للازمات رجالها ،تاريخ الشعوب مهما بلغت من حضارة ورقي وتقدم ،ومهما انتصرت وازدهرت وملكت مساحات شاسعة من الارض والرخاء والازدهار،فإن ذلك كله تاريخ اشخاص معينين ،اشخاص اتيحت لهم الفرص وبعضهم انتزعوها عنوة ورسموا لأممهم الطريق وفتحوا لها ابواب الحياة والتطور والرفاه ،بدأً من حمورابي ولن ننتهي بنلسون مانديلا ،كل شعوب الارض عاشت ومرت بها أزمات ومنعطفات تاريخية ،بعضها ولعل اغلبها عصفت الازمات بها وضاعت دول وأنهارت ممالك ومابغداد والاندلس ببعيدة ان اعوزتنا المصاديق ...
في الدول... عندما تأخذها الاحداث لمنعطف تأريخي عليك ان تتطلع لرجالها ،إن رصدت رجلا حكيما كبيرا بفكره وتكتيكه إعلم ان الامور ستتهادى الى بر امان وستخرج الامة من منعطفها سالمة قوية متماسكة ...
في سوريا أخطأ الاسد الابن ،بل للاسف إنه لم يكن رجل تاريخ ولارجل منعطف وعلى الرغم من إن الظروف والاقدار قد أتاحت للاسد الابن ورجال دولته ،فرصة للعمل وبحكمة وبلا خسائر فادحة ،سقط صدام حسين ونظامه الحديدي وتسلل الامريكان تحت خاصرة الاسد ،وسقطت تونس ومبارك والقذافي وانداحت اليمن بجراحها وحربها الداخلية ،لكن الاسد ظل يراهن على تماسك الجبهة الداخلية ،ظلت تقارير الامن والاستخبار هي الورقة الوحيدة التي يتعاطى معها الزعيم الشاب ذي العينين الزرقاوين والقادم بشهادة طب العيون من لندن ،لم يستطع ان يوطن نفسه ونظامه بإن سياسة البقاء في الحكم الى الابد لم تعد تصلح حتى على قرية او ضيعة ،كيف تريد ان تُديم ما أُديم بالقوة والسيف ودهاليز الامن العام ،وسط عالم يتغير ،عالم يتفكك ،وانت تزاحم الانظمة الغربية والامبريالية والاستعمار على مناطقهم بل وتجبرهم على سحب قواتهم ،اما كانت سوريا تستحق إصلاحاً ،ان حزمة الاصلاحات التي اطلقها الرئيس بشار بعد عام من الاضطرابات والدماء ،لو اتيح لهذه الاصلاحات ان تطلق قبل عام وليس بعد عام لكفى الله سوريا الحرب والدمار والموت الذي شكل صدمة ليس للعالم كله بل وللثوار انفسهم فلو كانوا يعلمون ان الامور ستؤول الى مالت اليه ،اعتقد لما تورطوا بثورتهم المزعومة والممولة من اعداء النظام الطائفيين..
ان الذي يحكم الشعوب الان وفي كل بقاع المعمورة هي مؤسسات المصالح ولوبيات الضغط ،بعض هذه اللوبيات ظاهرة للعيان وهناك قوانين وانظمة تحكمها كالولايات المتحدة ،والبعض الاخر من هذه اللوبيات يعيش كالخفافيش تحت الظلام لكن سطوته بالغة وحضوره مهيمن على ارض السياسة وايديهم تطال كل شئ ...
في العالم كله لاتوجد ديمقراطية حقيقية ،والتي تعني حكم الشعب بنفسه ،ونظرية لنكولن التي دفع حياته من اجلها( الحكومة من الشعب و بالشعب وللشعب) هذه النظرية ليس لها اساس في الواقع ،نعم هناك انتخابات وهناك مؤسسات ومصالح ورفاه ،ولكن الحكم موضوع نسبي ولن يسمح الغرب لكل من هب ودب ان يرتقي منصة القرار حتى وان حضي بتأييد الغالبية وهذا موضوع فيه تفصيل طويل ....
في عالمنا نحن ( العرب) الذي بدأ يتشكل مطلع هذا القرن ،على الجميع ان يدرك والتجربة العراقية ماثلة ،ان الانتخابات وحدها لاتكفي للوصول الى السدة المنيعة واتخاذ القرار والتحكم بالبلاد ،المصالح العليا واللوبيات التي تحكم العالم هي المنفذ الوحيد والسلس للوصول الى الحكم والبقاء فيه مرهون بارادة تلك القوى ...
وعلى من يحكم بالارادة الملكية والحق الالهي كآل سعود ان يدركوا جيدا - وهم يدركون بطبيعة الحال - انهم وسط هذه المنظومة وليس استثناءا ، وما جرى في الاسابيع القليلة الماضية من اتهام مجلس النواب لهم ماهو الا ردة فعل وكارت اصفر للتغيرات التي طرأت في البيت المالك السعودي وصعود امراء شباب في عمر كانوا صغاراً او لم يخلقوا بعد عندما انشأت مملكتهم ،واليوم عندما هرم الكبار وادركهم الزهايمر تسلل الاحفاد وتسلقوا ولكن اللوبي واصحاب المصالح لديهم من الوسائل مايعيد فاقد الوعي لوعيه وما يرشد التائه لطريق الصواب ....
للاسف ولحسن الحظ، ان الانظمة الحاكمة عشية انهيارها وتدهورها تملك كل زمام الامور ،وبإمكانها ان تتجاوز ازماتها ،لكنها - عشية الانهيار- تفتقد لرجال الأزمة ورجال المنعطفات التاريخية...
ليست رؤية بل وصف لما يجري .