كنت أستبعد هذا اللقاء .. بعد أن فرقتنا الأيام .. وتغيرت ملامحنا .. وتراكمت السنين .. إلا أن الدنيا رغم أتساعها ضيقة .. تتداعي علينا الذكريات كلما رأينا من نحب .. أضطرب كياني عندما التقت نظراتنا .. رأيتها تنظر بإمعان واهتمام وكأنها أرادت أن تلفت نظري .. لمحت نظرتها التي لم تغيب عن ذاكرتي منذ أيام الجامعة .. كم تشع عيناها بالحنان .. مازالت أنوثتها مكتملة رغم العمر وقد تجاوزت الأربعين .. لم تذبل .. رغم شعوري بأني قد تغيرت .. خصوصا بعد أن اشتعلت رأسي شيبا .. أتذكر كم كان قلبي يخفق كلما رأيتها أيام زمالتنا في الجامعة .. فيما يبدو من ملابسها السوداء أنها تعيش أيام حدادا .. إلا أن بسمتها الدائمة مازالت علي شفتيها المكتنزة .. لم تفارقها .
أومأت برأسي بالتحية .. ثم هممت أن أتحرك نحوها .. إلا أنها أسرعت و تحركت .. التقينا ما بين الطاولتين وقد جمعنا هذا الحفل الكريم .. تصفحنا بحرارة .. وقبلت دعوتي للجلوس علي طاولتي ومن حسن الحظ أن الطاولة لا يشاركني أحد من المدعوين عليها .. كانت فرائسي ترتعد .. لا أعرف سر اضطرابي .. في البداية ارتبكت وأنا احاول أظهار ترحيبي .
إلا انها كانت أكثر اتزان وثقة بالنفس .. نظرت نحوي ثم سألتني عن أحوالي .. بعدها شعرت أنني بدأت أهدأ .. قلت لها : لم أتزوج .. بدا علي وجهها الاستغراب .. استكملت ردي قائلا : تزوجت وحدتي .. سألتني وقد أظهرت الدهشة : لما ! ؟ .. قلت بحزن : أختلف الواقع عن الخيال .. ردت بذات الدهشة : معقول .. ثم استكملت قائلة : الدنيا مليئة بالنساء الجميلات .. نظرت بصمت وأنا أتأملها وأفكر فيما مضي بيننا .. لحظتها قررت تحويل حواري لوجهة اخري .. ابتلعت ريقي وأنا أسائلها عن سر ارتداءها ملابس الحداد ؟ .. نظرت نحوي .. ثم قالت : زوجي .. أعدت أسألها : كريم زميلنا .. أومأت برأسها .. سألتها منذ متي ؟ .. ردت منذ خمس سنوات .. قلت لها ولماذا ترتدي الحداد .. ردت بعد برهة : لا أعرف .. منذ ارتديت الحداد عليه لم أخلعه .. استطردت قائلة بآسي : ربما لأن وفاته كانت فجائية مما جعلني أزيد حزنا .. لحظتها شعرت بحزن لانعكاس الحزن عليها .. من الواضح أنها أحبته .. ربما أحبته بعد زواجها .. ثم نظرت لها بمواساة وأنا أقول : أقدارنا لا نستطيع الفرار منها يا " هدي " ظل الصمت بيننا وأنا أتذكر كم كان ومازال حبي لهذه المرأة الجميلة .. كنت يوما أرغبها زوجة .. ظل شرودي حتى نبهتني وكأنها تعلم سر هذا الشرود و تحاول أن تخرجني منه .. عقبت وهي تنظر لقاعة الحفل من حولنا وتشير بكفيها قائلة : أعتقد أن هذا المكان مبهرا .. لاشك فهو حفل يبدو رائعا وبهيج .. هنا لا يوجد مكان للأحزان .. ثم نظرت لي تسألني قائلة : يا تري ما سبب حضورك ؟ .. ضحكت .. وقد وجدتها فرصة انتهزها .. سؤال يلبي لي ما أريد أن أعبر عنه .. قلت لها بسرعة بديهتي : من أجل رؤيتك .. أحمر وجهها خجلا وهي تبتسم .. إلا أنها رفعت عينيها وهي تنظر في عيني بلمعة .. مما جعلني أرتبك .. ثم سريعا توازنت .. وأنا أكمل بهدوء : لعلها صدفة .. ثم قلت : خيرا من ألف ميعاد .. قالت باهتمام : ماذا تقصد من ألف ميعاد ؟ عقبت قائلا بشجاعتي علي البوح : منذ افترقنا .. كنت أشتاق لرؤيتك .. إلا أنها بذكائها حولت الموضوع بدلا من التعقيب .. سألتني عن عملي .. ضحكت من مراوغتها .. ثم قلت : أعمل في التدريس .. مدرس ثانوي .
تجاهلت التعقيب .. بعد أن بدأت فقرات الحفل .. وعند الانصراف طلبت منها رقم الهاتف .. فعلا لم تمانع .. تبادلنا أرقام هواتفنا .. بمجرد دخولي المنزل اتصلت لأطمئن عليها .. ردت ضاحكة وهي تقول : كنت علي يقين من اتصالك .. سألتها : لماذا ؟ ردت : لا أعرف .. ربما إحساسي .. ثم صمتت .. قلت : أتمني أن يعود الماء لمجراه .. استطردت : كنت أتمني أن تعود أيام الجامعة مرة اخري .. قالت : لهذه الدرجة .. لقد مر أكثر من عقدين علي تخرجنا .. سألتها بفضول : لم تخبريني عن عملك ؟ ردت .. عملت بمصنع والدي .. بعد أن مات رحمه الله .. أصبح ملكا لي .. ترك لي مصنعا للملابس .. حاليا أديره بنفسي .. أضفت قائلا : سيدة أعمال .. قالت بشكل مفاجئ : لماذا أنت مدرس ؟ .. تلقيت السؤال باستغراب شديد .. حاولت مقاطعتها .. ولكنها أكملت .. ماذا لو تعاونا معا ؟ .. سألتها : كيف ؟ ردت : تعالي لكي تعمل معي .. سألتها : ماذا أفعل فيه ؟ قالت : مدير .. ثم أرادت تفخيم المنصب قائلة : المدير العام ..اندهشت وأنا أسألها : هكذا مرة واحدة .. دون معرفة قدراتي ؟ أعتقد تمزحين !! .. ردت : لا أمزح .. فكر في الأمر .. استطردت قائلة : أنا أعرفك جيدا .. يكفي أنك مخلص .. أنا تعبت من الإدارة والوحدة .. قلت لها : كيف تعرفيني ولم نلتقي منذ تخرجنا .. عموما .. تعني من كلامك ..أنك سوف تكوني بجواري بالعمل .. قالت : أكيد .. أعرف أني متسرعة .. ولكن لا اعرف سر ما هتف بداخلي .. سوف أقول لك بصراحة .. قد أكون في حاجة لكسر وحدتي .. أشعر أني لمست ذلك معك من خلال حوارنا هذه الليلة .. لا تنسي " أيهاب " كنت يوما ما .. قريبا .. رب صدفة خيرا من ألف ميعاد .. ضحكت فقد سبق وقلت لها ذلك منذ ساعات .. سألتها : هل بدأت الذكريات تتداعي عندك كما هي الآن في ذاكرتي ؟ .. قالت : ربما .. قلت ولكنها أحيانا تؤلمني .. كلما تذكرت تعمد بعدك عني .. ردت تعقب .. كنت مثل أخي ولكن كان لا يصلح في ظل ارتباطي ب"كريم " .. قلت : وما الجديد ؟ قالت : نضجت .. بعد أن مات .. شعرت الليلة بشعور مختلف .. سكتت ثم استطردت .. من الحياء الا أفصح عما يدور بمشاعري .. قلت : أحتاج بوحك .. أفصحي .. أنا يا " هدى " مازلت أحبك .. لم أتزوج من أجلك أنت .. قارنت بينك وبين كل من رشحت للزواج .. كنت تفوزين .. كفتك ترجح .. تراجعت كلما قارنت بين جمالك وجمالهم .. ردت : يؤلمني ذلك يا " أيهاب " أرجوك .. أترك للأيام تضمد ما جرحك .. فكر في عملك معي .. قد يكسر بيننا وحدتنا .. ودعتها وأغلقت هاتفي.
في هذه الليلة .. كنت غير متزن .. أحلق بأحلام اليقظة بعيدا في فضاء السعادة .. وأعود مرة ثانية بالإحباط .. الزمن تغير وأنا تغيرت .. أشعر باليأس .. هي عادت مصادفة .. قد تكون أرادت أن تغير حياتي لصالحها .. تبدو أنانية .. تريد أن تكسر وحدتها بعد أن فقدت الرجل .. تمتلكني .. أنها اختارت "كريم " ولم ترغب من قبل ب " إيهاب " هل أنا بديل الآن بعد أن مات ونسها وحبيبها .. أم بدأت تشعر بإخلاصي عندما علمت أني لم أتزوج من أجلها .. ظلت حيرتي حتى الصباح .. حلقت طائرا فوق السحاب ونزلت علي فراشي البارد بعد أن أشرقت الشمس .. نمت بعدها حتى الظهيرة .. ولم أنزل للعمل .
بعد أن استيقظت وصليت .. ظل هاتفها يرن ولم ترد .. تناولت إفطاري وأنا أفكر في سر عدم الرد علي الهاتف .. ظل انتظاري حتى الليل حتى يئست .. شعرت بالفراغ .. دخلت أبحث عن صفحاتها علي النت .. كنت أكتب اسمها لعل جديد يظهر امامي .. كنت أشعر بشعور الغريق الذي يتعلق بسراب يعتقد انه المنقذ .. أبحث عن من يشاركني الوحدة بعد أن اعتزلت الأهل وماتت أمي .. فعلا .. عادت روحي وشعرت بالفرح عندما دق هاتفي ووجدت أسمها .
ألو .. هدي .. لماذا لم تردي عندما اتصلت ؟ سألتني بدهشة : متي اتصلت ؟ قلت : اتصلت في ظهيرة اليوم .. قالت : نعم .. نعم .. كنت بالمصنع .. أجعل هاتفي صامت .. بعدما خرجت من المصنع نسيت اعادة تشغيله .. سألتني : فكرت .. متي تستقيل ؟ .. ضحكت وقلت لها : لماذا أستقيل ؟ لو قررت العمل معك .. يمكنني الحصول علي اجازة بدون راتب للتجربة .. حتى لو فشلت في الادارة يمكنني العودة إلي عملي .. استطردت قائلا : لا مورد لي غير عملي .. ضحكت وهي تسألني : تخشي الجوع ؟ ثم تجيب مؤكدة : لا .. لن تجوع .. قلت لها : اتركي الآن هذا الأمر وتعالي نجتر ذكرياتنا معا بالجامعة .. فعلا أخذتنا الذكريات طويلا علي الهاتف .. بعدها اتفقنا علي موعد للقائنا مرة اخري واتفقنا علي المكان .. بمصنعها غدا .. وتمنت لي قائلة : أتركك في أمان الله .. أحلام هادئة ووقت سعيد .. ثم أغلقت.
في هذه الليلة جلست ساهرا .. أشعر بالسعادة الغامرة .. بعدها قررت أن أخوض تجربة العمل معها .. لعلها فرصة لزواج من أحب .. دق الباب اخيرا .. نعم ما المانع أن أخوض التجربة وأتزوجها .. خصوصا أنها لم تنجب من "كريم " أشعر بأن هناك علامات تيسير من الله .
زرتها وأقنعت نفسي بالاستمرار .. وفعلا عملت معها ..حتى بدأ الواقع كالعادة يختلف عن الخيال .. رأيت منها ما صدمني .. كنت قد رسمت لها صورة ملائكية .. مجرد هفوات مثل كل البشر .. قد تخطئ ولكنها رقيقة .. ناعمة .. جميلة قلبا وقالبا .. لكنها ..تتعامل بمزاجية غريبة .. بعصبية .. تحمر عيونها وهي تثور لأتفه الأسباب .. تتهور معي ومع عمالها .. شعرت معها بأنها مغرورة .. تتصنع الحب .. تري من حولها عبيدا عندها .. كانت في ثورتها مرة كمرارة العلقم .. تحتقر كل الناس وتتناولهم بالتجريح .. تجردهم من آدميتهم .. رأيت حولي من ينافقها خوفا من قطع رزقه .. وكانت تحاول أن تسترضيني عندما تهدأ و لكنها لا تسترضي باقي عمالها .. في داخلي حدث انكسار .. كان هناك ما يشبه الزجاج .. أنكسر فعلا ولن يعود .. تساؤلات ظهرت لدي .. هل تعلق قلبي بغير الله فأذقني الله مر ما تعلقت بغيره كما قال الامام الشافعي ؟ هل عشت فعلا أبحث عن سراب ؟ عندما أحببتها ولم أرغب في الارتباط بغيرها .. ام أن كل النساء مثلها في انفعالاتها وهذا طبيعي لديهم .. ولكن لماذا لم تكن أمي عصبية مثلها .. الم تكن هي أيضا من النسوة !! .. لست مؤمن بالتعصب لجنس عن جنس .. البشر متساويين .. هل كنت تافه لهذه الدرجة حتى اتعلق بجمالها الخارجي خلال هذه المدة .. لم أستوعب ما كان يدور بداخلها من قبل وتجاهلت عمدا ذلك .. هل هي اختلفت عندما أصبحت امرأة عن كونها آنسة أثناء الجامعة ؟ أم كنت شخصا مثاليا جدا .. لعدم احتكاكي بغير أمي من النساء و كنت أعتقد أنها ملائكية ؟ أم أن سيدات الإعمال لا تعرف غير المال والإعمال ؟ تفتق ذهني وثار بكثير من التساؤلات .. وندمت علي ما مر من حياتي .. أعترف أني كنت سلبيا .. تكاسلت واستسلمت لخداع احلامي .. حمدت الله أني لم أتزوجها حتى لا أتجرع مرارتها وأنجب ولا استطيع التراجع .. في صمت قررت أن أتركها بلا عتاب .. هي لن تبحث عن مكان إقامتي .. وحتى أقطع خط الرجعة ولا أضعف سوف أغير شريحة هاتفي .. سوف أطوي صفحتها وأعود إلي عملي . تمت