الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

4 دقيقة وقت القراءة ( 838 كلمة )

الآخر في الرواية... / سناء أبو شرار


" الألم...ذلك الآخر"
" السعادة...ذلك الآخر"
" العنف...ذلك الآخر"
"الحياة...ذلك الآخر"
الموت أيضاً...ذلك الآخر"
نبحث أحياناً عن الآخر في الرواية، نحلل فصولها وحواراتها، ونتتبع شخصياتها ثم نتسائل عن ذلك الآخر، والذي نعتقد بأنه لابد أن يكون شخصاً ما؛ هو فعلاً شخصاً ما ولكن أهميته لا تكمن بشخصه بل بإنعكاس وجود هذا الشخص على حياة بطل أو بطلة الرواية، ما يثيره من ألم، من سعادة، من إنتماء أو من جفاء؛ تماماً كما يعكسه من حولنا علينا في الحياة الواقعية.
ولكن الفرق بين الرواية وبين الحياة الحقيقية هي أن الرواية تحتمل إنعكاس الفرد على من حوله، تتسع وتتعمق، تحتوي أو تلفظ هذا الإنعكاس وذلك بإرادة الكاتب، وبتوجه مشاعره نحو منح المساحة أو تقليصها، ولكن في الحياة الحقيقية لا يمكن أن يتمتع أي منا بكرم منح المساحة للآخر إلا بشرطين، أن يكون وجود هذا الآخر مرغوب به أو مفروض عليه ولا خيار له برفضه.
لذلك تبدو الرواية مشوقة، آسرة وجذابه، لأنها تخبرنا وبرقي وبشيء من الإستعلاء البراق، بأنه لابد من وجود  الآخر ولابد من قبوله إنعكاساته ومساحاته كي تكتمل الرواية وكي تكون رواية.
نقبل بسلبية ذلك الآخر وربما بعنفه وربما بتحديه لكل القيم الإنسانية مقابل التشويق الذي يحمله لنا عالم الرواية. لذلك لا يمكن أن تخلو الرواية من وجود الآخر، ذلك الذي يعكس الألم أو السعادة، ذلك الذي يحيا العنف ثم يمارسه، وذلك الذي يقدم هدية الحياة أو يفرض واقع الموت، سواء موتاً جسدياً أو معنوياً.
ومهما كانت الرواية تتحدث عن شخص واحد بلا روابط مع الآخرين بمعنى العزلة والإنقطاع عن المجتمع، فهي حتى في هذه العزلة لا يمكن أن تعبر عن نفسها إلا من خلال هذا الإنقطاع، فهل من معنى للعزلة إن لم تكن بالإبتعاد المحسوس عن الآخر؟ فإن كانت العزلة ممارسة خاصة بالفرد بعيداً عن المجتمع فلن تكون عزلة لأن خاصيتها الأساسية هي بالإنزواء عن الآخر؛ لذلك كانت الرواية ولا زالت عالمين متلازمين، عالم الذات المتحدثة وعالم الآخر المحاور لهذه الذات.
وكلما تعمق التعبير عن عالم الذات كان لابد من إتقان الحوار مع الآخر، وكان لابد من فهم هذا الآخر حتى في عالم الرواية، فلا يمكن محاورته أو التقرب لعالمه دون هذا الفهم، ولايمكن للذات الرواية أن تتواصل مع الآخر دون هذا الفهم والذي لايد أن يكون عميقاً وناضجاً.
ولهذا السبب تعاني بعض الروايات من ضعف التواصل ما بين الذات الرواية والآخر المحاور لها، فحتى لو أتقن الكاتب وصف الأحداث والأدوار ولم يفهم وبعمق الآخر في الرواية فتقع بذلك الضعف الذي يشعر به القاريء دون أن يستطيع دائماً التعبير عنه، فإهمية الذات الراوية لا تقل عن أهمية الآخر المحاور.
ولكن الآخر لايكون دائماً شخصٌ ما بل قد يكون مكاناً ما، فنحن لا نتحاور مع الأشخاص فقط بل مع كل ما يحيط بنا، فالآخر ليس فقط البشر من حولنا بل كل ما حولنا هو آخر لأنه خارج عن ذواتنا، فكل ما يمتلك سلطة التأثير علينا هو آخر؛ لهذا وكلما إتسعت مفاهيم الكاتب يتعدد ويتنوع وجود الآخر في روايته وينقل القاريء لعوالم ليست مألوفة ولا متكررة، بل يجعله يرى الأشياء التي كان يراها في كل يوم  كأنه يراها لأول مرة بإنبهار وإستغراب، لأنه وببساطة نقل له إنعكاس آخر لكل ما يحيط به؛ وربما هذا ما يسعى إليه القاريء وهذا ما يرغبه وإن لم يستطيع أن يعبر عنه، فهو يشتري الكتاب تلو الكتاب، الرواية تلو الرواية، وقد تتشابه جميعها بأشياء كثيرة، ولكنه بحالة بحث دائم عن إنبهار نفسي يجعله يتوقف للحظات ويرى الأشياء من حوله بمنظار آخر، بجمال آخر و بأبعاد أخرى.
والإبداع لا يكون فقط في الصور والإختراعات والإنجازات العلمية، الإبداع الأدبي الحقيقي هو جعل القاريء ينبهر بإنعكاس جديد لما يقرأ ، وهو من الصعوبة بمكان، لأننا يمكننا تجديد كل شيء وبسهولة في الحياة ، يمكننا تجديد الأثاث، الملابس، الإختراعات، ولكن من الصعب تجديد الأفكار والمشاعر. من الصعب أن يبتكر الكاتب مشاعر جديدة تنقل القاريء إلى أفكار أكثر رحابة وأكثر جدوى وأكثر إمتاعاً والأصعب هو أن يحافظ الكاتب في كل رواياته على هذا الإبداع العاطفي والشعوري والفكري، أن ينقل للقاريء عالم متجدد، عالم غير متكرر، أن ينقل له في كل رواية كريستاله بلورية تتغير أشكالها وألوانها في كل مرة يحركها بين يديه. وهنا يكمن الفرق أو الشرخ العميق ما بين الكاتب المبدع الحقيقي المتألق، والكاتب الذي يكتب في كل مرة عن أحداث جديدة ولكنها في الحقيقة ليست سوى تكرار لذات الأفكار والمشاعر.
والآخر هو من أشد عوامل الإبداع لدى الكاتب ، فالذات المتحدثة ترصد العالم من حولها أما الآخر المحاور فهو من يجلب كل عناصر التشويق لأنه حامل الألم أو السعادة، لذلك ومهما كان هذا الآخر سلبياً ومهما كان عدائياً فهو من يُبقي على نبض الحياة في الرواية مهما كان ثراء الذات المتحدثة؛ فالروايات العالمية لم تركز على بطل أو بطلة الرواية بل على جميع شخصيات الرواية لأنها جزء هام في تشكيل بطل الرواية، ونجاح الكاتب لا يكمن فقط في التركيز على الشخصية الأهم في الرواية بل بإحتواء وبمنح المساحات الإنسانية الكافية لجميع شخصيات الرواية سواء كانت سلبية أو إيجابية لأنها لا تسهم فقط بإثراء الشخصية الأساسية ولكنها أيضاً تجعل من الرواية عالماً أكثر قرباً من الواقع لأننا لا نعيش في جزر منعزلة عن الآخر، كما وأننا قد لا نستطيع إختيار الآخر مثلما قد لا نستطيع الإستغناء عنه، فالرواية هي هذه الشبكة المعقدة من المشاعر المتناقضة المتضاربة ولكنها تبدو منسجمة ومتآلفة في عالم بشري نحيا كل تفاصيله عبر الذات الدفينة لكل منا، وكذلك عبر ذاتً أخرى تتحاور، تتحرك، تتفاعل مع العالم المحيط بها؛ وجمال الرواية يكمن بهذا الإختزال الصامت لعالم لا يعرف السكون ولا الصمت.

التعلم من الكبار / حيدر عبد علاوي الزيدي
رمضان أهلاً / شعر: صالح أحمد (كناعنة)

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الثلاثاء، 18 أيار 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://www.iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الأحد، 05 حزيران 2016
  5043 زيارة

اخر التعليقات

زائر - اسماء يوسف حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
17 أيار 2021
السلام عليكم!اسمي أسماء يوسف من مدينة الدار البيضاء بالمغرب! أنا هنا ل...
زائر - Mahmoud Abdelrahman حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
11 أيار 2021
السلام عليكم! أود أن أشكر شبكة الحرية المالية على كل ما فعلوه من أجلي....
زائر - Mahmoud Abdelrahman حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
11 أيار 2021
السلام عليكم! أود أن أشكر شبكة الحرية المالية على كل ما فعلوه من أجلي....
زائر - Mahmoud Abdelrahman حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
11 أيار 2021
السلام عليكم! أود أن أشكر شبكة الحرية المالية على كل ما فعلوه من أجلي....
زائر - Mahmoud Abdelrahman حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
11 أيار 2021
السلام عليكم! أود أن أشكر شبكة الحرية المالية على كل ما فعلوه من أجلي....

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال