الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

15 دقيقة وقت القراءة ( 3076 كلمة )

الصحبة الصالحة الهجرة النبوية الانموذج الامثل / د.صالح العطوان الحيالي

الإنسان مدني بطبعه، لا بد له من مجتمع يعيش فيه، يخالط فيه الناس ويخالطونه، غير أن هذه المخالطة إما أن يكون الإنسان فيها مؤثرًا أو متأثرًا، بشكل إيجابي أو سلبي، ولذلكم جاءت نصوص القرآن الكريم، ونصوص السنة النبوية، تحث المؤمنين وترغبهم في مصاحبة الصالحين ومرافقتهم، ومعاشرتهم ومجالستهم؛ إذ ليس كل إنسان يصلح للصحبة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)
ولهذا خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]؛ أي: جالس الذين يذكرون الله ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه ويدعونه في الغداة والعشي، سواء كانوا فقراءَ أو أغنياءَ ، وقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]، فهذا التوجيه الرباني والإرشاد الإلهي، فيه حث للمؤمن أن يعيش في بيئة يكون فيها الصدق سائدًا، والبر مسيطرًا، فإن فساد البيئة الفكرية والخلقية يؤدي إلى عموم الفساد، والبيئة الصالحة تهذب أفرادها، وتجعل الشر يختفي، والخير يظهر
وقد ضرب صلى الله عليه وسلم مثلًا للجليس الصالح والجليس السوء، في أن الأول ينتفع به في كل الأحوال، وأن الثاني يضر صاحبه فقط، ففي الحديث عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً"
قال تعالى في كتابه الكريم : ( الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ( الزخرف:67. وقال سبحانه \" وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يلَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً. يوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً. لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي \" الفرقان:27
الصحبة الصالحة…. نعمةٌ كبرى، و زادٌ وافرٌ على الطريق ، نعمة لا تُشترى بالمالِ أو بالأغراض الدنيوية ، ولأهميتها وصى بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: (( المرء على دين خليله فلينظر احدكم من يخالل )) .
فالشخص لا يسير في طريق مُعبَّد و لكنه يسير في طريق محفوف بالمكاره و المزالق والعقبات والفتن وشياطين الانس و الجن له بالمرصاد.
فهو أحوج في مثل هذا الطريق إلى من يأخذ بيده، و يرشده، و يبصِّره، ويذكِّره، اذا نسي ويعينه اذا ذكر.و المرء كثير بإخوانه ، يشعر انه وحده لا شيء يذكر و لكنه ذو شأن بارتباطه باخوانه.
الصُحبة الصالحة هي تلك الأرواح الطيبة التي ينعم اللّه بها عليك، و يرزقك حُبها، هي تلك القلوب التي تُحبك و تهتم بك، فتتقاسم معك أحزانك و همومك ، يهُمهم أمرك ، يفرحون لفرحك كأنهم أنت، يندر أن تجد مثلهم هم سعادةٌ في الدنيا، و شفاعةٌ في الآخرة.
تعجز عن شكر هذه النعمة التي أنعمها اللّه عليك وعلى قلبك أن سير لك قلوبًا طيبة يعز عليها حُزنك وآلمك يخففون عنك، حُبهم دعاء و قربهم جنة
الصحبة الصالحة من نعم الدنيا، بل أنها الطريق إلى الجنة، لما روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، أنه شوهد وهو متكئًا على صاحبيه أبي بكر الصديق وعمر ابن الخطاب رضي الله عنهما، وهو يقول: هكذا نحيا وهكذا نموت وهكذا ندخل الجنة.
وهو ما أكده الله تعالى في قوله: «الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ» ( الزخرف:67)، وقوله أيضًا: «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يلَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً. يوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً. لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي» (الفرقان:27)، فالصديق إما أن يأخذ بيد صديقه إلى الجنة أو يذهبا معًا - والعياذ بالله - إلى النار.
والآية الأخيرة نزلت بحق أبي ابن معيط، بعد سمع بعض آيات الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، وكان صديقًا لأمية ابن خلف وهو من صناديد الكفر، فلما علم أمية بإسلام ابن معيط لقيه وقال له: « وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدًا»، ولم يتركه حتى عاد للكفر.
حذرالإسلام المسلمين من سوء اختيار الصحبة و بالذات رفقاء السوء، الذين يجاهرون بالمعاصي ويباشرون الفواحش دون أي وازع ديني و لا أخلاقي لما في صحبتهم من الداء، وما في مجالستهم من الوباء، وحث المسلم على اختيار الصحبة الصالحة و الارتباط بأصدقاء الخير الذين إذا نسيت ذكروك، وإذا ذكرت أعانوك.
ومن الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الصديق حتى يكون صديقاً صالحاً: الوفاء- الأمانة- الصدق- البذل- الثناء- والبعد عن ضد ذلك من الصفات. والصداقة إذا لم تكن على الطاعة فإنها تنقلب يوم القيامة إلى عداوة، كما توضح الأيات والأحاديث.
{الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} ‏‏[الزخرف:67] و {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} الآية. نزلت هاتين الآييتين الكريمتين في أمية بن خلف الجمحي، وعقبة بن أبي مُعَيْط، وذلك أن عقبة كان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: قد صبأ عقبة بن أبي معيط، فقال له أمية: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً ولم تتفل في وجهه، ففعل عقبة ذلك، فنذر النبي صلى الله عليه وسلم قتله، فقتله يوم بدر صبرا، وقتل أمية في المعركة. وقال ابن عباس في تفسيرها {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ} يريد يوم القيامة.
{بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أي أعداء، يعادي بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً.
{إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة، نرجوا من الله أن نكون منهم. وذكر الثعلبي رضي الله عنه في هذه الآية قال: كان خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب، إن فلاناً كان يأمرني بطاعتك، وطاعة رسولك، وكان يأمرني بالخير وينهاني عن الشر. ويخبرني أني ملاقيك، يا رب فلا تضله بعدي، واهده كما هديتني، وأكرمه كما أكرمتني. فإذا مات خليله المؤمن جمع الله بينهما، فيقول الله تعالى (لِيُثْنِ كل واحد منكما على صاحبه)، فيقول : يا رب، إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، ويخبرني أني ملاقيك، فيقول الله تعالى (نعم الخليل ونعم الأخ ونعم الصاحب كان) ، قال: ويموت أحد الكافرين فيقول: يا رب، إن فلاناً كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، فأسألك يا رب ألا تهده بعدي، وأن تضله كما أضللتني، وأن تهينه كما أهنتني؛ فإذا مات خليله الكافر قال الله تعالى لهما ( لِيُثْنِ كل واحد منكما على صاحبه )، فيقول : يا رب، إنه كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك، فأسألك أن تضاعف عليه العذاب؛ فيقول الله تعالى ( بئس الصاحب والأخ والخليل كنت ).
بين صخب الحياة وتكالب همومها، يبحث كل منا في صديقه على واحة يستأنس بها، ويستظل بأشجارها، ويرتوي من عذوبة آبارها لكي يواصل حياته؛ إذ تجمع الدنيا بين النعيم والشقاء، ويحتاج الإنسان إلى من يشاركه همه، ويقاسمه فرحه، ويستشيره في أمره، وهذا ما ينشده في رفيق الدرب.
ولكن الكارثة أن تتحول هذه الواحة إلى مزرعة أشواك، ولا يلقى الإنسان الراحة حيث استودع صديقه قلبه، وآمنه على أسراره وطموحه وأحلامه؛ عندئذ يخسر الإنسان دنياه ويحمل نفسه المزيد من الأعباء والضغوط النفسية، ويفتقد من كان يتوقع أن يعينه على الخير وفعل الصالحات، ومشاركته في الحلوة والمرة
ن الصحبة من المؤثرات الأساسية في تكوين الشخصية ورسم معالم الطريق؛ فإن كانت صحبة أخيار أفاضت على الأصحاب كل الخير، وإن كانت صحبة أشرار فمن المؤكد أنها ستترك بصماتها. قل لي من تصاحب أقل لك من أنت".
وأوضح أن الصداقة من الأمور المهمة في حياة الشباب؛ فهي تشعرهم بالتوافق والتكيف مع البيئة المحيطة، وتلبي احتياجاتهم النفسية والاجتماعية.
"فهي ساحة غنية بالخبرات والتجارب وصقل القدرات من خلال الانتماء للجماعة ومشاركة الآخرين. وتوفر الصداقة الأنس والاطمئنان النفسي، والشعور بالأمان والمشاركة الوجدانية، والإفصاح عن الذات وعن بعض المشاكل والهموم، وتلقى المساعدة في الشدة، والاكتساب والتنمية، وإعداد الشخص لمواجهة المجتمع".
وتعد الصحبة مدرسة تربوية تنافس المدرسة النظامية والإعلام ويسمونها بالمجتمع، وتقول العرب: "الصاحب ساحب"، فإما أن يسحب إلى الخير أو يوجهك إلى الشر.
اتحدث اليوم مع معركة عظيمة ألا وهي معركة الهجرة، وأنا أقولُ عنها معركة؛ لأن فيها صورًا فدائيَّة؛ فيها التضحية بأبَهى صُوَرها، فقد تَرَك أكثرُ المهاجرين ديارهم وأموالهم وأهْليهم من أجْل الدين والعقيدة، نعم إنها المعركة التي كانتْ وستبقى خالدةً في ذاكرة الإنسان إلى أن يَرِثَ الله الأرض ومَن عليها، ما دام هناك حقٌّ وباطل، ما دام هناك مظلوم وظالِم، ما دام هناك خيرٌ وشر، إنها معركة الهجرة النبويَّة، وذِكْرى إقامة دولة الإسلام الخالد.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بَقِي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو قَوْمَه إلى دار الإسلام، ولكنَّ القليلَ منهم مَن آمَنَ بدعوته، ووقفتِ الكثرة الكاثرة من طواغيت قريش في عناد وإصرار، فقاموا بتعذيب أصحابه - صلى الله عليه وسلم - فأَمَرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة وتَبعهم بعد ذلك، وحاولوا أن يَقضوا على هذه الرسالة، ولكن ما هم إلاَّ كمثل العنكبوت التي اتَّخذتْ بيتًا، وإنَّ أوهنَ البيوت لبيتُ العنكبوت لو كانوا يعلمون.
إنَّ الهجرة المحمديَّة فيها دروسٌ عظيمة، لا ينتهي مَدَاها، وأنا اليوم أريدُ أن أعيشَ مع درْسٍ من دروسها الغالية، هذا الدرس هو الصحبة الصالحة، وهي سجيَّة كريمة، وفضيلة عُلْيَا، وقد اخترتُ هذا الدرس؛ لأننا نعيش في عصْرٍ عَزَّتْ فيه الصَّداقة الصالحة، وماتَ فيه الوفاء.
إِذا الْمَرْءُ لا يَرْعَاكَ إِلاَّ تَكَلُّفَا ....فَدَعْهُ وَلا تُكْثِرْ عَلَيْهِ التَّأَسُّفَا
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحَةٌ ...وَفِي الْقَلْبِ صَبْرٌ لِلْحَبِيبِ وَلَوْ جَفَا
فَمَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قَلْبُهُ ...وَلاَ كُلُّ مَنْ صَافَيْتَهُ لَكَ قَدْ صَفَا
إِذَا لَمْ يَكُنْ صَفْوُ الْوِدَادِ طَبِيعَةً ....فَلاَ خَيْرَ فِي وُدٍّ يَجِيءُ تَكَلُّفَا
وَلاَ خَيْرَ فِي خِلٍّ يَخُونُ خَلِيلَهُ ...وَيَلْقَاهُ مِنْ بَعْدِ الْمَوَدَّةِ بِالْجَفَا
وَيُنْكِرُ عَيْشًا قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ .....وَيُظْهِرُ سِرًّا كَانَ بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا
سَلاَمٌ عَلَى الدُّنْيَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا .....صَدِيقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الْوَعْدِ مُنْصِفَا
نحن الآن أمام مَشهد تتجلَّى فيه الصَّدَاقة والأخوَّة في أنْقَى معانيها، هذا هو أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يهمُّ بالهجرة، فيطلب منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينتظرَ، وعندما جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُتَخَفِّيًا؛ ليخبرَه أنَّه أُذِن له بالهجرة؛ فيكون أول شيءٍ من رَدِّ فِعْل أبي بكر - رضي الله عنه -: "الصحبة يا رسول الله".
هكذا كان شغف الصِّدِّيق - رضي الله عنه - بنُصرة الدين: "الصحبة يا رسول الله"، وهي ليستْ صُحبة رجلٍ ذي ثراء وأموال، وليستْ صُحبة رجلٍ يُسافر إلى دولة يترفَّه فيها ويتنعَّم، وليستْ صُحبة رجل له موكبٌ وحاشية، وخَدَم وحَشم، إنها صُحبة رجل مُطَارَد مطلوب رأْسُه، فعَلامَ يَحرِص الصِّدِّيق - رضي الله عنه - على هذه الصُّحبة ويفرح ويَفتخر بها؟! إنَّه الإيمان الذي تميَّز به صِدِّيق هذه الأمة - رضي الله عنه - والذي جعَلَه يُسخِّر نفسَه وأهلَه ومالَه من أجْل صاحبه ونبيِّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعَرَض نفسه لمصاحبته وخِدْمته وحمايته في الهجرة، وأنْفَقَ مالَه في إعداد العُدَّة لذلك وفي استئجار الدليل، وعرَّض ابنه عبدالله للخطر؛ حيث كان يُمسي عندهما عندما كانا في الغار، ويُصبح عند قريش يتسقط الأخبار، وكان مولاه عامر بن فُهيرة يَسْرح بغَنمه عند الغار؛ ليسقيَهم من لبنها، وكذلك فعلتْ أسماء التي حَفِظت السرَّ، والتي شقَّتْ نطاقها؛ لتضعَ فيه طعامهما، فسُمِّيتْ ذات النطاقين، فكانتْ عائلة الصِّدِّيق كلها مُجَنَّدة في سبيل الله، وخادمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم.
هذه هي الصداقة، وهذه هي الصحبة الصالحة، هذا هو الوفاء مع الصاحب، هكذا يُعَلِّمنا الصِّدِّيق - رضي الله عنه - درسًا في أهميَّة الصُّحبة على الطريق إلى الله، فأين هي الصُّحبة الصالحة في زماننا؟ وأين الوفاء في هذا المجتمع؟ أصبحتِ الدنيا مصالِحَ، كم من المسلمين في زماننا لا يَمشي أحدهم مع أخيه إلا من أجْل مصلحة أو منفعة يعود خيرُها إليه! كَمْ من المسلمين مَن لا يصادقك إلا مِن أجْل عملٍ، فإذا انتهى العمل تَرَكك! وكم من المسلمين مَن يُكثر من زيارة أخيه الذي تولَّى مَنصبًا لا لله، بل من أجْل أن يصِلَ إلى غايته!
أما أن تجد مسلمًا يزور أخاه لمحبَّةٍ ومن أجْل الله - تعالى - فهذه لا توجد إلاَّ عند القليل؛ حتى أصبح الناس يقولون لك عندما يرونك تزورُ أخاك: هل عندك معه مصلحة أو عمل آخر في زيارتك له؟ هكذا أصبح حالُ كثيرٍ من الناس.
هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبر هذا الخبر أنَّ ربَّنا - جلَّ وعلا - أرْصَدَ مَلَكًا من ملائكته لعبدٍ من عباده يخبره أنَّه يُحبُّه، بأي شيء حَصَل ذلك يا عباد الله؟
يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ رجلاً زارَ أخًا له في قرية أخرى، فأرْصَدَ الله على مدرجته - أي طريقه - مَلَكًا، فقال له: أين تذهب؟ قال: أزور أخًا لي في الله في قرية كذا وكذا، قال: هل له عليك من نعمة تَرُبُّها؟ قال: لا ولكنَّني أحببْتُه في الله - عز وجل)).
الله أكبر! يذهب إلى قرية أخرى؛ لأنه يحبُّه في الله، وماذاقال له الملك؟ ((قال: فإني رسول الله إليك، إنَّ الله قد أحبَّك كما أحببْتَه فيه))؛ رواه الإمام أحمد.
من فوق سبع سماوات يعلم الضمائر وما تُخفي الصدور، علاَّم الغيوب يعلم ما فيالقلوب، يُرسل مَلكًا من الملائكة لعبدٍ من عباده يخبره أنه يحبُّه؛ وبسبب أنه يحبُّ أخًا له في الله، ويزوره في الله، الله أكبر!
إِنَّ أَخَاكَ الْحَقَّ مَنْ كَانْ مَعَكْ ...وَمَنْ يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعَكْ
وَمَنْ إِذَا رَيْبُ الزَّمَانِ صَدَعَكْ ....شَتَّتَ فِيكَ شَمْلَهُ لِيَجْمَعَكْ
فالدرس الذي نستنبطه من دروس الهجرة المباركة هو الصحبة الصالحة، الصحبة النقيَّة، الصحبة الخالصة لله - تعالى - لذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - يُوصي أُمَّته في الحديث الذي أَخرجه أبو داود، والترمذي: ((لا تُصَاحِبْ إلا مُؤمِنًا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إلا تَقِيٌّ)).
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الرجل على دِين خليله، فلينظرْ أحدُكم مَن يُخالِل))؛ قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ غريب.
بل ها هم سلفنا الصالح - رحمهم الله - يرشدون أبناءَهم إلى اختيار الصاحب الصالح: هذا أحدُهم يقول: "يا بُني، إذا أردتَ مصاحبة شخصٍ، فلا تَصحبه إلا بخصالٍ يتَّصف بها، ما هي يا أَبَتاه؟ فقال له: "يكتم سرَّك، ويَستر عَيبَك، ويَكن معك في النوائب، ويَنشر حَسَناتك، ويَطوي سيِّئاتك، فإن لَم تكنْ هذه، فعليك بنفسك".
وهذا آخر يقول لولده: "لا تصاحبْ إلا رجلين: رجل تتعلَّم منه ما ينفعك من أمور دينك، ورجل تُعَلِّمه شيئًا من أمور دينه، فيتقبَّل منك، والثالث اهربْ منه".
وثالث يقول لولده: "يا بُني، لا تَصْحب إلاَّ من أضرَّ بنفسه ليَنفعَك".
ليفتش كلٌّ منَّا عن صاحبه: هل هو ممن يتخلَّق بمثل هذه الأخلاق، وبمثل هذه الصفات؟ أنا أدعو - من خلال درس الهجرة - المسلمين جميعًا إلى إعادة النظر في اختيار أصحابهم قبل فَوَات الأوان، لا بدَّ من اختيار الصديق الصالح، ولا بد من الصحبة الصالحة.
وتأمَّل معي
ـــــــــــــ الصاحب الصالح، والصديق الصادق تتعلَّم منه كلَّ خير، تتعلم منه الصلاة، والإخلاص، والأمانة، وخَفْض الْجَناح للمسلمين، وإلى كلِّ عمل صالح، الصاحب الصالح إذا دخَلَ بيتك غضَّ بصره، وإذا أكَلَ دعا لك، وإذا خرَجَ من عندك أثْنَى عليك، وإذا جَلس في مجلس ذَكَرك بالخير، وإذا اغتابك أحدٌ في مجلسٍ وافترى عليك، دافَعَ عنك بشدَّة طاعة لله ورسوله، ويدعو لك بالخير في حياتك وعند مَوْتك وبعده، بل حتى يوم القيامة؛ قال - تعالى -: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 67]، المتَّقين الذين - في الدنيا - تحابّوا في الله.
أما صاحب السوء، قرين السوء، فهو يجرُّك إلى كلِّ معصية، فبالله عليكم كم من مُصَلٍّ تَرَك الصلاة والمسجد بسبب صاحب السوء! وكم من إنسان لا يدخِّن دخَّن بسبب قُرناء السوء! كم من إنسان لا يَشرب الخمر شَرِبها بسبب قُرناء السوء! وكم متحجِّبة رفعتِ الحجاب وتبرَّجَتْ بسبب قُرناء السوء! قرين السوء يدعو قرينه إلى معصية الله، والطيور على أشكالها تقع.
إنَّ على المسلم أن يَعْلَمَ أنَّ الذي يصاحب الطالِح والعاصي سيندم، بل سيعضُّ يدَه من الندم، وانظر كيف صَوَّر - سبحانه - ما سيكون عليه الكافرون وأصدقاء السوء يوم القيامة من حَسرة ونَدَامة، تصويرًا بليغًا مؤثِّرًا، فقال: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان : 27 - 29].
وقد ذَكَر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات أنَّ عُقبة بن أبى معيط دَعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لحضور طعام عنده، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا آكلُ من طعامك؛ حتى تَنطِقَ بالشهادتين))، فنَطَق بهما، فبلغ ذلك صَديقه أُمَيَّة بن خلف، فقال له: يا عُقبة، بَلَغني أنَّك أسلمتَ، فقال له: لا، ولكن قلتُ ما قلتُ؛ تطييبًا لقلب محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى يأكلَ من طعامي، فقال له: كلامُك عليّ حرامٌ؛ حتى تفعلَ كذا وكذا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ففَعَل الشقي ما أمَرَه به صَديقُه الذي لا يقلُّ شقاوة عنه؛ فأنزل الله هذه الآيات.
بل إنَّ صاحِبَ السوء الذي قَضيتَ أكثر أوقاتك معه، أتدري ماذا سيفعل عند موتك؟ هذه عن تجربة، والدنيا مدرسة وأساتذتها الأيام والليالي، شاهِدْ كم مِن صَديقٍ يحمل جنازة صديقه إلى المسجد، ولكن لا يدخل إلى المسجد؛ لكي يصلي عليه، بل يبقى واقفًا خارج المسجد، بئس الصداقة، بئس القرين، بئس الصاحب، لَم يُصَلِّ عليك، ولَم يدعُ لك، ولَم يعرفْ لك حقَّك.
فيا مسلمون ارْجعوا إلى الوراء، ارجعوا إلى تعاليم الإسلام، ارجعوا إلى أخلاق الرجال العُظماء، ارجعوا إلى دروس الهجرة؛ لتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة، وأختمُ كلامي بوصيَّة لقمان الحكيم لابنه ولكل أبناء الإسلام: "يا بُني، ليكنْ أوَّل شيء تَكسبه بعد الإيمان بالله خليلاً صالِحًا؛ فإنما مَثَل الخليل الصالح كمثل النخلة، إنْ جلسْتَ في ظلِّها أظلَّتك، وإنِ احتطبْتَ من حَطبها نفعتْك، وإنْ أكلتَ من ثَمرها نفعتْك، ووجدْتَه طيِّبًا ولذيذًا"
من اقوال السلف في الصحبة
ــــــــــــــــ
مالك لن دينار قال: كل جليس لا تستفيد منه خيراً، فاجتنبه
قال عمر بن الخطاب: لا تعترض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوك، واحتفظ من خليلك، إلا الأمين، فإن الأمين من القوم، لا يعادله شيء؛ ولا تصحب الفاجر، فيعلمك من فجوره، ولا تفش إليه سرك؛ واستشر في أمرك الذين يخشون الله عز وجل.
قال علي رضي الله عنه :
فلا تصحب أخا الجهل ***وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى*** حليماً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ***إذا ما المرء ماشاه
و للشيء من الشيء*** مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب ***دليل حين يلقاه
عن أبي الدرداء قال: إن خيركم: الذي يقول لصاحبه: إذهب بنا نصوم قبل أن نموت؛ وإن شراركم: الذي يقول لصاحبه: إذهب بنا نأكل، ونشرب، ونلهو، قبل أن نموت
عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: معاتبة الأخ خير لك من فقده، ومن لك بأخيك كله؟ أعط أخاك، ولن له، ولا تطع فيه حاسداً، فتكون مثله؛ غداً يأتيك الموت، فيكفيك فقده؛ وكيف تبكيه بعد الموت، وفي حياته ما قد كنت تركت وصله
قال مالك بن دينار: كم من رجل يحب أن يلقى أخاه ويزوره، فيمنعه من ذلك الشغل؛ والأمر يعرض له، عسى الله أن يجمع بينهما في دار لا فرقة فيها؛ ثم يقول مالك: وأنا أسأل الله: أن يجمع بيننا وبينكم في ظل طوبى، ومستراح العابدين
الفضيل بن عياض قال: إذا خالطت، فخالط حسن الخلق: فإنه لا يدعو إلا إلى خير، وصاحبه منه في راحة؛ ولا تخالط سيئ الخلق: فإنه لا يدعو إل إلى شر، وصاحبه منه في عناء...
سعد بن أبي وقاص قال: بر الإخوان حصن من عداوتهم.
المصادر
1- السيرة النبوية الصحيحة د/أكرم ضياء العمرى.
2- المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية.
3- سيرة ابن هشام
4- صحيح البخارى
5 - فتح البارى
6- المكتبة الإسلامية، كتاب الجامع لأحكام القرآن .
7- البداية والنهاية/الجزء الثالث/فصل اجتراء قريش على رسول الله بعد وفاة عمه أبي طالب على ويكي مصدر
8- التأريخ الهجري، أحداث ومناسبات
9- الرحيق المختوم، المباركفوري،
10- الطبقات الكبرى، ابن سعد البغدادي
11- الأنوار المحمدية من المواهب اللدنية، يوسف النبهاني
12- فقه السيرة النبوية، محمد سعيد رمضان البوطي
13- مسند أحمد، أحمد بن حنبل
14- السيرة الحلبية/باب عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل من العرب أن يحموه ويناصروه
15- الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك
16- الكامل في التاريخ

الأفعى والعصفور / د.صالح العطوان الحيالي
حضر التجوال ايام الحجاج بن يوسف الثقفي / د.صالح ال

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الإثنين، 21 أيلول 2020

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://www.iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

زائر - علاء كاظم سلمان الخطيب الى عدوي المحترم محمد جواد ظريف / علاء الخطيب
21 أيلول 2020
السيد علاء الخطيب أنا المهندس علاء كاظم سلمان الخطيب (عراقي-أمريكي مقي...
زائر - عبد الله صدرت حديثا رواية شيزوفرينيا_اناستازيا .. للكاتب الجزائري حمزة لعرايجي
20 أيلول 2020
اهلا بك ابن الجزائر ابن المليون شهيد .. نتشرف بك زميل لنا
زائر - نزار عيسى ملاخا الى الاجانب والمقيمين في الدنمارك : شركة (المعرفة الداخلية) تقدم كل الخدمات للاجانب
13 أيلول 2020
الأستاذ اياد صبري مرقص أشهر من نار على علم نورت الفيس بوك تحياتي وتقدي...
زائر - عزيز الخزرجي فيلسوف كوني .. دور فلسفة الفلسفة في هداية العالم / عزيز الخزرجي
31 آب 2020
بسم الله الرحمن الرحيم: شكراً على نشركم لموضوع: [دور فلسفة الفلسفة في ...
زائر - عامل الخوري فاضل البراك.. سيرة حياة.. معلومات موثقة تنشر لأول مرة / د. هادي حسن عليوي
29 آب 2020
خليل الجزائري لم يكن الامين العام للحزب الشيوعي العراقي ، بل ليس في ال...

مقالات ذات علاقة

فى كثير من الفرق والتيارات متطرفون قد يكونون قلة لكن صوتهم يكون مسموعا وعاليا لأن أثره كبي
6379 زيارة 0 تعليقات
الأعياد والعادات في اللغة جمع عادة, وهو ما يعتاده الإنسان أي يعود أليه مرارا وتكرارا. وتمث
5028 زيارة 0 تعليقات
ما ان دخلت دار الضيافة حتى نهضوا بكل ادب واحترام لاداء السلام والابتسامة تفترش وجوههم الا
2676 زيارة 0 تعليقات
ابعادا لسوء الظن وتجنبا لسوء الفهم اقول ان الكاتب عباس شمس الدين كاتب موسوعي ومؤرخ رائع ول
2786 زيارة 0 تعليقات
حين يعيش المرء مع الكتب قراءة وتلخيصا ونقدا ومناقشة فلا ضير أن تكون كتاباته وأيامه عن القر
2222 زيارة 0 تعليقات
منهج ألتَّفسيِر ألكونيّ لِلقُرآن: للأسف وقع معظم – بل – كلّ – ألمُفسّرين للقرآن في أخطاء ج
1979 زيارة 0 تعليقات
كثر الجدال العقيم واصبح الجسد الاسلامي سقيم والاسوء هو من يعتمد التعميم سنة وشيعة بالتسليم
2050 زيارة 0 تعليقات
مهما قرأ الإنسان الأدب العربي بشقَّيه النثري والنظمي وقلب في سجلات التاريخ وتنقل بين صفحات
2494 زيارة 0 تعليقات
جزماً ويقيناً أنَّ الفتوى موضوعة البحث لاعلاقةَ لها بالمراجع العِظام والمرجعيات الشريفة ,
1961 زيارة 0 تعليقات
هم النور نور اللّه جل جلاله **** هم التين والزيتون والشفع والوتر مهابط وحي اللّه خزان علمه
2275 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال