضر ، ولقد كانت النتيجة المنطقية هي قيام الصينيين الشيوعيين بحملة شعارها : " اكرهوا أميركا hate America  " . ويفسر الشيوعيون كل هدية وكل اجراء كريم فيه مساعدة موجهة إلى الصينيين على أنه جزء من مؤامرة رأسمالية ضخمة ، والمدارس والمستشفيات التي يمولها الغرب تُفسر على أنها قرون استشعار للأخطبوط الضخم " الرأسمالية الثقافية "  المخططة لإيقاع الصينيين بين فكي الاستغلال الرأسمالي والامبريالي . وهكذا صار الصينيون ، بضربة بارعة ، في حلٍ من اي دَين بتقدير الجميل ، واستردوا احترامهم الذاتي ، وصاروا في حالة طيبة " . " ه .ج . كريل " .

                   الصين أكبر علامة استفهام

في المقابل ، فإن الأميركيين كانوا يتوقعون توقعاً خاطئاً ، ان النمو الذي تحققه الصين قصير المدى ، وانه لن يستمر طويلا ً ، كمال قال جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي الأسبق في الاجتماع السنوي لمعهد الصحافة الدولي الذي عقد في العاصمة الكورية الجنوبية سول ، وقد وصف الصين بأنها أكبر علامة استفهام : " من بين جميع علامات الاستفهام ، التي تحيط بمستقبل الآسيويين تعتبر الصين أكبر علامة استفهام في هذه القارة الشاسعة ! " . وتوقع بيكر صعود نجم الديكتاتورية العسكرية بعد رحيل دنغ شياو بنغ " الأمر الذي يمكن ان يفتح الباب للاضطرابات في الصين " . ولم يكن ما تنبأ به بيكر صحيحاً ، لأنه لم يكن في ذلك الوقت قد رأى الفرق بوضوح بين اليوم والأمس في الصين . " الصين معجزة نهاية القرن العشرين ، ابراهيم نافع ، مركز الأهرام للترجمة والنشر ، القاهرة ، 1999 " . فضلاً عن هذه التصورات الأميركية للغز الصيني ، فإن توقع مواجهة نووية في بحر الصين الجنوبي ، لازال تصوراً محتملاً أمام أنظار الساسة الأميركان على مدى العقود الماضية التي تمثل نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي ، ولعل التقرير الخطير الذي كشف عنه المفكر الأميركي نعوم تشومسكي ( 92 عاماً ) في كتابه " من يحكم العالم ؟ " أو " من يمتلك العالم ؟ " يقدم مشهداً حقيقياً للقلق الأميركي تجاه مثل تلك المواجهة : إذا بدأنا " بالبحيرة الأمريكية " قد يتملك البعض الدهشة من التقرير الذي صدر في منتصف كانون الأول / ديسمبر 2015 على لسان مسؤولين عسكريين كبار ومفاده أن " قاذفة أمريكية من طراز B-52 حلقت في أثناء قيامها بمهمة روتينية على مسافة ميلين بحريين فقط من جزيرة اصطناعية أنشأتها الصين ، الأمر الذي فاقم من حدة قضية بالغة الحساسية بالنسبة لواشنطن وبكين . لا شك بأن أولئك الذين هم على اطلاع بالسجل المقيت لسبعين عاماً من عمر حقبة الأسلحة النووية سيدركون تمام الإدراك بأن هذه الحادثة تقترب غالباً إلى حد الخطر من إشعال فتيل حرب نووية مدمرة لا تبقي ولا تذر . ويمضي هذا التقرير الخطير بالقول : لا حاجة بنا للدفاع عن الأعمال الاستفزازية والعدوانية التي تقوم بها الصين في بحر الصين الجنوبي ، كي نلاحظ بأن الحادثة لم تتضمن أي مشاركة لأي قاذفة صينية محملة بقنابل نووية في الكاريبي ، أو قبالة ساحل كاليفورنيا ، حيث لا يوجد للصين أي حجج أو ذرائع لإقامة " بحيرة صينية "  من حسن حظ العالم . " نعوم تشومسكي ، من يحكم العالم ؟ ، ترجمة د . فواز زعرور ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، وعنوان الكتاب هو محاضرة ألقاها تشومسكي في جامعة ماساتشوستس التقنية عام 2012 " . ولا بد أن يستحضر القارىء هنا ، ما يشهده بحر الصين الجنوبي هذه الأيام من تدريبات عسكرية أميركية تثير قلق الصين وتستفزها ، والتي بدأت بإجراء حاملتي طائرات تدريبات للطيران في الممر المائي ، تحت انظار سفن البحرية الصينية الراسية قرب الاسطول الأميركي ، ومع أن الأميرال الأميركي جيمس كيرك أوضح  بان القطعات الاميركية والصينية تبادلتا التحية العسكرية ، ألا أن البنتاغون أعرب عن قلقه من مناورات عسكرية صينية حول أرخبيل متنازع عليه في بحر الصين الجنوبي ، وهو البحر الذي تتنازع الدول المطلة عليه السيادة على بعض أجزائه منذ قرون عديدة ، وبالأخص الصين وفيتنام والفلبين وتايوان وماليزيا وبروناي ، غير أن واشنطن ترفض مطالب بكين بحقوقها في منطقة ضمن البحر تضم احتياطياً كبيراً من النفط والغاز  ، وفي كل الأحوال فإن الهدف من التدريبات الأميركية في بحر الصين الجنوبي ، بحسب مصادر عسكرية ، وتقارير صحفية هو : " توجيه رسالة واضحة للصين مفادها أن الولايات المتحدة غير راضية عن التصعيد العسكري لبكين في المنطقة " .

                           ********************

كانت الصين تمثل للأميركيين في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، أرضاً طيبة ، وحلماً طوباوياً ، وأرضاً بكراً ، وسوقاً موعودة للعمل والاستثمار وتوسيع النفوذ ، واستغلال الموارد الطبيعية الضخمة ، والأيدي العاملة الرخيصة , يوم كان التنين الصيني منزوع المخالب ، مشغولاً بصراعاته الداخلية ، مختبئاً خلف سور عظيم .

 لكنه بعد أن أظهر مخالبه القوية ، وخرج من مخبئه التاريخي والجغرافي ، فأنه لم يعد تنيناً طيباً .. ولم تعد أرض الصين طيبة .. أبداً .. أبداً ! .

الكتابة في " جمرة القيظ "! / زيد الحلي
كيان المجتمع يقف على عفة المراة / سامي جواد كاظم

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الأربعاء، 30 أيلول 2020

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://www.iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الجمعة، 17 تموز 2020
  306 زيارة

اخر التعليقات

زائر - د. هناء البياتي د.هناء البياتي : الترجمة لغة العصر والصلة بين ثقافة المجتمعات والشعوب | عبد الامير الديراوي
27 أيلول 2020
شكرا أستاذ عبد الامير على هذا الحوار البناء ... بالصدفة عثرت عليه وشار...
اياد صبري مرقس افتتاح مكتب استشاري قانوني من خلال خبراء متخصصين للمقيمين من العرب والاجانب في كوبنهاكن - دانمارك
22 أيلول 2020
مرحبا اخ حسين اعتذر منك لتاخير الرد وسابقى على تواصل دائم مع اي استفسا...
اياد صبري مرقس الى الاجانب والمقيمين في الدنمارك : شركة (المعرفة الداخلية) تقدم كل الخدمات للاجانب
22 أيلول 2020
شكرا جزيلا دكتور نزار العزيز انت اخ كبير واعتز بك كثيرا .. شكرا للطفك ...
زائر - علاء كاظم سلمان الخطيب الى عدوي المحترم محمد جواد ظريف / علاء الخطيب
21 أيلول 2020
السيد علاء الخطيب أنا المهندس علاء كاظم سلمان الخطيب (عراقي-أمريكي مقي...

مقالات ذات علاقة

حَذًّرت اليابان شعبها من احتمال انهيار النظام الصحي فيها بسبب جائحة كورونا وعجزت ايطاليا ر
568 زيارة 0 تعليقات
أعتقد ان عند كل الديانات والمعتقدات -- تجد الاخلاق الحسنة في اول مبادئها و أسس عقيدتها. سو
1163 زيارة 0 تعليقات
وصول وفد مكتب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الى كوبنهاكن الشبكة / خاص علمت شبكة الاع
2633 زيارة 0 تعليقات
• ثلاثة ايام شهدت انجازا عظيما يحتاج انجازه الى وقت طويل • نثمن تعاون السفارة العراقية وال
2894 زيارة 0 تعليقات
الشباب في العراق يتجه نحو مرحلة جديدة الشباب في العراق بدأ يعي فكرة التغيير لمرحلة 15 عام
3478 زيارة 0 تعليقات
المرشح الصحفي صباح ناهي من هو صباح ناهي ؟ / مرشح ائتلاف الوطنية عن بغداد رقم القائمة (١٨٥)
4151 زيارة 0 تعليقات
القاهرة – ابراهيم محمد شريف عقدت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات / وحدة ادارة انتخابات
2076 زيارة 0 تعليقات
نتطلع بأعجاب الى بعض البدان المتحضرة وهي تطبق مبدا العدل بين افراد المجتمع في العصر الحديث
2840 زيارة 0 تعليقات
أجمل صدمة في العراق وما أكثر الصدمات هي الصدمة الرياضية اللاوقورة بالمشاركة الهزيلة لمنتخب
4988 زيارة 0 تعليقات
أُتيحت لي فرصة مميّزة كي ألتقي بالمخرج العربيّ العراقيّ "سمير جمال الدّين" الذي يحمل الجنس
5148 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال