"نظريات" عديدة حفلت بها الصحافة العربية والعالمية، كرست " لتنوير" القارئ بحقيقة داعش ومصادر انشائها ومدها بالمقاتلين والتمويل المالي السخي والتدريب والتسليح، ثم ايجاد حواضن علنية وسرية آمنة لها، ورغم ان متبني هذه النظريات يجهدون بإلقاء مسؤولية هذا التنظيم الظلامي المتوحش على خصومهم السياسيين، إلا ان ما يبثونه من معلومات متناقضة تحمل في مضامينها كشفا جديدا أو تأكيدا لمعلومات سبق وان تم تداولها عن أصل المسؤولية في انشاء هذا التنظيم الإرهابي. فهناك من يتهم النظام السوري بأنه هو من زرع النواة الأولى للتنظيم في العراق نكاية بالولايات المتحدة وليثبت لها انه لاعب اساس في الصراعات الدائرة في المنطقة، وآخر يتهم ايران لاستغلال هذا التنظيم ورقة ضغط على الولايات المتحدة والغرب وعرب الخليج في صراعها حول مفاعلاتها النووية ودورها في منطقة الشرق الأوسط، وثالث يتهم تركيا بإعتبارها وريثة السلطة العثمانية وراعية حركة الاخوان المسلمين في العالم، مستغلة هذا التنظيم للإطاحة بالنظام السوري ولتأكيد سطوتها في المنطقة متحالفة مع امارة قطر التي تكفلت بالتمويل المفتوح لهذا التنظيم، ورابع يتهم مؤسسات "خيرية" خليجية ومليونرية خليجيين بعلم حكوماتها او بدونه، بأنهم هم المسؤولون عن رعاية داعش وغيرها من المجاميع والتنظيمات الإسلامية المتطرفة، وخامس يتهم اسرائيل ودولا اقليمية أخرى ودوائر مخابرات عالمية بانها هي من تقف وراء تنظيم داعش لإعادة رسم خارطة جديدة للمنطقة تنسجم مع مخططاتها ومطامحها..
نعم ، في كل تلك " النظريات" أنصاف الحقائق، والنصف الآخر من هذه الحقائق يشير الى ان جميع تلك الجهات المتهمة بالمسؤولية عن انبثاق داعش وانتفاخ سطوتها في العراق وسوريا، مستفيدة من وجود داعش وتستغلها في صراعها مع خصومها، وتتخلى عنها وتحاربها بعد انتفاء الحاجة اليها وانتهاء صلاحيتها.. ولذلك سيظل الرهان على القضاء على داعش من قبل التحالف الدولي محفوفا بالحذر، فجميع الأطراف المتهمة لا يمكنها التخلي عن اسلوب مجرب ورخيص لمقاتلة الخصوم بالمرتزقة " المؤمنين". وستنتعش داعش بعد "سحقها" أو يظهر منها او من الأم القاعدة اسم آخر لتنظيم ارهابي، ما دامت مصادر التمويل السخية قائمة، وما دام الآلاف من المعاهد والمساجد في الدول الاسلامية وخارج الدول الإسلامية مستمرة بإعداد وتخريج الشباب المغرر بهم بسموم التعصب، وحيث لا هم لعرابي هذه التنظيمات ان كانوا من الدول العربية أو الإقليمية أو خارجها، إلا تحقيق مصالحهم وبسط نفوذهم، فإن شعوب المنطقة، وحاضرا شعبي العراق وسوريا منها، هم من يدفع ثمن هذا التطاحن على بسط هذا النفوذ الملفع بعباءة اسلامية وصراع مذهبي أهوج.