منذ سقوط حكم البعث الطائفي الفاشي الجائر عام 2003 وإلى الآن هناك حرب إرهابية مستمرة ضد النظام الديمقراطي الوليد في العراق الجديد. وأعداء العملية السياسية معروفون، يمكن تقسيمهم إلى ثلاث فئات: الأولى، فلول البعث الذي فقد السلطة، والثانية، قسم من سياسي السنة العرب الذين فقدوا احتكارهم للسلطة وتحت أي مسمى كان، رافضين الديمقراطية وصناديق الاقتراع في التبادل السلمي للسلطة، والثالثة، المنظمات الإرهابية الإسلامية وتحت مختلف الأسماء، النقشبندية، والقاعدة، وأخيراً وليس آخراً، (داعش).
كانت حجة هؤلاء جميعاً في أول الأمر، أنهم يحاربون القوات الأمريكية المحتلة، ويدافعون عن سيادة واستقلال العراق. لذلك أطلقوا على إرهابهم "المقاومة الوطنية الشريفة". والحجة في الظاهر حق مشروع تمر بسهولة على السذج والجهلاء، رغم أن معظم ضحايا التفجيرات من الشيعة. وقد استخدموا الانقسام المذهبي لهذه الاغراض السياسية الدنيئة، فراحوا ولأول مرة يثيرون الفتنة الطائفية ويستخدمون أقذر الوسائل في الشحن الطائفي وبمنتهى الصراحة والوقاحة وخبث، وبشكل غير مسبوق في تاريخ العراق، وبدعم من الحكومات العربية،(1) وتركيا وحتى جهات غربية.  
وكنا قد أكدنا وحذرنا مراراً، أن الهدف من هذه الحملة الإرهابية هو وأد الديمقراطية وإجهاض العملية السياسية، وإبادة الشيعة، بدليل أن إرهابهم استمر حتى بعد خروج القوات الأجنبية. والأنكى من ذلك، أنهم راحوا يطالبون أمريكا بعودة قواتها إلى مناطقهم لخلاصهم من الدواعش الذين هم جلبوهم ووفروا لهم المأوى وساندوهم، مفضلين القوات الأمريكية لتحريرهم على الجيش العراقي، لأن في الجيش العراقي ضباط وجنود شيعة!! ولذلك حصل تحالف وتماهي في الأهداف ووسائل تحقيقها بين هذه الجهات الثلاث، البعث والإرهاب الداعشي، والقيادات السياسية السنية المشاركة في السلطة. وأخيراً اتضحت الحقيقة للعالم، كما جاء على لسان وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف الذي أكد أن البعثيين والسنة يمثلون أقوى مفرزة في تنظيم ″داعش″، مشيراً الى أن ″اولئك يستخدمون السلاح بكفاءة عالية″. وحذر لافروف من أن ″العراق وصل الى شفا كارثة ونحن نقدم المساعدات لمنع الوصول الى الهاوية″، لافتاً الى أن ″داعش اصبح قوة مخيفة وعدد مقاتليه بلغ 50 الف مقاتل″.))(2)

فيا ترى من أين جاء هؤلاء؟ هل هم حقاً "مجاهدون" أجانب جاؤا من أوربا وغيرها؟ إن أغلب الأرقام التقديرية تؤكد أن عدد الأجانب في داعش يتراوح ما بين 5 و 10 بالمائة من الإرهابيين في أكبر تقدير، وهذا يؤكد ما قاله لافروف. إضافة إلى دعم جهات دولية تضم الدول الإقليمية (السعودية وقطر والأردن وتركيا)، وهذا الدعم لم يكن بمعزل عن مباركة أمريكا، لأن هذه الدول هي حليفة لها في المنطقة، رغم أنها ضمن التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في العلن. كما وأكد نائب الرئيس الأمريكي، جو بايدن في محاضرة ألقاها في إحدى الجامعات الأمريكية أن السعودية وقطر وتركيا تدعم داعش(3 و4) وبايدن وحكومته ليسوا أبرياء في هذه اللعبة.
فهناك هدف مرحلي مشترك ومباشر يجمع هذه الأطراف الثلاثة تحت مظلة (داعش) الآن، وهذا الاسم يسمح لجميع الأطراف المشاركة بارتكاب أبشع الجرائم ضد الإنسانية، وأقذر الأعمال الإرهابية دون أن تحاسب عليها القوى السياسية المشاركة في السلطة وفي الإرهاب، والحكومات الداعمة لها. فهؤلاء يتظاهرون بمحاربة داعش وإدانة جرائمها ويلعنونها في العلن، ويدعمونها في السر وبطرق ملتوية كما ذكرنا، ولكنهم في نفس الوقت يشوهون سمعة القوات العراقية والحشد الشعبي التي تحارب داعش.
وكل جهة تستخدم الجهات الأخرى على أمل أنه تحالف تكتيكي مرحلي، للقضاء على الديمقراطية، أو إبقائها بالاسم فقط بعد إفراغها من محتواها، كما حصل في العام الماضي بعد الانتخابات التي حلت محلها "المقبولية" بدلاً من نتائج صناديق الاقتراع. واستخدموا داعش لتحقيق هذا الغرض. ولكن الهدف الأبعد بالإضافة إلى الإجهاز على الديمقراطية، هو القضاء على كل ما تحقق بعد 2003، وإعادة تأهيل البعث، ومشاركته في السلطة. وكما هو معروف من تاريخه الدموي، فالبعث لا يقبل بالمشاركة في الحكم مع أحد إلا كتكتيك مرحلي لينفرد فيما بعد باحتكار السلطة وحكم البلاد بالنار والحديد، والحروب العبثية، ونشر المقابر الجماعية لتعطيل التنمية في العراق ودول المنطقة خدمة لإسرائيل.

والجدير بالذكر أن ما سمي باحتلال الموصل وتكريت، وأجزاء من محافظة الأنبار، باسم داعش، كان مجرد استخدام مصطلحات للتمويه. فما حصل هو تغيير الاسم فقط، إذ أعلنت إدارات هذه المناطق انفصالها عن الدولة العراقية الفيدرالية دون إطلاق رصاصة واحدة. وهذه ليست المرة الأولى التي تتم فيها محاولة فصل الموصل عن العراق. فعند تأسيس الدولة العراقية عام 1921، حاول جد الأخوين النجيفي (عبدالعزيز النجيفي) حث أهالي الموصل للتصويت في الإستفتاء الذي نظمته عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، لإلحاق الموصل بتركيا. كذلك مؤامرة الشواف عام 1959، والتي قضى عليها الشعب في مهدها. وما حصل يوم 10 حزيران الماضي هو الانفصال الثالث من نوعه وبتكتيك جديد باسم داعش. أما هروب المحافظ (أثيل النجفي) ومساعديه إلى أربيل فكان مجرد مسرحية لذر الرماد في العيون والضحك على الذقون.
ولم تكن هذه المسرحية بمنأى عن مشاركة حكومة إقليم كردستان، حيث كانت حصتها من الغنيمة احتلال كركوك، وإلحاق المناطق المتنازع عليها والتي "حررتها" قوات البيشمركة من "احتلال" الدواعش، وأعلن حينها السيد مسعود بارزاني رئيس الإقليم أن المادة 140 من الدستور انتهت، وأعلن ابن أخيه السيد نوجيرفان بارزاني رئيس حكومة الإقليم، أن العراق دولة مفلسة، يعني لا يوجد شيء اسمه عراق. وغني عن القول أن هذه التصريحات تصب في خدمة القوى المنضوية تحت مظلة (داعش).
ولكن في نفس الوقت أخطأ هؤلاء في حساباتهم، ولم يخطر في بالهم ما لم يكن في الحسبان، إذ كانوا قد خططوا بتحريك ما يسمى بالخلايا النائمة في بغداد ليعيدوا فيها ما حققوه في الموصل وتكريت.
ولكنهم فوجئوا بفتوى الإمام السيستاني، التي استجاب لها نحو ثلاثة ملايين من الشباب من كل مكونات الشعب، ليشكلوا فصائل الحشد الشعبي، والتي التحمت مع القوات المسلحة الباسلة وحققت بتلاحمها وبسالتها انتصارات رائعة، وها هي داعش في تراجع وهزائم وإفلاس مالي وأخلاقي. هذه الفتوى أقضَّت مضاجع المتآمرين، الأمر الذي جعلت الحكومات الداعمة لهذه المؤامرة تحتج "على تدخل رجل دين في السياسة!!!" بينما لم تحتج هذه الحكومات ووسائل إعلامها على آلاف الفتاوى التي أصدرتها مشايخ الوهابية في قتل الشيعة وغيرهم، وإباحة دمائهم وهتك أعراضهم.

وبعد تحقيق الانتصارات الساحقة، تحرك الذراع السياسي والإعلامي لجبهة داعش بحملة إعلامية قذرة لتشويه سمعة الحشد الشعبي، باستخدام مصطلحات لتضليل الرأي العام، فمثلاً إصرارهم على تسمية (الحشد الشعبي) بمليشيات شيعية بقيادات إيرانية، يحاربون في المناطق السنية وبدعم من إيران!!، والادعاء بأن هذه المليشيات ما أن تحرر منطقة حتى وأزالوا العلم الداعشي الأسود، ورفعوا مكانه العلم الشيعي الأصفر!!. هذا ما ردده مراسل بي بي سي (BBC Radio4) مساء 6/3/2015. كما وقامت القناة الرابعة البريطانية (Channel 4 TV) مساء 5/6/2015 بنشر تقرير مصور أدعى فيه أن "المليشيات الشيعية" تضطهد وتقتل السنة في المناطق التي تحتلها القوات العراقية، وكمثال، قاموا بتصوير فيلم نرى فيه طفلاً يبلغ العاشرة من العمر، وهم يصرخون في حالة هستيريا (هذا سني سني... انت سني؟)، ومن ثم نسمع رشقات الرصاص المزعوم أنها انهمرت على الطفل الجالس بجانب الحائط. والغريب أن الطفل لم يرف له جفن ولم يسقط ميتاً، مما يدل على أن كل هذه العملية كانت مسرحية أخرجت بإتقان مع تعليقات المراسل للشحن الطائفي ولتشويه سمعة الحشد الشعبي. والله يعلم كم دفعوا في فبركة هذه التقرير وبثه على محطة تلفزيونية بريطانية.

كما ونشر موقع (العربية) السعودي، نقلاً عن فرانس برس تصريحاً لرئيس أركان الجيوش الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي حذر فيه من احتمال تفكك الائتلاف الدولي ضد التنظيمات المتطرفة، إذا لم تقم الحكومة العراقية بتسوية الانقسامات الطائفية في البلاد. وقال "ينتابني بعض القلق إزاء صعوبة إبقاء الائتلاف للمضي في مواجهة التحدي ما لم تضع الحكومة العراقية استراتيجية وحدة وطنية سبق أن التزمت بها"(5). يعني كلام حق يراد به باطل. فيا ترى ماذا عسى أن تفعله الحكومة العراقية أكثر مما فعلت لتسوية الانقسامات الطائفية؟ ألا يعني هذا أن هذه شروط تعجيزية تفرضها أمريكا على العراق لصالح داعش وإطالة بقائه؟
هذه الأسباب وغيرها مجتمعة تجعلنا نعتقد أن داعش صناعة أمريكية لتنفيذ غايات مبيته في المنطقة. إذ لا يمكن للإعلام الغربي الخروج على استراتيجية الغرب إلا في حالات لا تضر بالإستراتيجية العامة.  

كما واستمرت الحملة في داخل العراق من قبل الذراع السياسي لداعش، من أمثال أياد علاوي والأخوين النجيفي والمطلك، ومن أطلق على نفسه بمفتي الديار العراقية، الشيخ رافع الرافعي الذي لم يخجل في الدعوة العلنية بمحاربة الجيش العراقي الذي وصفه بـ(المجرم). (يرجى مشاهدة الفيديو- الرابط في الهامش6). والجدير بالذكر أن الدكتور خالد الملا، رئيس جماعة علماء العراق (السنة)، استنكر وبقوة تطاول الشيخ رافع الرفاعي وتهجمه على أبناء الجيش العراقي وأبناء العشائر والحشد الشعبي(7).

كذلك تصاعدت الحملة من قبل أغلب نواب السنة أو بالأحرى (نواب داعش) في البرلمان على تغييب النائب السيد هادي العامري (القائد الميداني للحشد الشعبي)، ومحاسبته. في حين أنهم قاطعوا البرلمان منذ مدة احتجاجاً على قيام الجيش والحشد الشعبي على ضرب داعش. وسبب تركيزهم على السيد العامري هو ما حققه الحشد الشعبي بقيادته من انتصارات ساحقة على جرذان داعش، وأفشال مخططاتهم الخبيثة. والجدير بالذكر أن كتلة بدر النيابية "أكدت أن رئاسة مجلس النواب سمحت لرئيس منظمة بدر النائب هادي العامري بعدم حضور جلسات المجلس لغرض قيادة فصائل الحشد الشعبي في محاربة تنظيم "داعش"، فيما أشار إلى أن العامري لا يتقاضى راتباً من البرلمان ولديه راتب تقاعدي".(8 و9 و10).
وليس غريباً أن تصدر تصريحات نشاز من نواب داعش تدين قيام الجيش والحشد الشعبي بعملية تحرير المناطق من قذارة الدواعش. إذ صرح ظافر العاني لمراسل بي بي سي أن السنة غير مرتاحين من وجود شيعة يحررون مناطقهم من داعش وهذا سيءدي إلى رد فعل لدى السنة!! كما وصرح طارق الهاشمي الهارب من وجه العدالة (...أن المشاركين في معركة تكريت "غزاة وليسوا بمحررين"). ألا يعني هذا أن هؤلاء هم الذراع السياسي لداعش؟ علماً بأن هناك ثلاثة آلاف مقاتل من العشائر السنية ضمن القوات الأمنية في صلاح الدين (تكريت)(11)

أما موقف السعودية من محاربة العراق لداعش، فهو واضح ومخزي، إذ كما جاء في مقال الصديق أياد السماوي، فقد صرح وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل: ((إنّ وجود القادة الشيعة في الخطوط الأمامية للمعارك ضد تنظيم داعش، رسالة واضحة توّضح أنّ المعادلة تغيّرت وتحوّلت بشكل كبير لجانبهم وهي تدّق ناقوس الخطر بالنسبة لنا، ورغم اختلافنا مع أفكار تنظيم (الدولة الإسلامية) المتطرفة إلا إننا لم نكن نتصوّر في يوم من الأيام أن يتعانق القادة الشيعة وهم يضحكون على أشلاء أجساد المقاتلين السنّة في مسقط رأس الراحل صدّام حسين، محذرا من كارثة ستضرب المنطقة إذا استمرّ هذا الوضع ))(12) .
وهذا دليل على أن السعودية لا تريد القضاء على داعش، وأنها طائفية إلى حد النخاع، وكل إعلامها بأنه ضد داعش كذب في كذب. والعالم يعرف دور السعودية في إرسال قواتها (درع الخليج) لسحق مظاهرة سلمية في البحرين لا لشيء إلا لأن 80% من السكان هم شيعة.

ومن كل ما تقدم نستنتج أن هناك مخطط خبيث من قوى داخلية وخارجية للانقلاب على الديمقراطية لجر العراق إلى الصراع ضد روسيا وإيران وسوريا لصالح أمريكا وحلفائها في المنطقة (السعودية وقطر والأردن وتركيا وإسرائيل)، وما (داعش) إلا مظلة اجتمعت تحتها الأطراف ذات المصلحة، تشمل الذراع السياسي لداعش المشارك في السلطة، وتتلقى الدعم من حكومات إقليمية ودولية بما فيها أمريكا. ومن المحتمل أن يختفي قريباً اسم (داعش)، ليحل محله تعبير (الثورة السنية المسلحة) ضد (هيمنة الشيعة الصفوية والاحتلال الإيراني للعراق)، وبدعم نفس الجهات التي تدعي مناهضة (داعش) في العلن وتدعمها في السر.
فهل سينجح هذا المخطط الخبيث؟ الجواب: كلا، فكما فشلت عملية احتلال بغداد بتلاحم الحشد الشعبي مع القوات المسلحة الباسلة، كذلك ستفشل المخططات الأخرى، فتكتيكات إنقلاب شباط 1963 قد انتهى مفعولها.