الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

7 دقيقة وقت القراءة ( 1370 كلمة )

الفساد الحكومي في العراق

في ذلك الوقت الغابر الذي  كان يخيم فيه الجهل والفقر والمرض على أرض السواد، حيث كان يتحكم فيه كبار الملّاك وشيوخ العشائر والإقطاعيون برقاب الناس بالتواطؤ مع السلطات الحاكمة حينذاك، وينشرون في صفوفهم كل أنواع الدجل والشعوذة في إطار قصص من وحي خيالهم المريض عن أفعال (الطنطل والسعلوة) وما شابهها من قصص خرافية وخزعبلات يضحكون بها في سرهم من عقول الناس البسطاء، وتوجيههم حيثما يشاءون بعيدا عن العلم والمعرفة،  لدرجة كان فيها بعض وعاظهم يحرّمون على الناس إرسال أبناؤهم إلى المدارس لتعلم القراءة والكتابة بدعوى تعارضها مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، والخوف من نشر الفاحشة والفساد التي يمكن أن  تجلبها العلوم من جراء تعليمهم في هذه المدارس الحكومية الحديثة، الأمر الذي أبقى قطاعات واسعة من الناس محرومة من التعليم لمدة طويلة.

وعندما كنا صغارا في ذلك الوقت الغابر أيضا، كان يتردد على مسامعنا من بعض الناس أن سرقة المال العام،أمرا مشروعا وحلالا في عرفهم بدعوى أن هذا المال،مالا مغتصبا من الناس من قبل حكومات غير شرعية لا تمت للإسلام بأية صلة. متجاهلين ما تقدمه هذه الحكومات من خدمات ورعاية، وما تبذله من جهود لحفظ الأمن والآمان وصيانة حقوق الناس في إطار القانون.

ويا ليتهم كانوا يتصرفون بهذا المال، كما كان يتصرف به روبن هود الشخصية الأسطورية في الأدب الإنكليزي، الذي كان يسرق أموال الأغنياء ليوزعها على الفقراء. وقد ساعدت حالة الانفصام القائمة بين تلك الحكومات والشعب في تلك الحقب الغابرة، وانعدام الثقة بين الطرفين لسنيين طويلة، على قبول هذا التصرف المشين حتى من بعض جماعات تبدو عليها مظاهر التدين.

ولكن العجب العجاب في حكومات هذا الزمان في العراق التي تدعي أنها حكومات شرعية منبثقة من إرادة الناخبين، ومعمدة بدماء آلاف الضحايا وآلام المهمشين والمهجرين قصرا عن ديارهم والتائهين في بقاع الأرض وأصقاعها الواسعة، والمتطلعين إلى حياة كريمة تسودها الرفاهية والتمتع بخيرات البلاد الوفيرة التي حباها الله لهذه الأرض الطيبة، أرض الأنبياء والرسل والأولياء، وإدعاء هذه الحكومات  بتلاحمها مع الناس قلبا وقالبا لخدمتهم، وتمثيلها لجميع مكونات المجتمع العراقي، إلاّ أنه يلاحظ بأسى شديد تفشي الفساد المالي والإداري من رشوة واختلاس المال العام وتزوير الوثائق والمستندات الحكومية وشيوع المحسوبية والمنسوبية في جميع مفاصل الدولة  بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ العراق على الإطلاق، حتى أنه أصبح الفساد وسرقة المال العام في نظر الكثيرين، وكأنه يمثل الحالة الطبيعية في عمل ألأجهزة الحكومية،وما عداه يمثل الحالة النشاز.

ولعل ما يثير الاستغراب والدهشة حقا أن جميع كبار مسؤولي الدولة وقادة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والناس جميعا يتحدثون يوميا جهارا نهارا عن أنواع الفساد المستشري في أجهزة الدولة المختلفة من أقصى البلاد إلى أقصاها، دون أن يحرك أحدا منهم ساكنا، والأدهى من ذلك وجود تنظيمات وهياكل إدارية رقابية لم يكن لها وجود في النظم الحاكمة السابقة، لضبط سلوك دوائر الدولة وضمان حسن التصرف في المال العام ومحاسبة الفاسدين والمفسدين من الموظفين والمسئولين، كبيرهم وصغيرهم على الحد السواء، منها هيئة النزاهة ودوائر المفتشين العموميين في جميع وزارات الدولة، ومجلس النواب المنتخب ومجلس القضاء المستقل عن السلطة التنفيذية، والأحزاب السياسية التي يفترض أن تكون ضمير الشعب والعين الساهرة على حماية أمواله وكسب رضاه، الذي بدونه لا يمكنها الوصول إلى كراسي الحكم، فضلا عن دوائر التدقيق الداخلي وديوان الرقابة المالية والتي هي دوائر ذات طبيعة مهنية رقابية صرف، ولدى كوادرها خبرات متراكمة لسنين طويلة، ناهيك عن الرقابة الشعبية المتمثلة بالنقابات المهنية والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام المتمثلة بهذا الكم الهائل من محطات التلفزة الفضائية والصحف والمجلات التي يفوق عددها، عدد ما موجود منها في دول كبرى دون مبالغة، والأهم من كل ذلك أين الوازع الديني لردع هؤلاء الفاسدين والمفسدين في  عراق اليوم الذي يشهد مدا دينيا واسعا منذ العام 2003 لم تشهد البلاد له مثيلا من قبل، حيث يفترض أن يكون هذا المد الروحي قد أسهم  بتهذيب أخلاق الناس وحفظ المال العام، خشية من الله رب العباد، ورحمة بالعباد الذين أوصلوهم إلى السلطة.

لا يقتصر الفساد على تعاطي الرشوة واختلاس المال العام فحسب، بل بات يشمل تزوير الوثائق والمستندات الحكومية وشهادات تخرج من جامعات وهمية، أو من جامعات حكومية لم يدرس فيها هؤلاء يوما واحدا على الإطلاق، لتمكين بعض أصحاب النفوذ السياسي ومن في حكمهم من تولي مواقع قيادية لما تضفي هذه الشهادات عليهم من هيبة العلم دون أخلاقه. والأدهى والأمر أن مجلس النواب يصدر مؤخرا قانونا للعفو عن الفاسدين من مزوري الوثائق والمستندات وشهادات التخرج في خطوة أثارت استهجان الناس جميعا بما فيهم رئيس الوزراء نفسه الذي تحدث عن ذلك علنا عبر وسائل الإعلام، في الوقت الذي كان بالإمكان تعطيل هذا القانون ببساطة في داخل مبنى مجلس النواب من قبل النواب المعترضين حقا، قبل أن يرى النور بعيدا عن أسلوب الصفقات السياسية بين الكتل السياسية في إطار المنافع المتبادلة على حساب مصالح الناس، وكأنه أريد بهذا القرار مكافئة الفاسدين بدلا من إنزال العقاب الصارم بهم ليكون عبرة للآخرين كما يقتضي الحال في مثل هذه الأمور.

يلاحظ المتتبع للمشهد السياسي العراقي كثرة الصخب الإعلامي عن ظاهرة الفساد ولكنها جميعها جعجعة بلا طحين كما يقال، حيث لم يلاحظ إجراء أي تحقيق جاد في قضايا الفساد الكبرى التي تحوم حولها الشبهات وتورط مسئولين كبار فيها، دع عنك قضايا الفساد الصغرى على كثرتها، إذ لم يلاحظ إحالة أي مسؤول وجهت إليه تهم فساد إلى القضاء ليقول فيهم كلمة الفصل، إن لم يكن تحقيقا للعدالة واسترداد المال العام، ففي الأقل لحفظ ماء وجه الحكومة، بتبرئتهم من هذه التهم حتى بدعوى عدم كفاية الأدلة، إما أنها تغلق ويسدل عليها الستار ليلفها النسيان بهذا الشكل، فأن ذلك يمثل انتهاكا صارخا للقانون واستهانة بمقدرات الناس وهدر المال العام وخرقا فاضحا للعدالة .

ولعل ما يثير الشجون حديث رئيس الوزراء قبل أيام  عبر قنوات التلفزة، عن قضايا فساد خطيرة في وزارة الدفاع والبنك التجاري العراقي، في لقائه بهيئة النزاهة، وتذمره من تلكؤ الهيئة في التحقيق بذلك في ضوء الوثائق المقدمة إليها. وفي المقابل يعزي رئيس هيئة النزاهة طلب تقديم استقالته من رئاسة الهيئة قبل فترة وجيزة، لعدم قدرته على ممارسة مهام الهيئة لكثرة ما يتعرض إليه من ضغوط من جهات متنفذة في الدولة، ويذكر أن هذا ثالث رئيس للهيئة يترك منصبه في غضون السنوات القليلة المنصرمة.

يتمثل الحكم الراشد بالمساواة وحكم القانون والشفافية والمساءلة، أي القدرة على محاسبة المسؤولين بصرف النظر عن مستوياتهم الوظيفية عن كل ما يتعلق بأداء وظائفهم وتطبيق الأنظمة والقوانين لخدمة الصالح العام.عرف البنك الدولي عام 1992، الحكم الراشد بأنه الطريقة التي تمارس فيها السلطة لأجل تسيير الموارد الاقتصادية والاجتماعية لأي بلد بغية التنمية.

ويعني الحكم الراشد تحسين مستويات معيشة الناس بتوفير فرص العمل اللائق لكل فرد بعد توفير فرص تعليمية وتأهيلية لممارسة مهنة من المهن التي يحتاجها المجتمع. ويعني الحكم الراشد توفير الرعاية الصحية لجميع المواطنين وتوفير بيئة آمنة ومستقرة ينعمون فيها بالحرية دون خوف أو وجل، وبذلك ارتبط مفهوم التنمية بمفهوم الحكم الراشد،حيث باتت التنمية تشمل كل مستويات الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وتقوم على العدالة بحيث تستفيد منها جميع فئات المجتمع في مجالات التعليم والسكن والرعاية الصحية والعمل في إطار التنمية البشرية المستدامة.

صنفت دراسة نشرتها مؤخرا منظمة الشفافية الدولية، العراق بأنه الدولة الأكثر فسادا في العالم. وهو أمر محزن حقا أن ينحدر العراق إلى الدرك الأسفل في قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم، ليعيش أهله في عوز وحرمان وفقر مدقع، حيث تشير الكثير من التقارير الدولية إلى أن أكثر من ثلث سكان العراق يعيشون حاليا تحت مستوى الفقر، وهذه حالة غريبة من الفقر ينفرد بها بلد نفطي، يمكن أن تجعل العراق في مصاف الدول الأكثر ثراء ورفاهية في العالم أجمع.

ويعزي تقرير أصدرته المجموعة الدولية للأزمات وهي مجموعة دولية مقرها بروكسل أسباب تفشي الفساد في العراق إلى هذه الدرجة الخطيرة جدا، إلى أن الدولة العراقية تستند إلى مؤسسات ضعيفة تشجع على الفساد بشكل يهدد استقرار البلاد، مشيرة إلى انتشار عناصر إجرامية جراء هذا الضعف المؤسساتي، كما أن ارتفاع مستويات العنف لا تؤدي إلى انهيار الأمن فحسب، بل إلى تعطيل القانون والخوف من محاسبة المجرمين والمفسدين.

وخلاصة القول بات الفساد المالي والإداري في مؤسسات ودوائر الدولة العراقية المختلفة آفة تستنزف موارد البلاد وتهدد أمنها واستقرارها بصورة لا تقل عن  ما يترتب من دمار من جراء العنف والعمليات الإرهابية التي لا يبدو أن العراق سينتهي منها في القريب العاجل، ولعل الفساد الإداري والمالي أكثر خطورة كونه يمارس من قبل الجهات التي تدير البلد والمسئولة عن حفظ أمنه واستقراره وحماية مصالحه من العبث، لاسيما بعد أن تسرب هذا الفساد إلى المؤسسات العسكرية والأمنية كما يؤكد ذلك الكثير من كبار المسئولين، فضلا عن أنه أصبح شاملا لفئات من جميع مكونات المجتمع العراقي دون استثناء ولجميع مناطق العراق ومحافظاته، ويمارس على نطاق واسع دون حياء أو وازع ديني أو أخلاقي.

ويحدونا الأمل أن تتضافر جهود الخيرين لإنقاذ العراق من بؤر الفساد والمفسدين لينعم أهله بالأمن والأمان والعيش الكريم كبقية خلق الله، لما حباه الله من ثروات وفيرة وخير عميم، إنه سميع مجيب .

…………………………

عضو المجمع العلمي العراقي

 

نتمنى على رجال الدين والقانون أن يزيدونا علماً
بداية فوران غطرسة الأحزاب الدينية العراقية الحاكمة
 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الإثنين، 12 نيسان 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://www.iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الأحد، 30 تشرين1 2011
  6657 زيارة

اخر التعليقات

زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - مصطفى محمد يحيى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
04 نيسان 2021
شكرا جزيلا [Freedom Mortgage Corp ؛ البريد الإلكتروني على: usa_gov@out...
زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال