في الوقت الذي نشعر فيه بأن وطننا على شفا كارثة وهو مهدد بأن يمحى من خارطة العالم  ، تؤرقني ، المهاترات المقرفة التي يراها و يستمع إليها المواطن كل يوم من أطراف الكتل المشتركة بالسلطة العراقية تحت خيمة المحاصصة ، وتذكرني بما حدث لي قبل أكثر من أربعين عام .
في أواخر سنوات إقامتي في ألمانيا بمنتصف السبعينات من القرن الماضي كانت لي علاقة مع أحد الصحفين المشهوين في ألمانيا آنذاك "رودولف هيرش"  Rudolf Hirsch الذي كان يحرر حقلا في صحيفة ألمانية معروفة  بعنوان "شاهد على الحدث ls Zeuge bei der Sache ، وقد دعاني مرة لحضور أمسية في نادي "مبدعي الثقافة "  Klub der Kulturschaffende وأذكر    أن رئيسة إتحاد ألمانيا " " " آنا سيغرد " كانت حاضرة أيضا  وخلال تلك الزيارة للنادي دًعيَ المشاركون إلى الإستماع الى فعاليات موسيقية شعرية نظّمها عددٌ من الأدباء و الفنانين البرلينيين وكانت المفاجأة في الفقرة الموسيقية التي عرضت لنوعٍ جديد من الموسيقى الحديثة عزفها مجموعة من الموسيقيين. الأول على طبلٍ كبير والآخر على ناي والثالث على مجموعة من الملعقات البلاستيكية والرابع على كمان. وأمام كل عازف نوطته الموسيقية.
وبدأ العزف وإذا بمجموعة من الأصوات تصدر من الآلات الأربعة لا يربطها أي تجانس أو توافق وكأن كل عازف يقوم بإصدار أصوات من آلته بشكلٍ منفرد لا علاقة له بالآخر مع أن كل منهم كان يُركّز نظره على النوتة الموسيقية ويعزف بجديّة واضحة... وحاول المستمعون جاهدين فَهْمَ هذه الظاهرة في الموسيقى الحديثة دون جدوى.  فَهُمْت آنذاك بأن كل الحاضرين لم يستمتعوا بها وكان الرد على استفهاماتهم أن هذا النوع من الموسيقى يُعيد الإنسان إلى العصر الحجري حيث لم يكن الإنسان يعرف معنى للتجانس أو الانسجام ولم يكن لعلم الموسيقى أصوله ومقاييسه اللحنية سواءٌ في الغرب أو في الشرق. ومع كل الدعاية والإعلان عن هذا النوع من الموسيقى لم يلق أي تجاوب في أنحاء العالم والمتابع للقنوات الفضائية يُدرك ذلك. وقدّمت الموسيقى الحديثة في أشكال أخرى تتميز بالسرعة في الأداء مع الإيقاع السريع والأصوات المتداخلة الممزوجة بالألوان الصاخبة والصور المركّبة التي تتحرك بنفس سرعة الأداء وجمهور الشباب المتلقّي يتحرك في عصبية ظاهرة فرضتها الألحان المُركّبة والأداء السريع. وخرجت من تلك الأمسية مثل الأطرش بالزفة وقد شاركني مرافقي لتلك الحفلة ،نفس الشعور.
   واليوم ينتابني نفس الصداع عندما أستمع الى عزف  يبعث على البكاء من سلطة مفتقدة الى هارمونية الأداء ؟ عندما يتمشدق كل واحد منهم  وبلا حياء بالقول: ومهما يكن من امر فالمداولات بين الكتل الرئيسية ايجابية ومثمرة ومفيدة جدا جدا وبالتالي فان حل الأزمات الذي يتخيله الشعب بانه مستحيل، وهو في وهم من أمره ، فخطر الإحتلال  زائل
 و بأسرع ما يمكن ( غمض فتح ) ، والفساد المالي والإداري زائل وأزمة الكهرباء والماء زائلة ، وأزمة البطالة ستحلها موجة الهجرة الجماعية الكارثية الى خارج الحدود ...   وهكذا نحن الى أين ؟
أحلفكم بحليب أمهاتكم ، وأسألكم :
  " ليش ما تصدكون وي شعبكم وتكولون احنه فشلنه واحنه الخايبين مو احسن ما نبقه مثل الاطرش بالزفة ! " .