الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

39 دقيقة وقت القراءة ( 7734 كلمة )

القروي - ثمن المغامرة / تأليف : وئام عبد الغفار

القروي - ثمن المغامرة
تأليف : وئام عبد الغفار
من قريتي كنت أرقب العالم بعين القروي البسيط .. كان كل عالمي ينحصر في الأرض الزراعية و الجسر والترعة والمدرسة وكان منتهي الأمل لدي أن أخرج إلي للشارع التجاري وسط القرية .. كنت أنتظر كل أسبوع أقامة السوق بهذا الشارع الحيوي حتي أشعر بالبهجة فضلا عن أنه يحمل الرواج لكل أهل قريتي .. علي أرصفة السوق كان يباع الجديد والقديم وتتحطم الإسعار بفعل تنافس التجارعلي البيع ويشتري الفقير المعيب حتي من الخضر بأسعار زهيدة وقروش قليلة.. أتذكر مدي شغفي وإهتمامي بها.. "بهية " الفلاحة ..هذه الفتاة .. الشابة ..النشطة .. الطموح.. اليافع والناضج مثل سلعتها التي تبيعها .. كانت فعلا أسم علي مسمي.. "بهية" بطلعتها البهية .. كم كنت مغرم بها وبطريقتها المثلي المبتكرة في جذب الزبائن لشراء فاكهتها الموسمية التي تجلبها من مزارع القرية المحيطة .. كان كلانا يعاني اليتم فأنا يتيم الوالدين .. كانت "بهية " أول حب في حياتي وحلم زواجي لو أردت الإرتباط بفتاة جميلة .. وكان أقصي ما أعرف في هذه الحياة هو المركز .. وأعني به المدينة القريبة من القرية .. هناك كنت أذهب لضفاف نيل "ميت غمر" مدينتنا .. أتأمل المباني فهي أكثر إرتفاع والسوق أكثر إتساع  .. اتذكر عندما إنهيت دراستي الثانوية – دبلوم الصنائع .. ثم جندت وإلتحقت بالجيش وشاركت في حرب أكتوبر 73 وكان عمري حينها عشرين عاما.. كانت أول مرة أغادر فيها هذا المجتمع الصغير .. وأستكشف بلادي .. هناك علي جبهة القتال حققنا النصر وغسلنا العار.. شاركت زملائي ملاحم البطولة والفداء ..  وكلل الله عملنا بالتوفيق .. فأنتصارنا علي الغطرسة الصهيونيىة وهزمنا الآلة الإمريكية الحديثة بأمكانيتنا المتواضعة وشجاعتنا وإيماننا العميق بالله وهما السر .. سر من إسرار الإنسان في منطقتنا  ..لأن لديه عقيدة وإصرار .. اتذكر ايضا ان مع الحرب بدأ الأمل يشرق داخلي .. بصيص من النور نحو المستقبل.. يساورني طموح النجاح .. ورغبة  في أستكشاف ارجاء العالم  .. وأقتحام الدنيا .. أكتشاف القرية الكونية الكبيرة بأكملها حتي أحقق ذاتي .. ولو من خلال المقامرة والمغامرة .. بعد إنتهاء مدة تجنيدي تم إلحاقي بعمل في مجال تخصصي "لحام معادن " بمدرسة الصنائع القريبة من بلدتي  .. كنت أعمل نظير أجر ضئيل .. لايكفي حتي لتغطية مصروفاتي الشخصية .. ومع ضعف الإجر شعرت برغبتي في الهروب .. الهروب من الفقر والإنغلاق .. وفعلا بدأت أبحث عن وسيلة للهروب من هذه الدائرة المغلقة .. دائرة "نولد ونعيش من أجل أن نموت كما ولدنا" بلا أضافة للحياة والتي يدور فيها أغلب أهل قريتي ولاينجو منها إلا من رحم ربي .. كنت قد فقدت أمي التي أطلقت علي أسم "سعد" وماتت " أم سعد" منذ كنت طفلا رضيع وعشت وتربيت في كنف جدي وأصبحت جدتي هي أمي الحقيقية وبمثابة كل حياتي خصوصا بعد وفاة والدي أيضا وأنا مازلت طفل صغير .. كان جدي يملك قطعة أرض صغيرة بجوار منزلنا الريفي يزرعها لنأكل منها ولكنها لاتكفي لإعالتنا كأسرة بها أيضا شقيقي الأكبر .. ولولا تدبير وحكمة جدتي في إدارة البيت ماأستطاع جدي أعالتنا .. كانت جدتي ناجحة في تربية الطيور داخل حظيرتها الصغيرة .. كما كانت تدبر أيضا أمر شراء الحبوب في موسم الحصاد بأسعار زهيدة .. ثم تطحن حبوبها بمطحن القرية  وتحوله إلي دقيق أبيض .. تصنع منه أشهي الفطائر وألذ المخبوزات بيدها الماهرة .. معها كانت تسكن مشاعري الدافئة .. كنت دائم النظر لها وتأملها وهي تعمل بجوار فرنها الطيني الذي تشعله بالحطب كل صباح وبعد أداءها اليومي المنتظم لصلاة الفجر.. ومنه كانت تستيقظ حواسي علي خليط من الروائح الذكية .. فكانت تختلط رائحة المأكولات الشهية التي تتفنن هي في صياغتها برائحة الحطب المشتعل من عيدان الذرة والقطن اليابس.
في القرية إستطعت بعد أنتهاء تجنيدي من رصد ظاهرة "الطيور المهاجرة" التي تنتشر في قريتنا .. أقصد بالطيور شباب قريتي من اصحاب الهمم والطموح العالي .. إستطاع بعضهم الخروج عن طريق البحر إلي شواطئ أوربا.. خصوصا إيطاليا .. وخلال رحلاتهم قد يهلك بعضهم غرقا ويستطيع من كتب الله له النجاة أن يحقق ذاته ويحقق نجاح لانظير له بالرضا والصبر.. ولايعود إلي الوطن إلا بعد أن يقنن وضعه في بلاده الجديدة ويحصل علي الإقامة وقد تبدلت أحواله ومظهره.. إشتعلت الفكرة في رأسي كما يشتعل الشيب ..لابد من المغامرة والسفر حتي لو كان مصيري الموت .. لابد من كسر حلقة الإحباط والفقر التي تحيط بأعناقنا هنا.. كنت أحلم بالثروة وبالنعيم فضلا علي إستكشاف الدنيا من حولي .. فعلا إتصلت ببعض الإصدقاء وجمعت معلومات عن الطريقة .. حتي إهتديت إلي الطريق .. فضلت السفر الآمن .. السفر بالطائرة إلي أرخص الدول القريبة من مصر .. اليونان .. وإنقذتني مكافأة كنت إدخرها و سبق أن حصلت عليها من الجيش قبل أنتهاء خدمتي به .. ولايعلم الأهل بأمر هذه المكافأة شئ .. إستفدت بها في دفع النفقات وتكاليف شركة السياحة التي وفرت لي  فعلا فرصة سفر سياحي لمدة أسبوع إلي اليونان .. وإستخرجت جواز سفري .. ثم دخلت مرحلة المواجهة والإقناع مع جدتي .. فهي لم تعرف بعد بما رتبت و بأمر مادبرت للسفر .. وعلي الأن إقناعها بالموافقة والرضا عني والدعاء لي .. إلا أنها إصيبت بصدمة شديدة عندما عرفت ماعزمت عليه .. بكت من أجل فراقي بكاء مر لا أستطيع نسيانه .. في النهاية إستسلمت للأمر الواقع وهي تستعطفني قائلة : أنا علي ثقة بأننا لن نلتقي ..  سوف تعود بعد أن أرحل إلي ربي .. ولن نلتقي في هذه الدار مرة أخري .. كان لكلماتها تأثير الخنجر الحاد .. كنت أشعر به يطعن في قلبي وجوارحي .. فهي بمثابة أمي الحنون التي ربتني .. وأنا أحبها بجنون ولكني في الوقت ذاته لاأريد أن أظل عاجز وسلبي علي مدار العمر.. أشعر بأني قادر علي صنع المعجزات .. أريد أن أترك بصماتي علي الحياة .. أعرف أنني أملك طاقة لا حد لها من العطاء ولكن طاقتي تحتاج مناخ مختلف عن مناخ قريتنا .. أحتاج الفرصة لتحقيق طموحي وأخراج مواهبي وقد صنعت فرصتي بيدي وعلي إقتناصها .. سوف أنسلخ من هذه الحياة فترة من الزمن وبعدها أعود بنجاحاتي التي سوف أحققها بكل تأكيد .. أريد هنا في قريتي .. بيت جميل ومزرعة وزوجة رائعة وسيارة فاخرة .. وأريد أيضا ذرية لاتعاني مما أعاني .                  
ودعت الأهل وأنتقلت إلي القاهرة حاملا حقيبة مأكولات أعدتها جدتي بعناية لتكون زادي في بداية غربتي ..وصعدت الطائرة المتجه إلي مطار أثينا من مطار القاهرة .. وهي المرة الأولي التي أركب فيها بساط الريح ..نعم أنها مثل البساط الطائر الذي حكت جدتي كثيرا عنه .. ولكنه البساط الذي أحقق بوصوله هذه المرة كل أحلامي الوردية .. في الطائرة جلست علي المقعد وقد بدأت أشعر بالخوف والرهبة         وسيطرت حالة من الرعب علي أوصالي .. أنخطف قلبي .. وظلت مشاعري ترتعد وروحي  تنسحب وتبتعد وتتشبث بمن تحب .. لا تريد أن تفارق جدتي وجدي وشقيقي وباقي أهلي .. تآمرت هذه الروح معهم وأنفصلت عني لتقبع معهم هناك ..   في قاع القرية  .. أكاد أشعر بالغيثان .. زاد أحساسي مع صعود الطائرة صعودا حادا ..حتي حلقت في عنان السماء .. كنت أخشي.. المجهول الذي ينتظرني.. أعلم أنها مغامرة غير محسوبة ..وأنني مقدم علي رحلة غير مأمونة العواقب.. رحلتي تعتمد علي الحظ والتوقعات وأحلام قد لا تتحقق .. قطعا أفتقد الخبرة ..وأيضا أفتقد الرفقة والأنيس .. فمن الأن لا رفيق لي .. وعلي أن أستوعب مشاكلي بدون تعاطف .. فالغرباء لايعرفون عواطفنا وتحكمهم الماديات .. كما أني وافد علي شعب لا أجيد لغة التفاهم معه ولا حتي إعرف اللغة الإنجليزية التي قد تنقذني وتمنحني القدرة علي التواصل والفهم مع الآخرين .. من الأن لابد أن أكون صادق مع النفس وأن أعرف أنني فقدت بصعود الطائرة لغة الكلام وما تبقي لي من أدواتي للإتصال هي لغة الإشارة .. إنتبهت .. بينما أنا شارد الفكر.. غارق في مجهولي ..أحاول شحذ همتي لمواجهة ظلام دامس سوف أشق طريقي خلاله ..إنتبهت علي همس من يجلس جواري .. سألني ..فنظرت إليه أستجمع سؤاله .. فأعاد علي قائلا :  مصري ؟.. فرددت بلهفة : نعم .. نعم .. إكتشفت لحظتها أن لغتي مازالت صالحة ولم أفقدها بعد..شعرت بالأمان بمجرد سماع الكلمة .. بعدها أردت أن أستزيد مما قال .. فكررت أنا سؤاله قائلا له : أنت مصري..فأبتسم : لتكرار السؤال .. وأستطرد قائلا : أنا مصري إسكندراني .. وأعيش في اليونان منذ زمن كبير .. فرددت مبتهجا ومرحبا .. ثم عقبت كمن يستغيث قائلا له : جئت رحمة .. فأندهش الجار..وسئل إستفسارا : ماذا تعني برحمة ؟ .. فرددت : أنا ذاهب لليونان .. وأخشي من المجهول .. أنها المرة الأولي التي أسافر فيها إلي خارج مصر .. فرد سائلا : وما سبب السفر ؟ .. فقلت له : البحث عن العمل .. فنظر نحوي نظرة شفقة .. ثم ساد الصمت بيننا .. ثم عاد يسألني : هل تتخيل أنه يمكنك الحصول علي عمل بسهولة في اليونان ؟ .. فرددت : وكأني أبث الطمأنينة داخلي وقد أفزعني سؤاله .. نعم .. أستطيع العمل في أي مجال أو عمل بسيط .. النظافة مثلا .. فرد  قائلا : مجال شاق.. وأجوره زهيدة والشرطة تطارد من يعمل بدون إقامة .. فسألته إستعطافا.. هل أطمع في كرمك ومعاونتك لي في البحث عن أي فرصة عمل ؟   .. فرد بسرعة كمن يتهرب : صعب.. صعب وإستطرد قائلا : أعتقد .. ليس لديك إقامة عمل ! ..  ثم صمت بعدها .. ودارت رأسي  وأصابني دوار وبدأ علي الإجهاد ظاهرا ..فعاد وسألني قائلا : أليس لديك أصدقاء أو معارف في اليونان .. فرددت بيأس نافيا.. فرد وقد بدأ يتعاطف معي قائلا : لاتجعل اليأس يصيبك يا .. قاطعته قائلا : "سعد" .. أسمي "سعد" .. فرد مرحبا .. أهلا بك يا "سعد" وإستطرد قائلا :  سوف أصطحبك لمنطقة أغيوس موسماس علي ساحل أثينا ..وهناك تنتشر المطاعم والمقاهي والمنتزهات .. قد تحصل هناك علي فرصة عمل .. ولكني لا أعدك بأكثر من المحاولة .. وسوف أتركك بمجرد أن ادلك علي أحدي هذه المقاهي.. ورغم تحذيره إلا أنني شعرت بالطمأنينة من ذلك الوعد .. وعاد لدي الأمل .. وشكرته .. بعدها هبطت الطائرة بمطار أثينا الدولي .. وأمام ضابط الجوازات بالمطار وقفت مرتبك كالأبله .. أنظر بدهشة وأنا غير قادر علي إستيعاب أو فهم لغة السؤال الذي وجه لي منه .. وقد حاول الضابط توصيله بالإنجليزية.. حتي يسجل في دفاتره محل أقامتي خلال فترة الزيارة كما علمت فيما بعد .. وإستنجدت بصديق الطائرة للترجمة والمساعدة .. وفعلا أنقذ الموقف ورد نيابة عني وحدد للضابط عنوان فندق كان يعرفه كمحل إقامة .. وهو أجراء روتيني لابد للضابط أن يستوفيه لمنحي تأشيرة دخول مؤقته لمدة شهر للسياحة .. ودخلت أثينا بصحبة رفيق الرحلة .. وأنا  أكرر شكري وثنائي له طول الطريق  .. فلولاه ما دخلت البلاد ..وأحمد الله علي ستره وعونه .. وقد أنتقلنا معا إلي منطقة العمل المطلة علي البحر بسيارة أجرة  .. وهناك أضطر أن يتركني لإرتباطه بموعد لايؤجل و قبل أن ينصرف رفيق الرحلة مودعا .. نصحني بأن أعبر إلي أعماق المكان وأتجول في العمق للبحث عن العمل و السكن معا .. ففي الإعماق يسكن بعض العرب ممن لهم ظروف مشابهة وبها مقاهي رخيصة تصلح للإنتظار ومن خلالها قد أحصل علي من يساعدني ..وودعته وأنا أشعر بأني سوف أفقد أحدا من أهلي .. أخر من أعرف .. فشعور الغربة ووحشتها والمجهول الذي ينتظرني جميعهم مؤلم..ولا حيلة لي إلا الصمود وخوض التجربة التي فرضها علي نفسي..وينطبق علي المثل القائل" أما مفقود وأما مولود" ..وأخذت حقيبتي الثقيلة وحملتها فوق كتفي .. وأنا  لا أعرف مقدار ما سوف أقطعه من مسافات بها .. وحقيبتي لا تصلح للجر لأنها بلا عجلات جر .. وأخترقت شوارع المنطقة بشكل عشوائي ..حتي وصلت حواري ضيقة تتشابه وبعض شوارع قريتنا من حيث مساحة الشارع فقط ولكن لاوجه للمقارنة فهي مرتبة ونظيفة وتجارية وعامرة بالمارة .. وهناك صادفني مقهي صغيرة عامر بالزبائن إستبشرت به .. فدخلته وجلست استريح .. فقد يفتح الله علي وأحصل علي عمل أو حتي ألتقي من يتحدث لغتي .. وحضر النادل  .. وتبادلنا التحية بلغة الإشارة  .. وأخذت أحاول توصيل  رغبتي في العمل بالإشارة  .. لعله يدرك ما أريد ويساعدني .. ثم طلبت منه كوب من الشاي .. وقد تذكرت كلمة .. "تي" وتعني "الشاي"  .. فأبتسم الجرسون مرحبا بي وقد أدرك ما أريد. بعد أن تناولت بعض فطائر جدتي مع كوب الشاي .. حاولت بث الشعور بالطمأنينة داخلي .. ثم أشرت للنادل  وطلبت مكان للنوم .. فأشار لي طالبا جواز سفري .. فأعطيته .. فأطلع عليه .. ومن خلاله تعرف علي هويتي .. ثم أعاده وهو يطلب بلغة الإشارة مهلة من الوقت .. ثم تركني وغادر المقهي .. وأنا في قمة الشعور بالقلق .. ومرت دقائق وكأنها دهر .. وبعد مدة وجيزة ..عاد مصطحبا شخص يبدو من ملامحه أنه عربي .. فهو مريح وبشوش الوجه والمظهر .. وما أن دخل علي إلا وصافحته بحرارة مرحبا به.. فرد علي بلهجة عربية قريبة للهجتي ولكنها لهجة غير مصرية .. وبرغم الإختلاف إلا أني شعرت بالطمأنينة والراحة معه .. وكنت واقفا فطلب مني الجلوس .. وإستطردت أقول له  : لعلك عونا من عند الله .. فأنا لا أجيد غير العربية وأتمني منك مساعدتي ..فأبتسم مرحبا بي .. متبرعا بإستعداده تقديم يد العون والمساعدة .. فأثلج صدري إستعداده الطيب وأستأنست بوجوده ..وإحتفالا به قدمت له في ألحاح  بعض فطائر جدتي وتناولت الشاي معه مرة اخري .. ولخصت له قصتي بكل صراحة كما هي عادتي .. وأبديت له أمنيتي في الحصول علي عمل وبصرف النظر عن نوعه طالما كان عملا شريفا ..فبشرني أولا بتوافر السكن الجماعي معه ومع مجموعة طيبة ومكافحة من البشر..ولكن دون وعد بفرصة عمل قريبة .. فالعمل يتطلب عناء ومشقة عظيمة في البحث ويحتاج قضاء وقت طويل في المرور علي المطاعم والفنادق وغيرها من جهات العمل التي تتيح عملا للأجانب .. ووعدني بأن يشاركني رحلة البحث .. وتكاتف إخوانه في السكن أيضا في البحث عن أي فرصة عمل..وبكرم العرب المعهود سدد صديقي الجديد حساب المقهي وإنصرفنا .. وكنت أستطيع سداد المقهي لأني قبل السفر من مصر أستبدلت ما تبقي معي من مال إلي درخمات ..عملة اليونان..وحتي أغطي مصروفاتي خلال فترة البطالة والتي قد تطول ..وقبل دخولنا المسكن بفترة وجيزة .. كانت الشرطة قد داهمت المكان .. وألقت القبض علي بعض المقيمين به .. ممن هم بدون إقامة .. ورغم سلامة موقفنا إلا أنني شعرت بالخوف والرعب ..وشعرت بأن الأستقرار في هذه البلد سوف يظل مهدد بمطاردة الشرطة وترحيلها المهين الذي قد يصل إلي السجن .. وها هو طالعي ينبأ بذلك .. قلت في نفسي : هذا  هو أول إستقبال رسمي لك يا " سعد " .. دخلت غرفة نوم كبيرة بها  أربع اسرة كل سرير مكون من دورين .. ورقدت حيث حدد لي صديقي وكنت قد سألته عن إسمه فقال : عمار وأنه من تونس .. توطدت علاقتنا وتعاهدنا علي الأخوة و شعر كلانا بالألفة إتجاه الآخر ..وبمجرد أن رقدت شعرت بأن جميع أوصال جسدي تنبض من كثرة الإرهاق.. وبسرعة.. ذهبت في نوم عميق .. حالة أقرب للغيبوبة منها إلي النوم.. من شدة الضغط العصبي والإرهاق الجسدي..وطال النوم ..فقد ظللت نائما من عصر يوم الوصول إلي صباح اليوم التالي ..عندما أيقظني عمار ..حتي يتمكن زميل آخر من شغل مكاني للنوم ..فالسرير في هذا البيت يؤجر علي فترتين .. فترة صباحية وأخري مسائية ويتعاقب علي السرير الواحد أو يشغله شخصان علي مدار اليوم وبالشقة غرفتان بها حمام واحد فقط يخدم ثماني أشخاص في الفترة الواحدة .. وبعد أن أستيقظت  أقترح علي عمار أن يصطحبني للعمل بأجر زهيد  في جمع القمامة .. كعمل مؤقت موسمي بأحد الشواطئ الخاصة القريبة من عمله والأجر يدفع في نهاية اليوم ويغطي أجرة يوم بالغرفة بالإضافة لتكاليف الطعام .. تحمست للفكرة .. وتركني عمار وتوجه  لعمله بالميناء .. بعد أن أتفقنا علي موعد اللقاء .. وحتي نعود معا إلي المسكن .. فمازالت غريبا ..وأخشي أن أضل الطريق لو أجتهدت وحاولت العودة للمسكن.. وعلي الشاطئ أصابني الإنبهار  .. ظللت مندهشا ..فقد رأيت ما لم أشهده من قبل وأنا رجل ريفي محافظ ..  أصابتني رجفة وشعرت بالدوار مما رأيت من خلاعة.. فقد رأيت النساء كاسيات عاريات ..ولكنهم عاريات أكثر من كونهم كاسيات ..ومع ذلك حاولت غض البصر و مقاومة النفس وكانت  نظراتي الخاطفة من واقع فضولي .. وكنت معها أشعر بتأنيب الضمير.. وكيف أنسي  أصولي وأنا فلاح أبن فلاح .. ثروتنا في قريتنا .. الشرف والعفة.. أتذكر عبارة جدتي  التي طالما أطلقتها علي مثل هذه الامور" ده حال مائل" .. وبطبيعة تربيتها المحافظة ..قطعا لا يعجبها الحال المائل .. وبسبب غرابة ما رأيت مر الوقت  سريعا وعاد عمار في موعده المحدد .. وهو يبتسم ويطالع ملامحي قائلا : لعلك قلق .. هل أصابك مكروه ؟ إبتسمت نافيا ثم إستطردت قائلا  : لن أعود مرة آخري إلي هذا المكان ..إنهم عراه .. فضحك عمار قائلا : أبشر .. سوف نرحل معا .. فسألته بدهشة : إلي أين ؟ فرد : أكيد دعاء والديك .. حصلت علي فرصتي عمل من النادر الحول عليهم .. بل من المستحيل يا صديقي .. سوف نعمل علي سفينة .. في عرض البحر .. قاطعته متسائلا بدهشة : نعمل في عرض البحر؟ .. ماذا نعمل ؟..رد عمار : نعم .. ناقلة مشتقات بترولية .. تحمل زيت بترول خام .. تشتريه من دول الخليج العربي .. وتبيعه لمن يرغب ويدفع في أي مكان في العالم .. سوف نعيش  رحالة بين الدول .. ونجوب معا العالم كله.. سألته عن طبيعة العمل ؟ فرد مازحا :  قبطان طبعا يا صديقي .. ثم إستطرد مصححا .. قطعا مجرد عامل علي السفينة .. ثم أستطرد قائلا : في الغالب سوف تعمل في النظافة أوالمطبخ .. و أضاف :  هي فرصة عمرك .. لن تتعرض لمطاردات الشرطة أو التنقل بين عمل وآخر .. سوف نستقر بالبحر ..أبتسمت وأنا أتساءل: وهل داخل بحر يعرف كلمة إستقرار !.. في البحر نحن دائما عرضة للغرق والدفن في بطون السمك .. أبتسم عمار مصححا : بل قل سوف نتغذى نحن علي الأسماك بالمجان .

بسرعة أن ودع عمار إصدقاءه وغادرنا السكن .. بعدها أستقر الحال بنا أمام أداري التوظيف بالسفينة .. الذي طلب جوازات سفرنا للإحتفاظ بها لديه كأجراء متبع ..  ووقعنا عقود عمل كعمال عاديين براتب يعادل خمس أضعاف راتب عمار في اليونان كما أخبرني .. وهو راتب مجزي ببركة دعاء جدتي .. بالإضافة أن المأكل والمسكن مجانا بالسفينة .. وكانت المفاجأة التي أثلجت صدري هو أحتمال مرور السفينة من قناة السويس خلال رحلتها .. وهذا يعني بكل تأكيد رؤيتي للأهل .. ولو تحقق ذلك فإن من المؤكد هي ببركة دعوات جدتي المستجابة .. أن أعود إلي أحضانها ولو ساعات في زيارة سريعة لاتزيد عن يوم كامل حسب ما علم عمار من زملاءنا بالسفينة .. حيث تتوقف السفينة لإنتظار العبور وأثناءها تحصل علي الأمداد والتموين لمواصلة رحلتها .. في الحقيقة  شعرت بدهشة عظيمة من حجم السفينة الضخم وقدرتها رغم ذلك علي التحرك بسرعة فوق الماء والإنتقال من بلد لآخر برشاقة وخفة وهي تحمل آلاف الإطنان من الزيت الخام.. فتذكرت قدرة الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم .. في صباح اليوم التالي أستلمت عملي في مراقبة وتنظيف الخزانات الممتلئة بالزيوت التي تحملها السفينة كبضاعة حاضرة تباع عند الطلب .. أما أوامر البيع والتفريغ فإنها تأتي من الإدارة عبر أجهزة الإتصال .. والإدارة هي الجهة التي تتحكم في وجهة السفينة وتحدد محل توقفها بالموانئ .. وفعلا بدأت العمل الشاق .. فالعمل يتطلب وقوف مستمر ومرور دائم وعلي مدار الوقت للإكتشاف المبكر للثقوب لو لاقدر الله حدثت ثقوب .. وصميم عملي هو التأكد من سلامة الخزانات وخلوها من التسرب حتي لا تتعرض السفينة للخطر .. فأنا أعمل ضمن برنامج للأمن والسلامة داخل السفينة .. وعلي بالتالي يقع عبءالإبلاغ الفوري عن الخلل .. أما في المساء كنت أنضم لفريق المطبخ لغسل الأطباق وأدوات الطبخ .. ومساعدة الطباخين ..ويشاركني في المطبخ صديقي عمار وهي وظيفة أفضل من الأولي ..ونظام السفينة لا يلتزم بمواعيد محددة للراحة .. فعلي مدار اليوم الجميع خاضع للأوامر .. والتكليف بالعمل قد يكون خلال النهار أو الليل وفقا لتعليمات الإدارة وعلي المكلف الإستجابة وعدم الإعتراض وإلا أنهيت خدماته ورحل من أقرب ميناء .. ورغم ظروف العمل إلا أني إستطعت تكوين صداقات مع الزملاء والإستمتاع بالوقت .. و أيضا إكتسبت مهارات جديدة وعادات ومفردات من لغات شعوب أخري .. في الحقيقة إكتسبت لغة جديدة بلا مسمي .. لغة  مكونة من خليط من اللغات .. لغة يتحدثها أهل السفن .. أبدعها الإختلاط والعفوية.. كنت أحيانا أستعمل لغة الإشارة كلغة للتعبير ولكن أختلف الإمر سريعا .. فالسفينة  تجمع علي سطحها كافة الإمم والشعوب ولاتشترط جنس أو لون رغم أنها يونانية الجنسية ومملوكة لملياردير يوناني كما علمت .. وسبب هذا الخليط البشري مقصود ومستهدف فهي تطوف كل البحار وعرضة للرسو علي كل الموانئ .. وتستعين عند الرسو في ميناء بخبرة عامليها من أهل البلد التي سوف تمر بها .. بأعتبرهم أدلة وعيون لإدارة السفينة ولزملائهم أيضا في بلادهم التي من المؤكد يعرفونها جيدا.. وبعد أسابيع من صعودنا للسفينة تقرر أن تتجه إلي دول الخليج مرورا بقناة السويس .. صاحبها مصادفة توقف عملي الصباحي بصفة مؤقتة بسبب أن السفينة كانت قد فرغت حمولتها أثناء توقفها بإيطاليا  .. وتحركنا فعلا نحو قناة السويس..   وإصبحت فرصة لقاء الأهل علي وشك التحقق بعد أسابيع من مغادرتي القرية.. كانت هذه هي المرة الإولي التي تمر فيها السفينة من القناة وكانت القناة أيضا قد تم إعادة إفتتاحها منذ أسابيع قليلة من رحلتنا هذه.. بعد توسعتها وإزالة آثار الحرب عنها .. والسماح للملاحة الدولية لأستخدمها ..وبمجرد دخول السفينة ميناء بورسعيد كنت قد حصلت علي إجازة سريعة من الإدارة.. ونزلت من السفينة وخرجت أستنشق هواء بلادي مرة آخري.. وأنا أشعر بعودة الروح إلي الجسد .. عاد الدفء مع الروح إلي وأنا أستقل سيارة إلي قريتي .. كنت عائد بلا أمتعة أو حقائب .. فقد فضلت تركها في السفينة .. وفوجئ الجميع بعودتي غير المتوقعة ..  كانت فرحة جدتي تفوق التصور ..وهي تصرخ وتناجي ربها شاكرة له فضله وإستجابته دعوتها التي لم ترد.. وأرتميت علي صدرها متأثرا بموقفها ..وأنا أكاد أغوص داخلها لإرتشف من معين حنانها الجارف .. وأزداد قوة من قوتها وصلابتها العظيمة رغم السن والمحن التي قضمت ظهرها ..وظللت ساكنا فوق صدرها وكأنني أطبب جراحها وأطيب جراحي التي سالت خلال غربتي الطويلة.. أنها حقا مغامرة غير محسوبة .. ولكن الله دائما يلطف وأنا علي يقين من أنه يرعاني .. لأنني حرمت من نعمة الوالدين وعوضني ربي عوضا عظيما بحنان جدتي وتوفيقه لي في غربتي .. أنها عقيدتي وديني التي تؤكد علي رعاية الله لليتيم .. ظلت جدتي تناشدني من أجل أن تستدر عطفي وإمكث معها.. فتأثرت ودعوت لها بطول العمر والصحة والعافية .. وقصصت  عليها ما حدث بالتفصيل .. منذ سافرت حتي قابلت عمار وسبب عودتي .. ناشدتني في فكرة العدول عن العودة والعمل بالقرية ..والعيش معيشة أهلي..إلا أني صمدت أمامها وبذلت جهدا حتي أقنعتها ولو شكليا .. ومرت الساعات وإستسلمت الجدة للأمر الواقع ..وقامت وإشترت أطايب الطعام ..وبسرعة صنعت الفطائر الريفية الشهيرة .. المشلتت.. وحملت معي هذه المرة كل أغراضي وإمتعتي وملابسي لإستعمالها في رحلاتي الطويلة .. وودعت بالدموع جدتي وشقيقي وجدي .. وعدت إلي عملي علي السفينته .. ومعها بدأت مرحلة آخري جديدة من حياتي بعيدا عن الجدة والإهل .. رحلة من الكفاح والمغامرة ..غادرت مصر بالدموع إلي  علي متن السفينة وكنت أتأمل سواحل بلادي الممتدة علي البحر الأحمر لأول مرة في حياتي .. كم هي بلادي طبيعتها خلابة وجميلة .. وشاركني عمار وزملائي وليمة جدتي التي أعدتها خصيصا لنا.. وبدأت أتحمس للعمل وللحياة مع طاقم السفينة بمجرد مغادرتنا مصر.. وكل يوم كنت أكتسب مهارات عمل وإجتهد في إكتساب خبرات لم أتوقع يوما أن أصادفها..وتدربت علي أساليب الأمن والسلامة بالمركب ..وبدأت شخصيتي تنضج من خلال رحلاتي .. وزال خوفي من المجهول .. رغم ما صادفني من أهوال .. و تحديت نفسي وأكتسبت اللغة التي أردتها بإصرار وعزيمة.. تعلمت الإنجليزية وأجدتها.. لأنني كنت في أمس الحاجة لها.. زادت مفرداتي اللغوية من خلال الأحتكاك بالزملاء ومن خلال زيارتي بلدان عديدة توقفنا بها .. فضلا علي إصراري علي المعرفة والتعلم .. وأستمتعت بجمال الطبيعة الخلاب لإرض الله الواسعة .. وأختلطت بشعوب وثقافات متنوعة .. ومع كل ذلك  تكونت ذكريات جميلة سجلتها بالكاميرا مع زملائي ..وظللت بالرغم من ذلك حافظا علي صلاتي أنا وعمار ومحافظا علي تعاليم ديني .. لم يجرفني التيار الذي جرف أمثالي .. حتي أنني لم أمارس الجنس من خلال الدعارة المنتشرة أثناء توقف السفينة بموانئ البلدان المختلفة .. فقد حملت معي سلاح الخلق الحميد الذي نشأت عليه في قريتي .. كنت أعيش علي أمل العودة يوما للأهل .. أتخذت من عمار أنيس وأهلا لي في غربتي ..جمعنا الوفاء وأصبح توأمي علي السفينة .. كانت معاناتي في البحر هو شعوري بأن البحر سجن عظيم .. فأنا و زملائي نظل شهورا طويلة  في عرض البحر .. بعيدا عن اليابسة  ..لا نري غير بعضنا البعض .. أنقطع إتصالي بأهلي .. فلا هاتف يربطنا بهم إلا إذا توقفنا بالموانئ .. شعرت أيضا أنه لا أمل في زواج إلا بالإستقرار علي البر وترك البحر .. كنت من الإعماق طواق للإستقرار والسكن إلي زوجة تعوضني حنان جدتي في غربتي .. وكم من مرة دعوت ربي أن يستجيب.. وفعلا حدث ما لم يكن في الحسبان .. إستقرت السفينة علي شاطئ ولاية أوهايو الأمريكية بعد رحلة طويلة وشاقة .. وكنت شغوف بمعرفة وإستكشاف عالم الحرية .. هذا العالم الجديد الذي أسمع عنه منذ نعومة أظافري .. أمريكا بأضواءها الباهرة ..  راودتني الإحلام والطموح في إقتحام هذا العالم المضيئ والعيش في بلاد المتناقضات.. حيث الثراء والحرية .. ولكن إصابتني صدمة شديدة بمجرد توقفنا  .. وصلني خبر أذهلني.. خبر مفاجئ ..  بيعت السفينة لمالك آخر .. بيعت بمفردها بدون الطاقم والعمال .. سوف يتم ترحيلنا إلي بلادنا علي نفقة الشركة .. شعور غامض أصابني .. شعور بالضياع والخوف من المستقبل .. إنتظرت علي فارغ الصبر مصيري .. حتي قررت الإدارة صرف مكافأت نهاية الخدمة لنا وترحيلنا فعلا إلي بلادنا وإنتقلنا للإقامة المؤقتة بأحد فنادق الولاية تمهيدا للرحيل .. كانت المدينة ذات طابع غربي أنيق .. الشوارع واسعة ونظيفة وممهدة بعناية والمباني مرتفعة وبها بعض ناطحات السحاب بوجهات زجاجية لامعة .. كنت قد تعودت علي أشكال ووجهات مثل هذه المدن الحديثة  من خلال رحلاتي علي السفينة والتي تخبأ في أعماقها أحياء أخري فقيرة وأزقة وحواري ضيقة يعيش بها أقليات المجتمع مثل أحياء السود في هذه البلاد .. ومن خلال مقارنتي بينها وبين طابع مدن بلادي وجدتها تختلف شكلا وموضوعا .. فالمدن لدينا ذات طابع عربي شرقي مختلط في تنافر ببعض المباني الغربية التي يقيمها البعض كعلامة علي تحضرهم فضلا عن تداخل العشوائيات التي أقيمت بعيدا عن التخطيط الحكومي .. ولكني هذه المرة اشعر بالإحباط والهزيمة من قرارترحيلنا ولارغبة لدي في أكتشاف وتأمل المدينة وأسواقها رغم أستعدادي لمثل هذا اليوم .. أول ما صادفني من مشاكل .. كانت مشكلة حمل الإمتعة الضخمة التي جمعتها خلال رحلاتي .. اين سوف اتركها .. فهي ثقيلة الوزن  .. ولا يصلح شحنها بالطائرة لإرتفاع أسعار الشحن .. من كثرة التفكير والبحث عن مخرج من هذا المأزق أشعر بأنني قد أرهقت ذهنيا .. وظل عمار أيضا يشاركني التفكير .. فهو أيضا يعاني من نفس المأزق.. وأخيرا أهتدي إلي صديق قديم عمل معه مدة طويلة في اليونان وهاجر وعاش في الولاية .. وبعد طول بحث عن طريق الإتصال بأهل صديقه توصل لرقم هاتفه فهو امريكي من أصل تونسي .. وبمجرد أن وصلنا إليه.. إتفق معه عمار علي أن نترك له أغراضنا وإمتعتنا لحين العودة مرة أخري إليه أو التصرف فيها بالتنسيق معه وذلك نظير إيجارسوف ندفعه عند إستلامها.. وفي قرارة نفسي عزمت علي العودة السريعة إلي الولاية للإقامة والعمل بها .. وسافرت مصطحبا ملابسي فضلا علي هدايا جدتي وجدي وشقيقي وباقي الإهل .. وعدت إلي قريتي أحمل مدخراتي كاملة وحقائبي .. وقد صقلت الغربة تجاربي وشخصيتي وأصبحت أكثر صلابة علي مدار الإعوام التي قضيتها بعيدا عن الوطن .. خلالها تشكلت ملامح جديدة لي داخلية وأيضا خارجية من ناحية المظهر والملبس والذوق العام .. فإطلقت شاربي وأصبحت أرتدي نظارة طبية وأصابني الصلع واسع .. فإزادت الجبهة عرضا وتراجع شعري الناعم الطويل  للوراء وقد إنسدل علي كتفي وزداد وجهي إحمرارا.. وأمتلئ عودي الفارع الطويل .. وتبدلت هيئتي الريفية بهيئة غربية .. ونزلت القرية وأنا أرتدي معطف طويل وقبعة سوداء كإثبات علي التغيير الذي أصابني وقد شعر الأهل بغرابة ما أرتدي .. وكان أهل القرية ينظروا إلي بدهشة وإستغراب.. وأمام منزل جدتي .. وقفت أمام شقيقي وهو يحدق النظر في ويتمعن ملامحي حتي أدركني وأرتمي بين أحضاني متأثرا بعودتي باكيا ومرحبا بعودتي والأشواق تغمرنا معا .. وقد إنسابت دموع البهجة والفرح..  خلال هذه اللحظة كنت من الداخل في حالة تأهب قصوي .. أستعد للقاء جدتي المنتظر  وأنا أتخيل حرارة اللقاء بعد طول الغياب .. ولدي شوق غريب لها .. وفعلا تركت مهمة الحقائب لأخي وتحركت نحو غرفتها ركدا .. فلم أجدها فيها .. ثم هرولت داخل البيت أبحث عنها بلهفة المشتاق حتي أصابني الشعور بالفزع  .. وتوقفت .. تسمرت مكاني .. بعدها بدأت بنفس الشعور أدرك الحقيقة .. سألت عنها بحذر وصوت مكتوم .. سادت النظرات والصمت من حولي .. أعدت السؤال وقد ظهرت دموعي تلمع .. فرد أخي بقسوة الخبر .. وهو يقر بما حدث : لله ما أعطي ولله ما أخذ .. قلت له : ماتت ..  جدتي ماتت .. رد قائلا :  منذ شهر تقريبا .. سقطت فوق المقعد باكيا.. أشعر بحسرتي وأنا أتناول الصفعة الثانية منه .. عندما أضاف قائلا : ماتت حزنا علي جدك الذي سبقها بعدة أشهر .. وعم الحزن والحداد علي البيت من جديد .. لحظتها .. شعرت بالضريبة الغالية التي إدفعها .. ضريبة غربتي .. إرادتي في الطموح .. في الرغبة في الإستكشاف والثراء .. شعرت حينها بفداحة الثمن الذي ندفعه عندما نفقد الإحبة ونحن بعيد .. ويكون الرحيل بلا وداع.. ظل هذا الشعور معي عدة أيام .. بعدها بدأت المصيبة تنحسر كعادتها .. عدت للتفكير من جديد في إستكمال حياتي ..وتجاوز محنتي ..فقد أصابتني لحد كبير الغربة بنوع من بلادة الإحساس وبرود المشاعر .. أصبحت أكثر صلابة من الحجر .. تجلدت أعصابي مثل القطب الشمالي .. كأني مخدر بفعل البعد والجفوة .. أتساءل أحيانا : المشاعر ضعف ! .. في البحر صادفتني الأهوال ومعها تحولت أعصابي إلي الفولاذ .. مع عودة التعقل عدت للتخطيط من جديد للمستقبل وحتي أتمكن من العودة للولاية التي تركت بها أمتعتي .. درست الحياة حولي بالقرية والمدينة .. ثم أشتريت بمدخراتي  قطعة أرض في المدينة القريبة من قريتنا .. وأقمت عليها بعض المباني الإدارية والتجارية .. وفتحت بها متجر يديره شقيقي لقطع غيار السيارات بعد أن جهزت السكن للإيجار المفروش تحت إدارة شقيقي أيضا .. وأثبت كل ذلك في مستندات ملكيتي التي توجهت بها للسفارة الأمريكية .. وهناك طلبت منهم التصريح لي بالسفر إلي أوهايو و قدمت الأسباب وضمانات عودتي وملكيتي وأرصدتي بالبنك فضلا عن طبيعة عملي كرجل أعمال والتي أثبتها في جواز سفري .. وأثبت في الإوراق أن الغرض الإول من السفر هو إجراء صفقات تجارية في مجال قطع غيار السيارات وإستعادة ممتلكاتي التي تركتها هناك .. وبمعجزة أقنعت المسئول بجديتي في الذهاب لقضاء مصالحي والعودة بعد أنتهاءها إلي بلادي .. وبعد فترة وجيزة منحت تأشيرة سفر وإقامة مؤقتة .. وعزمت علي الرحيل .. وقدمت ما أستطيع من مال للإهل .. وعدت مرة آخري إلي أوهايو أحمل التفاؤل .. ولم تفارقني ملامح وجه جدتي التي كنت أسترجعها مع نفسي وأنا أسترجع توسلتها بألا أسافر .. كنت خلال الرحلة أيضا أقارن بين ظروف سفري الأول وظروف سفري الأخير وفرق الإحساس بينهم .. الأن أعرف حدود مخاطرتي ..أملك أدوات مواجهتها ..  كان لدي ثقة لا حد لها في عون الله وتوفيقه.. كنت أحمد الله أني الأن أملك عصب الحياة .. بعض المال الذي يساعدني علي الصمود في مواجهة ظروفي القادمة .. كل ما كان يؤلمني عندما أتذكر أنني فقدت نبع الحنان الذي كنت أنهل منه قوتي الحقيقية .. قوتي الأن تقتصر علي ما إكتسبت من خبرة .. علي أن أفكر في الزواج بمجرد أن أستقر حتي أجد من تمنحني الحنان المفقود .. ظل الحوار الداخلي وصلت مدينة كولمبوس عاصمة الولاية .. وفور وصولي توجهت إلي منزل صديق عمار.. وألتقيت معه .. وطلبت منه أن يساعدني في تدبير أمر الإقامة والعمل .. وتناقشنا معا في إمكانية توفير عمل لي .. فقدم لي أقترح .. وهو إسناد الإمر لمكتب متخصص في التدريب وفي هذا المكتب الشامل أيضا توجد حلول لمشكلات راغبي الحصول علي الإقامة والجنسية .. وفعلا زرت المكتب .. وقدمت بياناتي .. وقدم لي خطة عمل تتلخص في إجراء زواج شكلي علي الورق .. نظير عمولة تدفع وتسدد علي أقساط تستقطع من الإجر بعد خضوعي لتدريب يناسب نوع فرصة العمل التي يوفرها المكتب أيضا .. وبالنسبة للإقامة إقترح أيضا أن يوفرها لدي من أتزوجها عرفيا .. ومن حسن حظي كانت هناك إمرأة تجاوزت الخامسة والخامسين .. أرملة .. تعاني من الوحدة .. طلبت من المكتب إستضافة شاب تتزوج منه صوريا نظير مبلغ شهري يدفع لها .. وكانت المرأة حالتها المادية جيدة ولكنها تحتاج المرافق كأنيس لها .. وافقت بلاتردد علي الفرصة المتاحة والعرض المغري المقترح من المكتب ..وفي نفس اليوم بدأ التنفيذ .. وهو ترتيب آلهي لاحيلة لي فيه.. وتزوجت المرأة بمكتب التزويج وتدعي "مدام هاريس" .. وهي أمريكية من أصل فرنسي .. بها ملامح رقي وجمال قديم وأنوثة ..ذبل الجمال مع العمر وظلت الأنوثة .. بمجرد الزواج عدت مع المرأة إلي مسكنها.. حيث خصصت لي غرفتي بجوار الحمام .. وكانت تتعامل معي بلطف ورقة فرنسية واضحة..وكانت المشكلة الأساسية بيننا هي اللهجة ولكني مع الإيام بدأت في فهمها..وفي اليوم التالي  إستلمت برنامج التدريب وبدأت العمل الجاد حتي إلتحقت بمصنع متوسط الحجم كعامل لحام وهي مهنتي التي حصلت بها علي دبلوم الصنائع .. مهنتي التي لم أمارسها من قبل وظلت كامنة داخلي معلوماتها .

وخلال مدة وجيزة أكتسب ماهرات العمل وتقدمت بشكل ملحوظ وإستطعت تسوية   مديونياتي مع المكتب وسددت حتي العمولات المستحقة علي .. وبدأت أسدد المستحق مباشرة إلي "مدام هاريس"  نظير الإقامة لديها .. وتشجعت في البحث عن عمل أفضل وفعلا أنتقلت إلي عمل أفضل بمصنع كبير .. وفي المصنع أستطعت تحقيق نقلة نوعية في حياتي حيث أصبحت أعمل مساعد مهندس في مجال لحام المعادن ..وألتحقت في وقت فراغي  بمدرسة تأهلية لإستكمال التعليم الجامعي حتي أحقق طموحاتي في الصعود العلمي ..بل ولم أكتفي بتحقيق طموحي ..ولكن كنت أريد جمع الشمل و رد الجميل لصديقي المخلص عمار ووفاء له إتصلت به وقدمت له النصح والمساعدة حتي حصل علي تأشيرة الدخول من السفارة الإمريكية .. وألتحق بعمل لدي المصنع القديم الذي كنت أعمل به ..ودبرت له الإقامة مع بعض الإصدقاء .. وعادت علاقتنا وصداقتنا القوية .. ومع مرور الإيام توطدت علاقتي "بمدام هاريس" لدرجة أنها كانت ترفض بإصرار أخذ أجرة الإقامة لديها.. حينها شعرت  بأنسانيتها وحبها النادر في هذه البلاد الباردة .. كانت تأسرني بكرمها  وتخاف علي برغم الإختلاف الثقافي والديني .. وفي لحظة صفاء طلبت مني برجاء تفعيل الزواج بيننا وان أنتقل إلي غرفتها بأعتباري زوجها..لأن كلانا وحيد .. يفتقد الأنيس وتتشابه الظروف بيننا   .. لم أتردد .. أستجبت كنت فعلا في حاجة للإشباع النفسي و الجسدي ولو مع إمرأة في عمر أمي .. لم أعترض ..وأقمت معها علاقة شرعية كاملة .. وأنهيت بذلك عزوبية مزمنة ..ورغم فارق العمر إلا أني شعرت بعطاء الأنثي وجمالها فضلا علي نقاء سريرتها النادر..وشجعتني علي الحصول علي إجازة من عملي ..وسافرنا معا عائدين في رحلة إلي مصر .. كانت أجمل وأسعد رحلة قضيتها .. أكتشفت أنا أيضا خلالها الوطن .. وأحبت زوجتي "هاريس" مصر .. بل هي عشقتها كما كانت تعشقني ..وطافنا معا أرجاء مصر التي لم أطوفها من قبل رغم أنتمائي لها .. كنا  ننهل من كرم وطيبة شعبها وقد ملكنا المال الذي يساعدنا علي الترحال بين أرجائها.. وشعرت "هاريس" بدفء الأهل  وبحرارة وحفاوة تعاملهم معها .. كادت لا ترغب في العودة معي من كثرة حبها لهم .. بعدها إستمرت الحياة بيننا  فيما يزيد عن عشر سنوات حتي حصلت علي إقامة دائمة تمهيدا للحصول مستحق علي الجنسية .. ومرضت "هاريس" مرضا شديدا.. وكنسمة جميلة .. أنتقلت إلي الرفيق الأعلي وودعتها بالدموع .. تركتني وحيدا مرة أخري ولكنها تركت لي ثروتها الكبيرة .. كانت قد سجلتها ومنحتني إياها قبل أن تموت ..وكنت غير مصدق عندما تنازلت لي بمحض أرادتها عن كل ممتلكتها ..ومنها المسكن الذي جمعنا .. وبوليصة تأمينها التي إستحقت لي بوفاتها.. ولكن حزني عليها كان حقيقي ونابع من القلب لإنسانيتها وليس لثروتها  .. بعدها  قررت أن أتزوج  من فتاة مصرية صغيرة عني أصطحبها من قريتي لتعيش معي وأشكل شخصيتها وفقا لرؤيتي .. ووضعت مواصفاتي الشكلية .. أردتها متعلمة تعليما متوسطا حتي أظل أنا الأعلي بما أكتسبت من خبرات.. وأردتها أيضا من أسرة فقيرة حتي أنقذها من براثن الفقر وأنوب ثوابها من الله .. وقطعا كنت أريدها مثلي ريفية من بيئتي الأصيلة .. من الجذور.. ولأني طواق للجمال أردتها جميلة فأنا بتكويني عاشق للجمال ..ومن لا يعشق الجميلات من النساء وهن السكن والحنان .. وأرسلت شروطي لشقيقي .. و بعد بحث وتحري في القرية وفي القري المجاورة.. صادف شقيقي في قرية مجاورة فتاة أسم علي مسمي .. تدعي "جميلة" ..تطابق مواصفاتها طلباتي ..فهي آية في الجمال ..تبارك الخلاق.. تجاوزت العقد الثاني بقليل .. ومن أسرة فقيرة ..والدها مزارع بسيط ولها شقيق عاطل ولكنه يبحث عن عمل .. وعندما علمت بأمرها ..طلبت منهم إرسال بعض صورها لي لرؤيتها ..فوجدتها أجمل مما رسمت في خيالي .. فقررت السفربمجرد الحصول علي إجازتي السنوية .. وفعلا خططت ونفذت .. وبوصولي وبعد عدة لقاءات مع أهلها عقدنا القران وقدمت لها ولأسرتها الهدايا وأشترينا معا الذهب ودفعت لها مهرها وأغدقت عليها بالإموال وتركت معها مايكفي سفرها ويفيض لإسرتها .. وقبل عودتي أصطحبتها وقدمت أوراقها للسفارة الأمريكية  .. وسافرت لعملي  وتركتها تلحق بي بعد إنهاءها الإجراءات التي تستغرق بعض الوقت..وبمجرد عودتي للولاية  أشتريت بيت جديد لنعيش فيه معا وسيارة جديدة بدل سيارة "هاريس".. وأعددت السكن أعداد يفوق تصور خيالها .. ومن جانبها إستكملت هي إجراءاتها وحضرت مرتديه فستان زفافها .. وكنت أتابع  رحلتها لحظة بلحظة من خلال الهاتف .. حتي وصلت .. وأستقبلتها و جمع من الإصدقاء إستقبالا رائعا .. وأعددت لها سهرة جميلة وحفل زفاف أسعدها بحضور صفوة أصدقائي .. لم أشعرها بغربة رغم المسافات التي قطعتها .. وبدأت حياتها معي وهي تعيش الحلم .. لم تصدق ما تري و تعيش .. في البداية ..بدأت الحياة هادئة بيننا .. حالمة كملامحها الملائكية .. أعتقدت معها أن الإستقرار قد حل بحياتي إلي الأبد ..ولكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن ..فأختياري لها كان شكليا وليس موضوعيا.. بدأت العشرة تفصح عن قباحتها .. تتضح بعد شهر قصير من العسل .. كلانا كان يشعر بغربة عن الأخر .. بدت لي ملامح شخصيتها  .. في البداية كنت أكذب ما يبدو لي .. لم أكترث كثيرا بما شعرت.. تصرفاتها تعبرعن شعور دائم بعدم الرضا .. هذه هي طبيعتها الأصيلة .. لاترضي ابدا .. فاقدة لهذه النعمة العظيمة ..الرضا.. سواء في نظرتها للحياة معي.. أو في غربتها التي تستشعرها .. وهي غربة لم تفرض عليها .. برغبتها .. وهي معي تعيش حياة قد تحسد عليها من أمثالها.. ورغم ذلك كنت ألتمس لها العذر عندما تشتكي من أنها تعاني الوحدة .. فالوحدة موحشة لأهل الريف .. وكنت أمزح معها قائلا : هكذا العصفور قد يفضل الوقوف فوق غصن جاف بلا ورق عن العيش في قفص من ذهب يا صغيرتي .. كنت أعتبرها فترة  وتتأقلم بعدها ..ولكن شخصيتها إتضحت بقوة خلال فترة وجيزة وبدأت تتبدل نظرتي لها .. لاحظت طبيعتها الشرسة والمتمردة ..بدأت تعبرعن سخطها وتأففها من حياتها .. وعدم أحساسها بالرضا حتي من الملابس التي تقتنيها والتي أشترتها هي بأرادتها .. والغريب والمتناقض أنها رغم الحنين لحياتها الأولي إلا أنها إنسلخت من جلدها وأعلنت العصيان علي ماضيها وأصولها القروية .. بأقتناء أزياء الغرب الضيقة والعارية .. هي ترغب في إرتداء مايظهر مفاتنها بعد أن خلعت ثوب الحياء أمامي بمطالبها الصريحة والغريبة .. تناقشنا ووصل الأمر للمشادة الكلامية بينا .. وأعلنت موقفي بوضوح .. قلت لها : أنا أوافق ترتدي ما تريد طالما داخل جدران البيت .. ولكن خارج البيت عليك الإلتزام بأصولنا الريفية والإسلامية.. وعلي النقيض تريد أن تفعل .. هي تهفو لإستعراض جمالها وأنوثتها أمام الجميع .. القاصي والداني .. حتي تستشعر جمالها من أعينهم .. فأعترضت .. وظل الجدل دائر بيننا حتي نفذ صبري وخوفا مني .. وافقت علي أقتراحي بأنتهاج السلوك الوسط  .. الإحتشام .. سلوك يتماشي وقيم قريتنا التي ننتمي إليها..وأنتقلت معها لخلاف جديد .. أمر يتعلق برغبتها في تحقيق طموحاتها وأحلامها ..فهي لا ترغب أن تكون مجرد تابع .. زوجة بلا هوية أو شخصية ..هي تعتز بقدرتها .. تريد أن تخرج تواجه الحياة والمجتمع ..تشارك بإيجابية .. تريد أن تتعلم قيادة السيارة .. أن تتقن لغة الولاية .. أن تخرج بلا مرافق لشراء إحتياجاتها .. تتسوق .. تكون صداقات وحياة إجتماعية .. بأختصار .. هي لا تريد أن تظل حبيسة الجدران .. قالت لي .. أنا أنسان مثلك تماما .. أنت لديك طموح مشروع وأنا كذلك .. وغايتنا واحدة بصرف النظر عن وسائلنا .. إستطردت قائلة : أنا طموحة منذ نعومة أظافري ..وهذا مالم تسألني عليه عندما حضرت لتتزوجني .. مدي طموحي .. وأضافت قائلة : أعتبرت الإرتباط بك فرصة تحققت لي للوصول إلي بلاد الحرية وتحقيق الغايات.. دائما كنت أطمح لتحقيق حريتي بلا قيود .. أكتشفت أن الإيام قد مرت سريعا وقد مر علي حضورها ما يقرب من عام .. وعذرتها لشعورها فهي فعلا إنسان .. ولكن لاتوجد حرية مطلقة وإلا تحولت لفوضي .. وأكيد هي تقاسي من الغربة كما سبق وقاسيت أنا .. ويوم أحتفلنا بمرور عام علي زواجنا وضعتني أمام خيارين أما أن أحضر شقيقها للعمل معنا بالولاية حتي تشعر بالأنس وقرب الأهل منها أو أطلق سراحها وتعود إلي وطنها .. وبدأنا مرة أخري في جدل ونقاش  طويل يحرق الوقت والإعصاب معا ..وهي تبدي إستياءها من الحياة الرتيبة .. وإعتبرتني في حقيقة الأمر بأنني مجرد سجان وهي الضحية التي وقعت في يدي وهي بذلك تصور حالها معي في غربتها من وجهة نظرها .. أستسلمت .. وحاولت أن أنتهج المرونة والموضوعية معها ..فألحقتها بمكتب تعليم قيادة السيارات ..وألحقتها بمعهد لإجادة اللغة ..ونجحت فعلا في إشغلها فترة من الوقت  .. وإستخرجت فعلا ترخيص قيادة ..وبدأت تخرج منفردة للتسوق .. وإنشغلت بإهتمامتها الجديدة ..حتي بآلام الحمل .. كان للخبر وقع طيب ورائع علي .. شعرت بأن الحياة تمنحني بسخاء لاحدود له.. وأن كل الأماني التي أردتها تتحقق تلقائيا .. أختلفت كل أنطباعتي عنها .. نسيت أفعالها وجدلها الذي لاينتهي .. كنت أتعمد الرقة والرفق معها .. ورزقنا الله بطفلة جميلة وبعدها بأقل من عامين رزقنا بطفلة أخري أكثر جمالا .. طارنا بهم فرحا ..وبذلت كل ما في وسعي من إجلهم ..ولكن "جميلة"  كان لها رأي آخر .. أعتبرتهم سلاحها الجديد .. وسيلة ضغط وقهر تستخدمه ضدي ..فهي تري حياتها معي جحيم لايطاق وحياة بلا روح أو أهل .. إكتشفت بسلاحها الجديد مدي كرهيتها لي .. أعماقها أتضحت  سوداء .. في قلبها ينعدم الحب الحقيقي.. هي في غاية الجمال الخارجي وفي غاية القباحة من الداخل .. تتستر بجمالها الخارجي عن قباحتها الداخلية .. للأسف كنت مجرد وسيلة أرادتها لغايتها وهو الخروج من قبر أبيها ومستنقع الفقر الذي جاءت منه .. أرادت ما أحاط حياتي من إغراءات باهرة كانت تبحث عنها .. ضغطت بكل قوة .. وألحت في طلب إحضار أسرتها من أجل أن تعيش معها  هنا أو الخيار الصعب وهو عودتها  برفقة فلذات قلبي .. بناتنا ..  وهناك تعيش بهم بعيدا عني..  وبعد مفاوضات وجهد كبير وإتصالات مع أهلها .. وافقت علي أن أكتفي بإحضار شقيقها للحياة معنا.. وأن أتحمل علي نفقتي الخاصة تكاليف إحضاره وأعالته أيضا .. وبمعجزة أحضرت لها شقيقها في ظل ظروف صعبة سبقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي راح ضحيتها برجي التجارة العالمي بيد تنظيم القاعدة الذي ينتمي لأشقاء عرب ..جعلت السلطات والشعب يتعامل معنا بحساسية لاداعي لها.. وحضر شقيقها من أجل أن يعيش عالة علينا فهو غير متحمس للعمل أو للتأقلم مع المجتمع الجديد ولايجيد شئ .. قررت تنفيذ ما وعدت وأن أعول رجل قادر علي الكسب من أجل بناتي  عليه.. ودبرت له أيضا سكنا قريب من منزلي حتي لا يطبق علي أنفاسي ويلازمني خلال فترة وجودي بالبيت  .. ورغم كل ذلك لم تشعرني برضاءها عما فعلت أو حتي عن حياتها معي .. وأصابتني حالة من اليأس وشعرت بفداحة ما أرتكبت عندما أعتمدت مواصفات أختياري الشكلية وأقترنت بها لأن حياتنا إفتقدت بكل أسف للتكافؤ ولم أمنح نفسي فرصة كافية للتعارف وأصبح الأن التراجع مستحيل بسبب أطفالنا .. وركزت طاقتي وكل إهتمامي في تربية الطفلتين وفي طموحي المهني والعملي وأغلقت أذني حتي لا أسمع صراخها وعويلها بعد أن أصابني الضجر.. ونجحت في ذلك حتي أستطعت بمشاركة عمار شراء مصنع صغير لصناعة المسامير ..وحتي أشغلها في العمل بعيدا عني .. عينتها بإدارة المصنع ..وألحقت شقيقها بالعمل معنا رغما عنه .. وأدرت أنا وعمار العمل الفني .. وفي غفلة مني .. إنتهزت إنشغالي .. وبجبروت إمرأة دبرت أمر إحضار شاب من قريتها .. كانت ترتبط معه بقصة حب عنيفة قبل زواجنا .. وطبعا لا علم لي بقصتها أو بملابسات  وظروف هذا الحب القديم وبمعاونة شقيقها الفاسد نجحت في إحضاره علي نفقتها الخاصة ومن أموالي.. وبعد وصوله  دبر شقيقها لقاءا له بالمصنع  .. بعد أن حاول أقناعي بأنه صديق طفولته وأنه هو الذي دبر أمر حضوره وأنه يقترح أن يعمل معنا حتي نستفيد من طاقته وإخلاصه لنا في عملنا .. والمثل البلدي يقول "زيتنا في دقيقنا" كما قال هو .. ومن أجل رغبتي في عدم تعكير الصفو مع شقيق زوجتي ومناقشة أمر أحضاره من مصر دون علمي .. أقنعت نفسي بما حكي وعينت الشاب وأنا لا أدري السر  ..  وألحقته بعد التدريب ببعمل علي ماكينة التقطيع الأسياخ كعامل إنتاج ..ومرت سنوات أقامت زوجتي خلالها في غيبة مني علاقة لاأعرف مدي ماوصلت إليه مع هذا الشاب بمعرفة شقيقها الفاسد .. حتي أكتشف عمار الأمر مصادفة .. بالرغم من الحذر الشديد في تغطية العلاقة.. وكانت صدمة عميقة وعنيفة لعمار .. شعر بالمصيبة ..فلا يتصور يوما أن يحدث أمامه مثل مارأي .. فهذه زوجة صديق العمر.. وظل في حيرة ..ولكنه بطريق غير مباشر ..طلب مني إنهاء عمل هذا الشاب ..وفشل في أقناعي بالأسباب التي تدفعه للإستغناء عنه ..  وترك لي الأمر دون أيضاح .. وعمار قطعا محل ثقة عمياء وهو يمثل بالنسبة لي أكثر من شقيق   ولذلك بدأ الشك يدب في صدري ناحية الشاب وبدأت في مراقبة كل تصرفاته بكل دقة وفي سرية شديدة .. لأني أعرف مايربطه وشقيق زوجتي من صداقة .. حتي كانت الصدمة الكبري .. أكتشفت ما أراد ولم يقدر أن يخبرني به عمار ..أكتشف في البداية أهتمام  زوجتي بتعمد الخشونة عندما تتكلم معه رغم عدم وجود مبرر لهذا السلوك غير المنطقي .. خصوصا أنه صديق شقيقها الذي بذل كل الجهد من أجل أحضاره فضلا عن كونه جار لهم في القرية .. كنت في البداية أعتبر تحفظها معه أمامي شيئ طيب ومراعاة لإصول .. ولكن منذ طلب عمار أنهاء عمله دخلت الريبة في قلبي وزاد الشك .. وأرادت أن أتأكد مما شعرت به بالحاسة السادسة التي غالبا ما تصدق.. فبدأت أتعمد ذكر الشاب أمامها .. فوجدتها أنقلبت وأصبحت تدافع عنه وتخلت عن خشونتها التمثيلية بعد أن أستشفت نيتي .. فقلت لها صراحة من أجل أن أختبر مدي تمسكها به : أنا أفكر في الإستغناء عنه .. تلون وجهها وإنفعلت ثم ردت بحدة : لماذا ؟ ثم أنتبهت خشية إكتشاف أمرها وقالت مؤكدة بحماس :  أنه المخلص لديك الذي يتفاني في العمل .. فنظرت في عينيها وقد فضحتها وصمت وتركتها إلي غرفتي .. وبدأت أضيق الخناق علي تحركاتها وأراقبها بدقة وأنا أعرف أنها تشعر  بمراقبتي وشكوكي .. فحذرته هاتفيا كما علمت فيما بعد .. ولكنه للأسف فاتحها فيما هو ابشع .. التخلص مني حتي يؤول لهم كل شيئ .. طلب منها مشاركته في عمل أجرامي ..عمل كمين لأنهاء حياتي  .. وذكر لها خطتة الجهنمية  التي أقرتها .. وغاب عن ضميرهما مكر الله وهو أكبر من مكرهما.. بعدها أتصل بي شخص مدعيا أنه فاعل خير ..وأخبرني بخيانة زوجتي ..وحددا لي المكان والزمان الذي أستطيع من خلالهما أكتشاف ورؤية هذه الخيانة ..وتورط زوجتي في علاقة غير أخلاقية مع صديقها ..وأستشاط غضبي ..وخرجت أمشي في الشارع علي غير هدي .. ذهبت لمحل سلاح وأشتريت مسدس لقتلهما معا متلبسين بالجريمة ..وقبل الوقت المحدد قام شقيق زوجتي وعشيقها بالأتصال بشرطة المدينة ..وأخبرهم بأن هناك عضو من أعضاء تنظيم القاعدة الأرهابي سوف يقوم بتنفيذ عملية قتل جديدة .. وحدد لهما مكان وزمان تنفيذ العملية  .. وفي الموعد المحدد كان مجموعة من الشرطة تحيط المكان وهي مسلحة ..وفعلا حضرت  ودخلت المكان وهو جراج سيارتي المقابل لمسكننا .. فوجدت زوجتي تجلس وبجوارها عشيقها لايفصل بينهم مسافة.. فتأكدت من صحة بلاغ فاعل الخير وقررت الإنتقام .. فأخرجت سلاحي .. وقبل أن أطلق الرصاص ..سمعت صوتا يطالبني بالقاء السلاح ..فتحمست لإستكمال ما عزمت عليه حتي أتخلص من عاري وأطهر شرفي الذي دنس .. حينها .. رفضت طلب الصوت الذي سمعت ولا أعرف مصدره.. وقبل أن أطلق رصاصتي .. أصاب صدري رصاصة الشرطة .. صرخت وسقطت أنا وسلاحي .. وغبت عن الوعي ومرت قصة حياتي أمامي سريعا كشريط سينمائي .. والأن أكتشفت أنني نقلت إلي المستشفي .. ولكني أشعر بأنني أرقد علي فراش الموت وقد أنتهت رحلتي .. أنزف دمي رغم كل التضحيات التي قدمت من أجل هذه المرأة وأتألم من الجراح رغم الحقن بالمسكنات .. وكل ما أخشي هو فراق الإحبة .. بناتي .. أهلي ..لا أملك إلا أن أصرخ وأناديكم : أين أنتم يا أطفالي وأنا بعيد عنكم وعنك يا وطن ؟ .. وطني الذي فارقت .. فالثمن الذي دفعته لغربتي .. كان أغلي من كل توقعاتي .. أنها حياتي الذي دفعتها في المقابل نظير أطماع من أحسنت إليهم وخانوني .. نعم ياجدتي هذا المثل كان علي لسانك دائما " أتقي شر من أحسنت إليه " .. أموت وحيدا بلا أهل .. ولا أدري .. هل معاناتي !..كانت نتيجة قرارات خاطئة إتخذتها ؟.. أم هي ضريبة حتمية من إجل ما حققت من نجاح ومكاسب مادية ؟.. أم أنها ثمن المغامرة ؟ وهذا قدري الذي دفعت مقابله كل عمري .

تمت

الثورة المسكوت عنها / عبدالعالي زواغي الجزائري
تعد الاهزوجة الشعبية / عباس شهاب الحمداني

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الأربعاء، 05 أيار 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://www.iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الثلاثاء، 24 كانون1 2013
  5648 زيارة

اخر التعليقات

زائر - Aaron Perez حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
02 أيار 2021
لقد كان من الرائع معرفة أن هناك شخصًا ما يعرف عن السقوط والوقوف من جدي...
زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...
زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال