لأنهم أعداءُ الفرح، قتلوا فرحة المصريين في العيد الثاني لثورة 30 يونيو، باستهدافهم موكب النائب العام وهم يُمنّون أنفسَهم المتعطشة للدم، بسقوط أكبر عدد من الأرواح مع المستشار هشام بركات، ما بين حرسه الشخصي وسائقي السيارات المرافقة، وما بين المارّة والسابلة في حي مصر الجديدة، ليس مهمّاً لديهم أن يكون من بين الضحايا نساء أو شيوخ أو أطفال. تلك أمور لا تعذب ضمائرهم، إنما غذاؤهم أنينُ الموجوعين وصرخات الأمهات اللواتي غدون ثكالى بأمرهم، ونحيب الأطفال الذين يتحولون في لحظة إلى يتامى على أيديهم.

ولأنهم أعداءُ الحقِّ، استهدفوا رأس الحقوق والقضاء في مصر بعد الحكم على جاسوس الإخوان مرسي العياط وأربابه للتخابر ضد مصر مع دولة قطر المعادية. وجاء استهداف النائب العام واغتياله بعد أسابيع قليلة من فتوى أطلقها الهارب يوسف القرضاوي، المختبئ، مع أضرابه الآبقين، في حضن قطر حاضنة الإرهابيين، وراعية المشروع الصهيو-أمريكي لتقويض المنطقة العربية وتفتيت الدول العربية الكبرى إلى دويلات صغيرة، تشبهها، تتناحر على أسس طائفية. الفتوى التي أطلقها القرضاوي جاءت على لسان "أكرم كسّاب" تلميذ القرضاوي النجيب حين كتب على صفحته: "الخلاص من قضاة العسكر فريضة شرعية وضرورة بشرية وأمنية ثورية".

عقب تحويل أوراق المعزول مرسي العياط وقيادات المحظورة إلى فضيلة المفتي في قضيتي التخابر مع قطر والهروب من سجن وادي النطرون، جرى اتصالٌ هاتفي للكساب، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذى يرأسه القرضاوي، مع برنامج "يوم جديد" على قناة "مصر الآن" الإخوانية يوم 18 مايو الماضي، قال فيه: "إن القضاة الذين حكموا بإعدام مرسي ومن معه، هم إما إنسان في صورة بهيمة أو بهيمة في صورة إنسان!" وكعادتهم في توريط القرآن في جرائمهم، على نحو مغلوط، استشهد بالآية الكريمة: "أولئك كالأنعام بل هم أضلُّ، أولئك هم الغافلون". وعندما سألته المذيعة عن أثر فتواه على شباب الإخوان الذين قد ينجرفون لأفعال عدائية غير محسوبة، أجاب بحسم: "أيُّ انجراف تقصدين؟ هل تقصدين أنهم ربما قتلوا قاضيًا من القضاة أو مجرمًا من مجرمي الشرطة أو العسكر؟ هل هذا يسمى انجرافا؟! دعينا نسمى الأمورَ بمسمياتها. فهؤلاء القضاة وهؤلاء العسكر ينبغى القصاص منهم". هنا قاطعته مقدمة البرنامج، في محاولة منها لتفسير كلامه على أنه يقصد قصر الأمر على أولياء الدم. فقال إن الثوار أصبحوا كلهم "عصبة واحدة في مكان واحد"، مضيفاً: "إذا وُجِد قاضٍ من القضاة عُرف بإعدامه للأبرياء، أو وُجِد واحدٌ من العسكر أو الداخلية، وجب القصاص منه".

هكذا يرى الإخوانُ أن الجاسوسَ خائنَ الوطن... بريءٌ! وأن القاضي الذي يحكم عليه بالعدل والقانون مذنبٌ مهدورُ الدم! فمَن هنا الذي قتل النائب العام؟ الذي نزع فتيل القنبلة وأزهق الروح في ساحة الدم، أم ذاك الذي أمر بنزع الفتيل بالريموت كونترول، وهو آمن في كبرى فنادق قطر، أم كلاهما؟

لكن الحقّ أن هناك مُدانًا ثالثًا، إضافة إلى المُفتي والمجرم، هو قادة الأمن المصري الذين استمعوا مثلنا جميعًا إلى تلك الفتاوى، والذين قرأوا، مثلنا جميعاً، تاريخ الإخوان الدموي منذ عام 1928 وحتى اليوم وقتلهم القاضي الخازندار والنقراشي باشا وحتى رجالا من رجالهم فكروا وعارضوا مرشدهم مثل المهندس السيد فايز وغيرهم، ثم قصّروا في تأمين القضاة ورجال القانون في غدوهم ورواحهم! فالتقرير الذي وصل يد السيد الرئيس فور وقوع حادث اغتيال المستشار هشام بركات، أقرَّ بعدم وجود سيارة تمويه ضمن موكب تأمين النائب العام، فضلاً عن غياب سيارة كشف المتفجرات التي يجب أن تصاحب الموكب!

قضاةُ أي مجتمع هم ضميرُه الحيّ، هم حفدة "ماعت" ربّة العدالة معصوبة العينين في الميثولوچيا المصرية. هم ثروة مصر الحقيقية التي يجب أن نحميها ونحفظها كما تُحفظ النفائسُ والكنوز. فهل من قرارات سيادية استثنائية تتخذ فورًا لتأمين ثروة مصر المهددة؟!