الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

5 ساعة و 2 دقيقة وقت القراءة ( 60395 كلمة )

الإهداء إلى من رحل إلى الأرض الغريبة / سناء أبو شرار


الإهداء
إلى من رحل
إلى الأرض الغريبة
حمل جذوره القديمة
و زرعها في الأرض الباردة
إنتظر زهورها الصيفية
التي لم تتفتح
لأن أغصانها ذبلت
قبل أوراقها وبراعمها
فكان لابد أن تتعلم روحه
بأنه في حياة كل منا
عشرات الأوطان
وطن في الروح
ووطن في الحواس
ووطن في العقل
ووطن في السماء
ولكن قلبه يأبى
إلا أن يكون له وطن واحد
هناك، حيث أرض الشمس
والياسمين والقمر


سويسرا...الوطن والمنفى

يجلس ُ صامتاً خلف نافذة القطار ، يراقبه الآخرون ويُشيح ببصره عنهم كي لا يلمح نظراتهم المستنكرة لوجوده الشرقي الغير مرغوب به في الغرب المتطور والذي لا يحب هذا الوجود الشرقي الفقير.
يراقب الأشجار التي تمر سريعاً عبر النافذة ، يبدو كل شيء أخضر ومرتب ومنظم حتى الطبيعة لها خطوط وحدود لا يُسمح لها بتجاوزها ، وهو أيضاً له خطوط وحدود لا يُسمح له بتجاوزها ، لم يعد يوجد في حياته نكتة شرقية عذبة ، ولا ضحكة عفوية تُشيع الدفء في المكان ، كل شيء هنا له خطوط وحدود حتى المشاعر . يعود من جديد لنافذة القطار ويراقب من جديد الطريق التي أصبح يعرفها كما يعرف كف يده ، ينظر إلى السماء التي لم يتغير لونها منذ ثلاثة شهور ، سماء رمادية تُمطر ثلجاً وحزناً ، ويتذكر الشمس هناك على الطرف الآخر من الكون ، لابد أنها مشرقة هناك على كل الأرصفة وفي كل البيوت وفي الصدور والقلوب ، لابد أنها هناك تُعيد للحزين شيء من الفرح ، وللمتألم شيء من الراحة وللمشتاق شيء من السلوى ، أما هنا فلا سلوى ولا فرح ولا راحة حتى ولو إستلقى على سريره دون حراك لأيام وأيام ....هناك حيث ترك أنشودة الفرح في الأزقة الضيقة، هناك حيث ترك إبتسامة حنونة رغم كل الألم وهناك حيث ترك ذاته ولم يعد يستطيع إسترجاعها ...كل يوم يُمضي ساعة من النهار في قطار الذهاب نحو بيرن، وخلال هذه الساعة ينظر عبر النافذة ويترك لذاكرته العنان لتأخذه هناك حيث تشرق الشمس ويضيء القمر وتلتمع النجوم في السماء وتبدو الأرض دافئة حنونة كحضن أمٍ انجبت للتو وليدها الأول والأخير.
وحين يصل القطار للمحطة الأخيرة ينزل بهدوء حاملاً لوحاته وريشه وألوانه ، من يراه يعتقد بأنه رسام سوف يذهب إلى مرسمٍ ما ولكنه وخلال دقائق يفرد الكرسي الصغير الذي يحمله ويسند لوحاته على أحد جدران محطة القطار ، ويجلس بإنتظار أن يطلب أحد ما منه أن يرسمه أو أن يشتري أحد لوحاته الفقيرة والمتواضعة .
كل ما حوله يغرق ببردٍ قارس حتى أنفاسه تملأ صدره بالبرودة فيجمع معطفه الصوفي حول جسده ملتمساً لشيء من الدفء ، ولكن الدفء لا يأتي ، لقد تركه هناك تحت شجرة زيتون وارفة ، وعلى سطح منزله حيث كان يتناول الشاي تحت أشعة الشمس مع عائلته، كلما جلس على كرسيه البارد في المحطة الغريبة والباردة تذكر كأس الشاي هناك على سطح بيته قرب دالية العنب الأسود ويكاد صوت أمه يتحدث إليه:
_ ما أجمل هذا اليوم الدافيء ، يا لها من نعمة ...الحمد لله على كل نعمهِ التي لا تُحصى ...
وتربت على كتف اولادها بحنان وشوق كأنها تراهم لأول مرة ، وكلما تذكر كلماتها الدافئة وتلك الشمس الساطعة وكأس الشاي بالنعنع، يأتيه البكاء رغماً عن وجود الآخرين ، رغماً عن ذاته ، رغماً عن محاولته للنسيان ، ولا وسيلة للهرب من ذلك البكاء العنيد إلا بإمساك ريشته ورسم ما تبقى لديه من ذكرى وحلم وألم.
في محطة قطارات بيرن ، يراقب كل يوم نفس القطارات نفس الجدران والأرصفة والمقاعد ولكن الوجوه تتغير في كل يوم ، بعضها يراه كل يوم والبعض الآخر يبدو غريباً وجديداً في كل يوم ، ويشعر بنفور تلك الوجوه من وجوده الغريب ومن فقره ولكن ما جعل فقره وكونه غريب أخف وطأه هو لوحاته وريشته ، ينظرون إليه من بعيد بنفور وربما بإشمئزاز ، منهم من يقترب بحذر ناظراً للوحاته كأنه ليس موجود ويتأملها مرة ومرات ، قد يُعطيه فرنك أو أكثر وقد يطلب أن يشتريها. تلك الرغبة التي لا تتكرر كل يوم بشراء لوحاته كانت عزاءه الوحيد في غربة الذات والجسد والروح ، تلك الفرنكات القليلة التي يأخذها تمنحه الرغبة للرسم من جديد وللبحث في ثنايا وخفايا ذاته عن صورة ، عن فكرة وعن شعور أو ذكرى.
وقفت أمامه مبتسمة وقالت له بلطافتها المعهودة:
_ صباح الخير بسام ، أنت دائما على الموعد لا تتأخر أبداً ...
ابتسم بمرح وأجابها:
_ أنه عملي الوحيد يا كريستا، لذلك لابد أن أهتم به ولا اتأخر..
_ أنت مثير للدهشة ومضحك بنفس الوقت ، لأنك تعتبر أن جلوسك لساعات هنا بمثابة عمل ، ربما هو عمل لأنك ترسم وتفكر ولكن بالنسبة لسويسرية مثلي لا أعتبر أن هذا عمل ، أعتبر أنك عاطل عن العمل وأما أنك لا تريد أن تعمل أو أنك لم تجد عمل بعد ...ولكن لون بشرتك السمراء ولهجتك الشرقية يجعلني أفهم أنك لن تجد عمل بسهولة..
ضحك من جديد وقال :
_ وأنت أيضاً مثيرة للأهتمام ، لأنك في كل مرة تشاهديني بها تتكلمين معي حول العمل ...هل يوجد لديك أي عمل لي كي أثبت لك أنني بالفعل أريد أن أعمل !
صمتت للحظات ، وقالت بجدية :
_ حسناً ، ربما يوجد عمل ما ، أنه في المكتب الذي أعمل به، ولكن المشكلة هي لون بشرتك السمراء ، أخشى أن يرفضوا أن تعمل لأنك اجنبي وأسمر اللون وكذلك لا تتحدث الألمانية بطلاقة!
أمسك بريشته وخط بعض السطور على الورقة البيضاء وقال :
_ كريستا ، أنا لست كسول ، وقد كنت أعمل مدرس للغة العربية في العراق قبل أن آتي للعيش هنا ، واذا وافق المسؤول على أن أعمل فلن أتردد بالعمل ..
إبتسمت برضى وقالت :
_ أنت بهذه الطريقة تثبت لي انك لست كسول ، وسوف أحاول إقناعه ، ولكن أخبرني ، ماذا ترسم اليوم..أنت تعرف بأنني أحب أن أرى ما ترسمه حتى ولو لم تكن لديك الرغبة بالرسم في كل يوم..
نظر إلى اللوحة التي بين يديه ، ثم أدارها كي تتمكن كرسيتا من رؤيتها ، وقالت بعد تأملها لثوانٍ قليلة :
_ أنت حزين اليوم ، ولوحتك حزينة ...هذه بيوت شرقية ، أليس كذلك ؟
_ أجل أنها البيوت التي كانت موجودة في الحي الذي كنت أسكن به ، لا أدري إن كان لا يزال موجوداً ولكنه موجود دائماً بذاكرتي ، ولأني أشعر بحنين لهذا الحي لذا قررت ان أرسمه اليوم ، كي أراه وكي أسترجع ذكرياتي المدفونة هناك ...
صمتت كريستا ونظرت إليه بعطف:
_ ما تقوله حزين يا بسام ...لماذا لا تنسى وطنك المؤلم ، وترسم الأحياء هنا في بيرن ؟
إبتسم وقال بهدوء:
_ أنت دائماً لطيفة ، ولكن الأحياء التي أراها بقلبي هي الأحياء التي تربيت بها في بغداد ..وهنا أرى أحياء بيرن بعيوني وليس بقلبي ، لذلك لا أستطيع أن ارسمها، أنا ارسم ما يراه قلبي وليس ما تراه عيوني ...
هزت رأسها ، وقالت :
_ أجل فهمت ...لابد أن أذهب الآن ، حين تنتهي من هذه اللوحة أريد أن أراها ، ربما أشتريها منك إن لم تكن غالية الثمن ، فهكذا يكون في بيتي صورة عن الحي الذي كنت تعيش به في العراق وأراه أنا بعيوني بعد ان رأيته أنت بقلبك...
_ أجل كريستا ...سوف أجعلك ترينها ، ولن أبيعك إياها بسعر غالي ، إطمئني ، المهم أن تعجبك ..
غادرت كريستا بخطواتها الهادئة ، وراقبها بسام من بعيد ، أنها أول صديقة له منذ أن بدأ يجلس في محطة القطارات ليرسم ويبيع لوحاته ، تذكر أول مرة تعرف بها عليها ، وقفت أمامه بصمت ، وبعد دقائق سألته من أي بلد أتى ...ثم بدأت تنظر للوحاته الواحدة تلو الأخرى ، وكانت أول من أشترى منه إحدى لوحاته ..
ومنذ ذلك اليوم تمر كريستا لتحيته قبل ذهابها لعملها ، وتحضر له أحياناً قطع صغيرة من الشكولاتة أو قطعة من الكروسان الدافيء . وهكذا نشأت صداقة بينه وبين المرأة السويسرية صاحبة الخمسين من العمر على أحد أرصفة محطة القطارات في بيرن .
عدت إلى لوحتي ، أتابع رسم الحي القديم الذي كنت أعيش به، حيث طفولتي وأقربائي وأصدقائي ومدرستي وكل ما كان يُشكل حياتي ؛ توقفت للحظات عن الرسم لأنني شعرت بأني أرسم وأكاد أن أبكي فتوقفت للحظات لكي أنظر حولي وأتذكر من جديد بأنني في سويسرا حيث البرد والغربة ولابد أن أمزجهما مع النسيان والتجاهل لمشاعري كي أتمكن من الاستمرار في الحياة.
رسمت ريشتي أشجار النخيل بالقرب في حديقة بيتي وسقوف البيوت القديمة ، وباحات المنازل الداخلية ، ونساء يمشين بخجل على الطريق الطويل ورجال يراقبون خطواتهن وألتفاتهن ، وشمسٌ تسطع على كل البيوت والوجوه والشوارع وأطفال يركضون ويلعبون ، لوحة الحي القديم جعلتني أنسى بأنني في بيرن في محطة القطارات ، نسيت وجودي هنا ، نسيت البرد والوجوه الغريبة ، ونسيت غربتي ، لقد نقلتني لوحتي وفي ثوانٍ قليلة إلى الطرف الآخر من الكون هناك حيث الشمس والدفء والخبز الدافي والشاي الثقيل مع وريقات النعنع ، هناك حيث أمي وأبي وأخوتي والسماء والأرض ؛ لأول مرة منذ وجودي في سويسرا أنسى أنني غريب ، وأغرق في لوحتي لدرجة أن يعود الزمن بي إلى الوراء وتتحرك لوحتي بين ريشتي وألواني وتصبح عالم حي أراه واشعر به وألمسه حتي حفيف سعف النخيل أكاد أسمعه ...
وفجأة نظرت حولي ، ورأيت مجموعة من السويسرون يحملقون بي وبلوحتي ، نظرت إليهم بدهشة وكأنني أعود من عالمٍ بعيد ، وتذكرت من جديد بأنني في محطة القطارات ، ولأول مرة منذ وجودي في هذه المحطة يلتف حولي هذا العدد من السويسرون ، نظرت إليهم بصمت وتوقفت عن الرسم ، لم ينظروا لي بل كانوا يراقبون اللوحة ، حين توقفت عن الرسم نظروا لي كانهم يسألونني لماذا توقفت عن الرسم ...خرج أحدهم عن صمته وقال لي بهدوء:
_ هل هذه اللوحة للبيع ؟
فكرت للحظات إن كنت أرغب ببيعها ، فهي اللوحة الوحيدة التي رسمتها دون أن أفكر بأن أبيعها ، رسمتها لأجل شعوري بالغربة وبالشوق ، لم أعرف بماذا أجيبه، فقالت امرأة كانت تقف معه :
_ هذه مدينة شرقية إليس كذلك ؟
هززت رأسي بالموافقة وقلت لها بأنها بغداد ، ثم تابع الرجل الذي يقف بجوارها قائلاً :
_ لا أريد أن أشتريها لأنها بغداد فيوجد في بيتي لوحات شرقية كثيرة لبغداد ولمدن شرقية أخرى ، ولكني اريد أن أشتريها بسببك أنت ..
نظرت إليه باستغراب وتابع قبل أن أرد:
_ لقد لفتت نظري طريقتك في الرسم ، فأنت لم تكن هنا ، لقد كنت ترسم وانت في الصورة التي ترسمها وليس خارجها ، ومن النادر أن أجد رسام يرسم بهذا الإستغراق في لوحته ، وأنت كنت جزء من لوحتك ، لذلك أرغب بشرائها لأنها ليست مجرد صورة بل هي عالم داخلي لشخص غريب عني ولكنه أثار فضولي ، واعتقد أنه نفس السبب الذي جعل الآخرين يتوقفون للنظر للوحتك ...
إبتسم من سمعه من الحضور ، ونظر لي ليعرف الرد على سؤالي ، فقلت له بتردد:
_ الحقيقة هي أنني لا أرغب ببيعها ، رغم حاجتي للمال ، لأنني رسمتها دون أن أفكر ببيعها ، ولكن يمكنني أن أرسم لك لوحة مثلها ..
_ لا ...أريد هذه اللوحة بالذات لأنها نابضة بالحياة والذكرى بغض النظر عن قيمتها الفنية . وسوف أدفع لك المبلغ الذي تريد.
فكرت للحظات ، وفكرت بأنني أستطيع أن أرسم لوحات أخرى دون صعوبة ، لأنني لا ولن أنسى وطني .
بعته اللوحة بالسعر الذي حددته ، وقال لي قبل أن يغادر :
_ سوف آتى دائماً لزيارتك ، لن أشتري في كل مرة ولكنني أحب أن أشاهدك وأنت ترسم ، هذا ممتع بالنسبة لي .
وقبل أن يغادر طلب منه بعض الأشخاص الذين كانوا يرقبونني إلتقاط صورة للوحة ، راقبته وهو يمشى مبتعداً ولمحت لوحتي لآخر مرة تغادر معه ، رغبت أن أناديه وأقول له بأنني لم أعد أريد بيعها ولكن ملمس المال بيدي جعلني أتراجع ، وأعود من جديد لريشتي وألواني.

2
يقف وحيداً على رصيف القطار، يقترب القطار ببطء ويركض بإتجاه الباب القريب منه ، يجلس بصمت بجانب النافذة الواسعة ، ويجلس حوله كالعادة غرباء الوجوه، وهو أيضاً غريبٌ عنهم بملامحه الشرقية ...عيون سوداء واسعة ، وشعر فاحم السواد وبشرة سمراء يانعة ، تنظر له العيون الغريبة تتأمل ملامحه الجذابة والغريبة ، منهم من يحتقر وجوده الشرقي في مدينة غربية متطورة ، ومنهم من يراقب هذا الوجود لكونه جذاب وغريب ، ومنهم من لا يكلف نفسه حتى عناء النظر له...وهو يجلس صامتاً لا يشعر بتلك العيون فقد إعتاد على أن يكون محط الأنظار ليس لأنه وسيم ولكن لأنه غريب وإعتاد على أن يكون غريب ولن يستطيع إلا أن يكون غريب في بلد لا ينتمي للغته أو لأهله أو حتى للون بشرة من يسكن به.
يراقب الأشجار شديدة الخضرة التي يراها في كل يوم، ويراقب الجدران الأسمنتية التي تم رسم الغرافيتي على كل زاوية منها ، أشكال غريبة وألوان متنوعة تعكس الصراع الثقافي والفكري أو العشوائية النفسية لمن قام برسم هذه الأشكال التي تبدو أحياناً شديدة التعقيد النفسي والفكري ، ويستغل أصحاب هذا الفن حلول الظلام كي يمارسوا هواية الرسم الممنوع على الجدران ، فتبدو الجدران التي تسبق المحطة الأخيرة في مدينة بازل السويسرية كأنها لوحات فنية متعددة الأشكال والألوان والصور والحضارات والثقافات ،وكأنها فسيفساء دون حدود أو جنسية لمن قام برسمها، فحين يحل الظلام أي شخص كان من أي جنسية كانت يُمسك ريشته وألوانه وأقلامه ويرسم ما تهمس بها افكاره ومشاعره ، تتجول نظراته عبر كل هذه الرسومات التي تبدو مزعجة وعلامة غير حضارية للبعض وتبدو علامة للحرية الفكرية والفنية للبعض الآخر ,لكن بالنسبة له ليست سوى علامة أخرى من علامات غربته التي بدأت ويبدو أنها لن تنتهي .
من خلال النافذة الواسعة يلمح العيون الملونة التي تراقبه بفضول أو بكره ويتجاهل كل الوجوه ويرسم على الجدران الإسمنتية الجافة لوحة أخرى خاصة به تنسجها أفكاره وذكرياته ، أنها هناك في ارض بعيدة أسمها فلسطين ، هناك حيث الجبال والبحر والصحراء والعيون السوداء، هناك حيث أودع طفولته إلى الأبد ولن يقابلها مرة أخرى عبر وجة حبيب أو صورة صفراء قديمة، تلتمع دمعة صغيرة بعيونه وتمنعها من الإنحدار على وجهه الأسمر ويعود من جديد ليراقب الأشجار شديدة الخضرة والوارفة ولكنها جافة صفراء في قلبه المُتعب من الغربة والوجوة الغريبة .
في فجرٍ بعيد غارق في الذكريات، ودع الوجوه والأيدي والقلوب، لمس الجدران والأبواب وأوراق شجر الليمون؛ في فجرٍ بعيدٍ غارقٌ في ليالي الغربة، تناول حقيبته الصغيرة وقال لهم بصوتٍ جعله يبدو متماسكاً:
_ سوف أعود، وسوف أبني مستقبل لي ولكم هناك على الطرف الآخر من الحدود، لن اتأخر ...
حبس دموعه وتركوا العنان لدموعهم لأنهم كانوا يعرفون أن من يرحل إلى الطرف الآخر من المنطقة العسكرية المغلقة نادراً ما يعود، ولكنهم صمتوا لأنهم كانوا يعرفون بأن كلماتهم لن تفتح الطرقات ولن تغير الحدود ولن تقبل أن تكسر دموعهم أحلامها الكبيرة، ففضلوا الصمت والبكاء.
في فجرٍ بعيدٍ غارقٌ في سنوات البعد، إستقل السيارة التي إتجهت نحو جسر اللنبي، ثم استقل الباص المتوجه للضفة الشرقية نحو الأردن ، راقب الجبال البيضاء الخالية من أي أشجار ولا حتي أشواك برية ، فقط جبال بيضاء نحتتها الرياح وسماء زرقاء وشمس حارقة ، كل شيء كان ساخناً وحاراً ، الأطفال يبكون لشدة الحر والكبار يتأففون من المعاناة التي لا تنتهي ولا تقصر مدتها ، جلس بصمت يراقب من في الباص ويراقب تلك الجبال الصماء ، ولكن هل تلك الجبال صماء حقاً أم أنها تسجل هذه الرحلات الممتلئة بالمعاناة في كل يوم وفي كل سنة ومنذ سنواتٍ طويلة ، للحظات شعر بأن تلك الجبال جافة حارة قاسية تماماً مثل معاناة شعبه . للحظات نسي أنه سوف يبدأ حياة جديدة وحيدة ، ولابد أن يعتمد على نفسه في كل الأمور ، كان يحاول إخفاء الخوف تحت مراقبة الآخرين والأماكن من حولها ، ولكن الخوف العميق إستقر في نفسه ، فهذه أول مرة يغادر بها منزله ومدينته بل ووطنه أيضاً ، للحظات رغب أن يقول لسائق الباص أن يتوقف وأن يعود أدراجه ، ولكنه رأى الحدود الأردنية تقترب ، فتملكه الفضول لأن يرى دولة عربية لأول مرة بحياته ، نسى خوفه وشعر بشيء من الإطمئنان .
وخلال شهور كان يركب الطيارة بإتجاه سويسرا حيث أراد أن يكون ، صديقة له ساعدته في الحصول على الفيزا والإقامة ، بدأ بدراسة اللغة ثم أنهى دراسته الجامعية في هندسة الكمبيوتر...كان يوم تخرجه من الجامعة يوم تاريخي ، أتصل بأهله ، وبمجرد أن أخبرهم بأنه تخرج من الجامعة ، سأله والده بلهفة:
_ متى ستعود؟
صمت للحظات قبل أن يرد ، ثم قال بتردد:
_ ليس الآن ، توجد وظيفة جيدة لي هنا ، ربما أعمل ...
قاطعه والده غاضباً:
_ يا بني ، عد لوطنك ، أعمل وتزوج وإستقر هنا ، لا تبق في بلاد الغربة ...
_ أجل يا أبي ، ولكنني لا أفكر بالزواج الآن ..أريد أن أستفيد من عملي هنا لتوفير بعض النقود..
_ لا تهم النقود ، عد يا كمال ...نحن نريدك بيننا..
_ حسناً يا أبي...سوف أعود..
كان يعلم بأنه لن يعود ، ولكن كان لابد من إنهاء المكالمة ...علق سماعة الهاتف وراقب الثلج يتساقط من خلف الزجاج الشفاف ، وشعر بأن فرحته قد تلاشت بسبب غضب والده ...رأى إنعكاس صورته على الزجاج الشفاف ، وشعور دفين بأعماقه أخبره بأنه قد لا يعود أبداً .
وعاد لرؤية إنعكاس صورته خلف زجاج نافذة القطار ، اختلطت صورته بصور تلك الذكريات البعيدة ، وفي ثانية من الزمن إنتابه شعور بأنه ليس هو ذلك الذي أتى من الشرق وأنه لم يعد يعلم من هو ....لقد حصل على الجنسية السويسرية وعمله مستقر وتزوج بامرأة سويسرية ولديه اولاد منها، ولكنه بهذه اللحظة حين رأى صورته على زجاج النافذة شعر بأنه لم يعد يعلم من هو ، يعلم بأنه لن يعود هناك ويعلم بأنه ليس سعيد هنا ، ويعلم بأنه حتى ولو عاش عشرات السنوات هنا لن يصبح سويسريا ويعلم بأنه سويسري في هويته الشخصية ولكن كل من حوله يقول له بأنه أجنبي ، لم يرغب بالبكاء ولكن هناك عميقاً كان الفراغ يملأ كيانه.

3
لم تعد ليلى تتجول في دمشق ، ولكن دمشق تتجول في روحها ، هناك في دمشق ، كان الجمال الشرقي يَسطع على شرفتها في كل صباحٍ صيفي رائع الدفء والنور.
هناك في دمشق ، تعبق الشوارع برحيق الياسمين حين تتمشى في الصيف بين الشوارع والأزقة القديمة. هناك في دمشق ، كان كل شيء جميلاً حتى الألم كان مختلف ، كان يؤلم ولكن لم يكن يقتل لأنه هناك الشمس والقمر والوجوة الشرقية الدافئة. وهنا ، تسيرُ وحيدةً في شوارع بازل متجهه نحو عملها حيث تنظف نوافذ القطارات وتجمع القمامة من محطة القطارات الرئيسية في بازل . تلف معطفها بقوة حول جسدها النحيل وتسير مسرعة كي تصل مبكرة وكي تخف وطأة البرد الجاثم على جسدها وروحها.
أحياناً تسير مسرعة بين هذه الشوارع الباردة والخالية ولا تفكر بشيء ، بل ربما تفكر بأنها محظوظة لأنها لا تزال على قيد الحياة بعد أن قُتل كل أفراد اسرتها ، ثم يلي ذلك الشعور شعور آخر بالذنب لأنها لا تزال على قيد الحياة وهم غابوا عن هذه الحياة ؛ ثم تعود وجوههم الواحد تلو الآخر ، والدها ، والدتها ، أخوها الكبير مهند، وعمتها الأرملة سهام ثم والأشد حضوراً أختها الرضيعة علياء ؛ ثم تعود الذكريات من جديد كأنها حصلت منذ دقائق؛ تتذكر حين خرجت من البيت لتشتري الخبز لأن أخيها مهند كان مريضاً فهو من كان يذهب لشراء الخبز عادةً ، فتذهب هي في ذلك اليوم ، تشعر بالخوف لوجود المسلحين في الشوارع ولكن لابد من شراء الخبز ...تسير مسرعة وتعود راكضة بإتجاه البيت فالمسلحين بدؤا بالركض بجميع الإتجاهات وقوات الجيش الحكومية أتت بسيارات كثيرة ، وخلال ثوانٍ قليلة سمعت دوي إنفجار كبير ، شعرت وكأنه زلزال يهز الأرض تحت قدميها ، وكان أول ما نظرت إليه العمارة حيث يسكن أهلها ، في ثوانٍ إختفت العمارة وتحولت لركامٍ ضخم ، وقفت دون حراك وكأنها في حلم لا علاقة له بها ، وبعد لحظات من إدراك الواقع ، رمت بكيس الخبز على الأرض وركضت صارخة بإتجاه العمارة : أمي ، أبي ، مهند ، سهام، علياء ، ألقت بنفسها على الأنقاض وبدأت بنبش كل ما تقع يديها عليه ، لم تشعر بالألم ولا بالدماء التي كانت تسيل من يديها ، ولم تشعر بأنها لم تتوقف عن الصراخ ، كل ما شعرت به أن أيدٍ غريبة حملتها ووضعتها في سيارةٍ ما ، وأن شخص ما كان يحاول إقناعها بأن تشرب القليل من الماء ، ولكنها تابعت صراخها وألقت بالكأس على الأرض ، ثم فتحت باب السيارة وبدأت تركض صارخةً في كل الإتجاهات حول تلك الأنقاص ، وهي تردد تلك الأسماء ...سمعت من حولها يقولون بأنها فقدت عقلها ، فصرخت بحدة أكثر لأنها لم تفقد عقلها بل فقدت وجودها بموتهم ...
تلك اللحظات كانت تمر كل يوم في ذاكرتها رُغماً عن كل محاولاتها للنسيان ، ثم تعود لحظات أخرى حين إستطاع رجال الأمن إخراج بقايا الجثث من تحت الأنقاض ، بعضها جثث كاملة وأخرى جثث مقطعة أشلاء ، وكان عليها أن تتعرف على جثث أهلها واحداً واحداً ، قالت صارخة : لن أتعرف عليهم ، إنهم كلهم هنا ، تحت هذه الأنقاض ، أنا الوحيدة التي خرجت من البيت ، إنهم هنا ...هنا...
أخذوها لمكانٍ بعيد كي لا ترى المزيد من الجثث ، وأمسك بها أكثر من رجل ليسيطروا على صراخها ومحاولتها للركض في كل إتجاه ، أتى طبيب ما وشعرت بوخز إبرة المُهديء تسري بجسدها ، ثم تلاشت كل الصور.
كل ما حدث بعد ذلك ليس سوى مجرد أحداث لا تمت لوجودها بصلة ، كل ما تفعله وكل ما تحياه ليس سوى وجود غريب عن روحها ، أو بالأحرى كأن روحها في مكانٍ ما لا تدري أين ، وجسدها في أي مكان على هذه الأرض ولا يهمها أن تعرف أين ، تسير بشوارع بازل كل يوم ، لا تهتم بما يدور حولها ، لا تتحدث مع أحد ، المسؤول عنها في العمل مُعجب بنشاطها ودقة مواعيدها ، ولكنه لا يدري بأنها تريد أن تحيا مثل عقرب ساعة لا يتعطل أبداً ، لأنه لو تعطل سوف تضطر لأن تفكر وأن تتذكر ، لا ، لا يجب أن تتذكر ، لا يجب أن تفكر ، لذلك تسير مسرعة في كل صباح ، وكثيراً ما تصل مبكرة لمحطة القطارات ، فتدور مرة أو مرتين في الشوارع المحيطة بالمحطة ثم تعود لتبدأ عملها، تشعر بأن كل ما حولها يدور بوتيرة رغبتها بعدم التوقف والسكون.
تمسح النوافذ المرة تلو المرة حتى تصبح شديدة اللمعان أمامها ، ثم تنظف أرضية القطار ، وتجمع القمامة وتمسح المقاعد ، لا تنظر لأي انسان حين يتحدث معها ، لا تريد أي علاقة مع أي انسان ، تخشي أي تواصل انساني كي لا يعود الألم الذي تحاول دفنه بكل الطرق ، بالتنظيف أو بالسير السريع وأحياناً بالركض ، المهم ألا تتوقف وألا تفكر ، أصعب لحظات يومها هي قبل النوم ، تتقلب في فراشها تتجنب الصور ، تتجنب الذكريات ، تُبعد صورة ضحكات علياء الرضيعة ، وصورة مروان الذي أحبته كثيراً وصورهم جميعاً ، تصارع الذكرى والصور والمشاعر ، تصارع ذاتها ، فتتقلب على فراشها البارد والذي لا يدفأ أبداً ، ثم تنهض وتتناول حبة منوم من جديد بعد أن حاولت مراراً وتكرراً ألا تتناولها ولكنها في نهاية الأمر وفي كل ليلة لا تنام إلى حين تتناولها .
دمشق مدينة الياسمين تتحول لمدينة الناروالجثث المحروقة والبنايات المُهدمة ، دمشق مدينة الجمال تتحول لمدينة الأشباح والقتل والدمار ، فتتبناها دولة غريبة عنها باردة وجميلة أسمها سويسرا ، تمنحها لجوء سياسي ، تتعلم اللغة ويجدوا لها عملاً ويقولون لها : تفضلي ، سويسرا أصبحت وطنك ولك كل حقوق المواطنة.
تستلم بطاقة الإقامة الدائمة ، وتبكي بصمت أمام الموظف الذي لا يفهم رد فعلها ، فيسألها بأدب جم:
_ هل يمكن أن أعرف سبب بكاءك ؟ هذا إذا رغبت بالحديث ، لأنني عادةً أرى أن من يحصل على الإقامة هنا يكون سعيد جداً!
لم تستطع الإجابة ، ولكنه كان يبدو مُصراً على أن يستمع لإجابة ما من قبلها ، ولأول مرة منذ ذلك الحادث الرهيب ، تنظر لشخصٍ ما ، نظرت إليه وقالت :
_ لم آتِ إلى هنا لأنني لم أرغب أن أكون في وطني ، وأنا ..أنا أعشق
وطني ، أشكرك وأشكر دولتك ، ولكنني أشتاق لوطني ...إنه الشوق ياسيدي ..لقد منحتني حقوق يتمناها كثيرون ولكن هنا في قلبي توجد دمشق وشوارعها وأهلي الذين أختفوا بلحظات من وجودي ...لهذا أبكي ...إنه الشوق ...وكل ما تمنحني إياه سويسرا لن يُطفيء شوقي وحنيني وحبي...
ساد الصمت ، وقال لها بعد ثوانٍ من التفكير:
_ أجل ، أعتقد أنني أفهم ما تقولين ، فأنا أيضاً كنتُ لأشتاق لوطني لو ابتعدت عنه، ولكن الآن لك وطن جديد وأرجو أن تصبح لك به روابط جديدة وقوية.
نظر إليها بصمت وهي تحاول إيقاف دموعها ، ثم قال بلطف :
_ أرجو ألا تشعري بالحرج ولكن ربما يجب أن تقابلي طبيب نفسي قد يساعدك في تجاوز هذه الأزمة ، وسوف ندفع نفقات هذه الجلسات مع الطبيب ، يوجد لدينا طبيب نفسي بارع يقابل الأشخاص الذين يمرون بتجارب صعبة مثل تجربتك ...ما رأيك؟
لم تنظر إليه ، وبدأت بالعبث بأصابعها النحيلة ، قالت له بتردد:
_ في وطني ، من يذهب لطبيب نفسي يقولوا عنه أنه مجنون أو مختل عقلياً ..
أجابها مبتسماً :
_ أنت الآن في سويسرا يا ليلى، وبعد فترة من الزمن سوف تصبحين سويسرية لذلك ربما يجب أن تنظري للأشياء من وجهة النظر السويسرية ، أو على الأقل أن تحاولي..
_ وماذا سوف أقول لهذا الطبيب ؟ سوف أكرر له تفاصيل ما حدث وهو ما لا أرغب به ، لأنني أهرب من تلك التفاصيل . أشكرك ، لا أرغب بذلك .
_ حسناً ، ولكن في أي وقت تغيرين رأيك ، تعالي لمكتبي وأخبريني وسوف أرتب لك كل شيء ...
كلماته تتردد في ذاكرتها ، وأحياناً ترغب بالذهاب إليه وتقول له أرجوك أن تجعلني أرى ذلك الطبيب ، ولكنها تتراجع وتمنع نفسها من الذهاب لأنها لا تريد أن تتذكر ، تريد أن تمحي الذاكرة ، ولكنها وفي لحظات الهدوء النادرة مع ذاتها ، تدرك أنها بدفن تلك الذكريات وإبقائها صماء تدفن جزء من روحها ، فيبدو كل الكون من حولها بلا صوت ولاحركة ولا ألوان ، فقط هي وذاكرة ضبابية ونفس تأبي أن تتكيف مع الوجود ، لأن قبول الوجود بأسره يعني عودتها للذكرى ، فتهرب من الذكرى ومن الوجود الذي نقش عميقاً تلك الأحداث التي تحاول جاهدةً أن تنساها. وصلت لمحطة القطارات ، وبدأت عملها الذي إختارته بنفسها ، قالت لهم أريد ان أنظف أي شيء، لا أريد متابعة دراستي لأن عقلي لن يستوعب أية معلومات؛ أريد أن أستمر بالحركة ، لا أريد التوقف ، أريد أن يتعب جسدي كي ينسى عقلي , لابد أن أتحرك ، لابد أن أنسى ...

4
الساعة العاشرة ليلاً ، الظلام هنا يبدو أشد قتامة والبرد في الخارج يجعل منه مارد يجثم على البيوت والشوارع والصدور ، الشوارع جميعها مُضاءة بشكل ممتاز ، التدفئة تعمل دون توقف، كل شيء يبدو منظم دقيق هاديء ، ولكن الروح تبدو مُطفئة مثل مصباحٍ قديم لم يعد يصلح للإضاءة. جلس بسام على سريره يشاهد التلفاز ، يبحث عن محطات تتحدث اللغة العربية ، ليشعر بشيء من الدفء الروحي ، تتوالى المشاهد ويستمع للغته الأم العربية ، ولكن الضيق لا يزال يحتل أفكاره ومشاعره ، لماذا في كل ليلة تبدو له حياته ضيقة ومؤلمة رغم أنه إستطاع أخيراً أن يعيش في سويسرا. لماذا يبدو الوجود بأكمله صامتاً لا يرغب بالحديث معه ؟ ولماذا هناك على الطرف الشرقي من هذا العالم تتحدث كل الأشياء حتى الجمادات ؟ لماذا حين كان يجلس في غرفته وحيداً في بغداد لم يكن يشعر بكل هذا الصمت القاتل ، مكتبه كان يتحدث معه ، الجدران، أرض البيت ، الأشجاروالطيور ...والآن كل هذا الصمت، كل هذا النظام وهذا الهدوء لا يدري كيف يتعايش معه رغم وجوده منذ مدة طويلة في بيرن .
لماذا يبدو هذا الوجود معقداً ؟ ولماذا تأبى هذه النفس إلا أن تجعل الصور القديمة تطفو على السطح حاملة معها الأصوات والألوان وكل المشاعر التي كانت وجوداً وواقعاً فيما مضى .
فكر للحظات بسخرية، بأنه لو كان يستطيع إجراء عملية جراحية تجعله ينسى كل تلك الذكريات كل تلك العطور الشرقية والألوان والوجوه ، أن ينسى ما كان وجوداً فيما مضى وأصبح ذكرى ، كيف له أن يقتلع عالماً مغروزاً في روحه ولم يعد له وجود في واقعه ، بل لم يعد له وجود على أرض الواقع ، فكل تلك البيوت وتلك الشوارع هُدمت أو أختفت ملامحها ، وكل تلك الأشجار حُرقت أو أُجتثت ...أي عالمٌ هذا الذي يتذكره ويحلم به ؟ أين هو ؟ وأين أولئك الذين كانوا أبطاله ، منهم من قُتل ومنهم من هاجر ولا يعرف أين هو أو هل هو حي أو ميت ومنهم من يعيش بدوله عربية أو بدول أخرى ؟ كيف له أن يهرب من ذكرى غير موجوده على أرض
الواقع ؟
وقعت نظراته على لوحاته البيضاء وأدرك على الفور بأن عالمه هذا الذي يحمله بأفكاره وروحه وذكرياته لابد أن يتحول إلى واقع من جديد ولكنه واقع على هذه اللوحات البيضاء الفاقدة للذاكرة ، سوف تحيا الذكرى وتتجسد الأماكن عبر هذه اللوحات لأنه أدرك وبلحظة من الشرود مع ذاته ، بأن تلاشي ذاكرة الأماكن والوجوه والأشياء يعني تلاشي وجوده هو ، أدرك للحظات بأن وجوده بسويسرا هو جزء من وجوده الكلي وأنه لايجب أن ينسى بأنه كان له وطن وأرض وشعب وأهل وكل عناصر الحياة هناك على طرفٍ آخر تشوه وتغير وتم نحره ولا تزال جريمة قتله مستمرة. لابد لهذه اللوحات أن تتحول لبغداد الحية في الذاكرة .
نهض من سريرة ، واتجه نحو ألوانه وريشه أمسكها الواحده تلو الأخرى ورأي في خياله تلك اللوحات التي لا تنتهي لطفولة ولمراهقة ولشباب ، لحب وأهل واقارب ، لشوارع وبيوت وملاعب ، لنهرٍ تنعكس على صفحته أشجار النخيل ، ولوجه طفلٍ عراقي أسود العينين يقول لأمه : لا أريد أن أموت ، وسأعود ولو بعد موتي إلى وطني....إستيقظت بغداد في عروقه قبل أفكاره ، فنسي برد وظلام سويسرا ، إستيقظت الذكرى بروحه فنسي أنه بإرضٍ غريبة ، إستيقظ الحب لكل ما كان فنسي بأنه وحيداً وكانت تلك بداية العودة إلى الشرق ، أرض الشمس.

ومن جديد ، وفي كل ليلة ينظر لتلك الأوراق ، أحياناً يقرأها كلها وأحياناً أخرى يتصفحها ولكنه وبجميع الأحول يعرف كل حرف بها ، لأنه قرأها عشرات بل مئات المرات . إنها هي ، إنها هيفاء الجميلة ذات العيون السوداء الوسعة والشعر الطويل فاحم السواد بقامتها الرشيقة وإبتسامتها الخجولة ، إنها هيفاء ، حين يفكر بها يشعر بأن العالم كله لابد أن يعرف هيفاء ، لأنها ببساطة الأجمل ، الأرق ، وهي الحلم الضائع . حلم تركه هناك في بغداد ورحل أو أضطر للرحيل. تلك الأوراق كتبتها هيفاء قبل أن تختفي من حياته بل ومن هذا الوجود ، ولا يعرف إن كانت أختفت لأنها ميتة أو لأنها مخطوفة أو لأنها ...أو لأنها...لا يعرف شيئاً عنها ؛ كل ما يعرفه هو أنها لم تعد موجودة في عالمه الصغير ، ولأنها لم تعد موجوده به فهي ليست موجودة في هذا العالم كله .
قبل أن يغادر بغداد ، كان لابد من الذهاب لرؤيتها وإخبارها بأنه سيرحل إلى عمان وسوف يحاول الهجرة لأي بلد أوروبي وأنه سيرسل لها كل الأوراق اللازمة لتلحق به ، بعد إتمام اجراءات الخطبة والزواج.
طلبت منه والدته أن يغادروا فوراً للأردن فالقصف لا يتوقف وأصبح البقاء في بغداد خطراً ، ولكنه أصر وغادر مسرعاً دون أن يلتفت لنداء أمه ، كان لابد أن يقابلها ، كان لابد أن يذهب حتى ولو كلفه ذلك حياته، نداءً غامض جعله يذهب هناك ...وقف للحظات أمام بيتها مذهولاً أمام الدمار الذي لحق به ، لم يتحرك للحظات ولكنه وبعد دقائق أدرك أنه أمام موقف صعب وخطير ، دخل إلى البيت دون أن يلتفت للحجارة التي تتساقط من حين لآخر ....نسي الخطر المحيط به ودخل للبيت راكضاً ينادي: هيفاء ...هيفاء...حبيبتي ..هيفاء ولكنه صمت الموت...
دخل لجميع الغرف التي كانت شبه مدمرة ، ويبحث عنها أو عن ظلها أو حتى جثتها ولكن لم يوجد أي بشر في المكان ، فقط الدمار وصوت القذائف المدوي في الخارج ، كان يعرف أين غرفتها ، لقد كان حديثهما دائماً عبر تلك النافذة الواسعة المُطلة على الحديقة .. .لم يتبق من غرفتها سوى صور متناثرة لصديقاتها ، وبعض الملابس الممزقة ، وألعابها التي تحتفظ بها منذ الطفولة ...وهناك في زاوية وجد كومة من الأوراق ، نظر إليها وعرف على الفور بأنه خط هيفاء ، أخذ الأوراق ودمية كانت تحبها كثيراً وصورة لها ...وخرج .
نظر حوله في الشارع وكان لابد أن يسأل أي شخص عما حل بهم ، الشارع كان خالياً ، والخوف والدمار يلف كل الأماكن، فذهب لبيت أحد جيرانهم ، طرق الباب بقوة ، بعد دقائق فتح الباب رجلٌ عجوز ، سأله عنهم فأجاب بحزنٍ شديد :
_ إنا لله وإنا إليه راجعون ، لقد ماتوا جميعاً ، حتى الضيفة التي كانت معهم ، ما عدا ابنتهم هيفاء ، لقد رفضت أن تبقى عند أي من الجيران ، رحلت ولا ندري أين هي الآن ...
وقف للحظات ، لا يدري ماذا يفعل ، ولا أين سيبحث عنها ، فهو لا يعرف أحد من أقاربها أو أصدقاءها ...وتذكر أن أمه بإنتظاره ...عاد مسرعاً إلى بيته، فتذكر صديقتها نهلة، ذهب إلى بيتها في محاولة أخيرة ليبحث عنها ...قالت له نهلة :
_ لقد بقيت في بيتي يومين ، ثم أخبرتني بأنها تريد أن تغادر العراق وأنها لا تريد أن تعيش هنا بعد أن فقدت كل أهلها ، وأن لها خالة في عمان ، تريد أن تذهب لتعيش معها ...أعطيتها بعض النقود وغادرت ولم أسمع أي شيء عنها منذ ذلك الحين ...
طوال طريق عودته لبيته وتساؤلات عديدة تُلح عليه : لماذا لم تلجأ إليه ؟ لماذا لم تُخبره بما حصل ؟ لماذا غادرت بهذه الطريقة الغامضة ؟ أين هي؟ أستقبلته والدته بغضب وقالت له بحدة:
_ ذهبت لرؤيتها من جديد ...سوف تكون السبب بدمارك ...
قاطعها قائلاً: لقد أختفت يا أمي ، لا داعي للقلق بعد الآن ، ربما هي ميتة أو مخطوفة ...أهلها جميعهم ماتوا ، رحلت ...تركت العراق ولا أحد يدري أين هي...يمكنك أن تشعري يالإرتياح الآن ...كل ما سعيت لأجله سابقاً كي لا أتزوجها أصبح لا داعي له ...فلا وجود لها ...
صمتت وإفتعلت بعض التعابير الحزينة على وجهها ولكنه لم يستمع لأي من كلماتها وكان آخر ما يريده هو الحديث مع أمه عن هيفاء.
ومن جديد أمسك بالأوراق التي كتبتها هيفاء ، قرأها سطراً سطراً وصفحة صفحة ، يريد أن يكون مع هيفاء ، يريد أن يلمس روحها ودفئها من خلال السطور والكلمات ، في كل مرة يقرأ بها هذه الأرواق تعود هيفاء له من جديد ، كأنها لم تختفي . وكأنها كتبت تلك الأوراق له فقط ، لأن شعوراً خفياً جعلها تكتبها وتتركها في مكانٍ ما حيثُ سيجدها هو بالتحديد ، وإلا فما الذي دفعه رغم كل الخطر للذهاب إليها وليجد هذه الأوراق عوضاً عنها ، أصبحت هذه الأوراق الخيط الرفيع الذي يجعله يحتمل هذا الوجود الغريب عنه على هذه الأرض الغريبة ، هذه الأوراق تحمل شمس الشرق ونجومه وقمره الساطع ، إنها ساعات الفجر ورائحة القهوة العربية ، إنها وطنه الذي لا يراه ، لا يرى هيفاء فقط بل يرى كل الوطن وكل الوجوه التي أحبها والتي أختفت من وجوده بسبب الرحيل أو بسبب الموت ويهمس لنفسه بحزن الشوق:" أنها أنت يا هيفاء من يُبقيني على قيد الوجود، رغم إختفاءك منه" ويقرأ من جديد وفي كل مرة من جديد، كان خط هيفاء مرتعش وسطورها متفرقة لشدة الخوف الضغط النفسي الذي كانت تشعر به والذي بدا واضحاً على خطها الذي يصعد حيناً ثم يهبط حيناً آخر وكأنها كانت تكتب أحياناً في الظلام:
" أغلق والدي جميع نوافذ البيت بألواح حديدية،وجلسنا ننتظر لأيام عديدة ساعة الصفر .ولكن في تلك الليلة،أتصل صديق والدي في الساعة الثالثة صباحاً وكان له مركز كبير في الحكومة، قال لأبي:
_سوف يضربون بغداد غداً في الخامسة فجراً….يجب أن تغادروا بغداد…
صمت والدي وقال له بصوت متقطع:
_وإلى أين سنذهب!!لن أترك بغداد أبداً…سوف نذهب إلى بيت والدي القديم. …

منذ عدة أسابيع،لم يعرف والدي طعماً للنوم،ينهض ويقول لنا:تُصبحون على خير…ثم يذهب لغرفته للنوم،أخبرتني أمي بأنه كان يتقلب في فراشه إلى أن ننام جميعاً ثم ينهض ويتجه نحو الصالة يجلس بقرب الهاتف إنتظاراً لمكالمة تأتي من صديقه …ويتصفح أو يقرأ الكتب التي ألفها والأبحاث التي كان يقوم بها خلال عمله في الجامعة فلقد كان حاصلاً على الدكتوراه في الهندسة ….
قالت لي أمي:والدك لا يقرأ أبحاثه ومؤلفاته بل يودعها….

طلبت أمي من أخواي الصغيرين راضي وعبد القادر جمع بعضاً من ملابسهما، لم يسألا عن السبب فلقد أدركا على الفور ما الذي سوف يحصل، أما أنا فلقد كنت قد جمعت ما قد أحتاج إليه منذ أيام.حملنا أمتعتنا وإتجهنا نحو بيت جدي القديم،إختار والدي بيت جدي القديم لأنه في حال سقوطه لن تكون النتيجة بحجم ما قد يحدث في بيتنا الآخر لأن جدران بيت جدي مصنوعة من الطين والخشب وبعض الأحجار الصغيرة.ومنذ أسابيع كان والدي قد جهز كل شيء لهذه المرحلة، فقد وضع برميل كبير من النفط في الساحة الخارجية للبيت،وملأ المطبخ الضيق بأكياس البطاطا والبصل والخبز الجاف والحبوب.

ما أن فتح والدي الباب الخشبي القديم حتى أهتزت جدران البيت القديم بسبب صوت قذيفة لا ندري من أين أتت ولا أين ستسقط،دفَعَنا والدي بسرعة إلى داخل البيت الصغير وطلب من ألا نشعل النور،وحين تردد صوت النيران في أرجاء المكان طلب منا أن ننبطح أرضناً،إحتضنتنا أمي بقوة وتمدد والدي بقربها،جسد أمي كان مرتعشاً وبارداً وكانت تلك هي المرة الأولى في حياتي التي أشعر بها ترتعش وأشعر بتلك البرودة الشديدة تتملكها،ومن خلال الضوء الشاحب الذي كان يتسرب من النافذة الصغيرة رأيت وجه والدي وعيناه المحدقتان في الفراغ،نظرت إلى ساعتي وكانت الساعة الخامسة إلا عشر دقائق،وخلال ثوانٍ بدأ القصف العنيف يدك كل زاوية من بغداد،وفي كل مرة كان البيت الصغير يهتز تحت وقع القذائف العنيفة،وفي كل مرة نشعر بأن البيت سوف ينهار فوق رؤوسنا.رفض أبي أن نذهب لأي ملجأ لأنهم يتعمدون قصف الملاجيء وقال لنا بأنه يفضل الموت في بيته.

توالت الضربات دون توقف،وبدأت بالبكاء أنا وإخوتي الصغار،أمي لم تمنعنا من البكاء كعادتها لأنها كانت تبكي بصمت منذ أن دخلنا منزل جدي،وكأنها كانت تنعي جنازة لابد وأن تأتي…وحين تسرب ضوء الشمس من النافذة الصغيرة رأيت أبي يضع رأسه بين يديه،لقد كبر والدي أعوام كثيرة خلال تلك الدقائق القليلة من الزمن.لم يتوقف القصف طوال فترة الصباح،وبقينا في حضن أمي نرتجف ونبكي،أما أبي فلم يجد سوى حضن كفيه الجافين كي يتكيء عليهما.

هدأ القصف للحظات،ونهضت أمي متجهة نحو المطبخ،قال لها والدي بصوت حاد:
_ماذا تفعلين؟عودي وأبقي حيث كنت…
أجابته بصوتها الخافت:
_لابد أن أحضر شيئاً من الطعام لأجل الأولاد…
_يستطيعون الإنتظار…
لم ترد عليه وإتجهت نحو المطبخ لجلب بعضاً من قطع الخبز والجبن،وما أن ناولتنا قطع الخبز حتى عاد القصف من جديد،شدها والدي بإتجاه الأرض وقال لها صارخاً:
_دعك من الأكل الآن…
لم أسمع والدي أبداً يصرخ بوجه أمي،لم تغضب أمي بل إلتصقت بنا وعادت للبكاء الصامت من جديد.وضعنا قطع الخبز والجبن على الأرض ولم نستطع تناول أي لقمة منها،فالقصف إشتد وأصبحت بغداد كتلة من النار،دفنا رؤوسنا بحضن أمي المرتجف والتي لم تتوقف عن قراءة القرآن ودموعها تتساقط دون توقف،ومن خلال الدموع والآيات القرآنية سمعنا صوت بكاء والدي،رفعنا رؤوسنا رغم حدة الضربات الشرسة، لننظر لأبي الذي رأيناه يبكي لأول مرة منذ أن رأينا نور هذه الحياة،توقفت أمي عن البكاء وقراءة القرآن،نظرت إليه مذهولة،فقال دون أن ينظر إلينا:
_بغداد تحترق يا أم راضي،وأنا أحترق معها….
أرادت أمي أن تنهض وتتجه نحوه،ولكن قذيفة عنيفة هزت جدران البيت،فصرخ والديمن جديد:
_أبقي حيث أنت…
سمعنا أصوات أشياء كثيرة تسقط على الأرض وتتهشم،لم ينظر أي منا إلى ما وقع،وغرقنا بقوة بحضن أمي،وبقى والدي غارقاً بين كفيه الجافتين،باكياً ومتشنجاً.

عاد الهدوء للحظات،فتناولت أمي الخبز وطلبت منا أن نأكل ولو لقيمات صغيرة،رفض والدي أن يأكل أي شيء،ونظرت والدتي للأشياء التي تهشمت فهزت رأسها بصمت ونظرت إلينا مجففة دموعها .وما أن بلعنا بعض اللقيمات حتى عاد القصف من جديد،ملجأنا الوحيد كان حضن أمي،أغمضنا عيوننا وغرقنا في ظلام حضنها المرتعش، كنا نريد أن نهرب من الخوف الرهيب الذي يحلق فوق رؤوسنا،أن نهرب من الموت الذي سوف يقطع أجسادنا،لم يكن لدينا من وسيلة دفاع سوى الهروب لهذا الحضن وأن نقبع في زاوية من زوايا هذا البيت القديم،ولم يتبق لنا ولأهل بغداد سوى الدعاء والإبتهال إلى رب العالمين…

مكثنا ساعات في ذلك الوضع دون حراك،ولكن جدران المنزل إهتزت بعنف وسمعنا صوت شيئاً ما يسقط في البيت،بل ويتجه نحونا،لقد كانت النافذة الخشبية التي طارت بقوة تحت تأثير القذيفة التي ضربت أحدى البيوت التي حولنا،صرخت أمي ودفعتنا بعيداً عن النافذة ثم ألقت بنفسها فوقنا،وما كاد والدي يدرك ما يدور حوله حتى أرتطمت النافذة بأرض الغرفة وتناثرت أجزاءها في كل مكان،نهض والدي،وبدأ بجمع القطع المتناثرة،رغم إستمرار القصف،طلبت منه والدتي أن يبقى مكانه وألا يتحرك،لم يرد على والدتي وتابع جمع القطع المتناثرة.

إشتد القصف من جديد وبدأ إخوتي الصغار بالبكاء بصوت مرتفع،كانت والدتي عاجزة أمام بكائهم وإرتعاش أجسادهم،حاولت أن أهدأهم ولكن دون فائدة فالضربات كانت عنيفة حادة ومتتاليه،وكأنهم كانوا يريدون دك كل حجر في بغداد… لقد كان بكاء إخوتي وذعرهم الذي لم يعرف الهدوء أشد قسوة من تلك الضربات القاتلة،لم أعد أعرف ماذا أقول لهم ووالدتي عادت للبكاء الصامت من جديد، أما والدي فغرق في صمت بعيد وعميق…وفجأة سمعنا صوت إنفجار عنيف تردد أصداءه في كل المكان،إزداد بكاء إخوتي،وقالت لي أمي بصوت خافت:لا أعتقد أن أحد ما سوف ينجو من هذه المجازر. لم تكد أمي تُنهي جملتها حتى سمعنا طرقاً عنيفاً على الباب،توجه والدي مسرعاً صوب الباب،سمعنا صوت صراخ إمرأة،كانت تبكي وتصرخ،عاد والدي مسرعاً وقال لأمي:إنها جارتنا في البيت المقابل،سقطت القذيفة على منزلهم،لقد إستشهدت أمها ولا يوجد أحد يساعدها….لم ينتظر والدي جواب أمي،وخرج مسرعاً مع المرأة…

وما أن خرج أبي،حتى إزداد خوف إخوتي وإرتعاش أجسادهم الصغيرة،كانوا يعرفون بأنه لا يستطيع حمايتهم ولكنه كان مصدر الأمان الوحيد لهم مع أمي…بدأت أعد الدقائق منتظرة عودة والدي،أصبح كل منا يرسم صورة مختلفة لعودته،قد يعود جريحاً أو مقتولاً أو قد لا يعود أبداً،نظرت إلى أمي محاولة قراءة ملامحها ولكنها كانت منحنية بقوة كي تحتضننا،ولم ترفع رأسها عن الأرض،وربما لم ترغب بأن تواجه مخاوفها وقلقها على والدي…

وحين سمعنا صوت الباب وصوت أقدامه،دبت الحياة بعروقنا،أردنا أن ننهض لنعانقنه فإنحنى بسرعة ليُقبلنا،وقال لأمي بصوت حزين :
_لقد دفناها في حديقة منزلها… لقد إنقطعت خطوط الهاتف ولم نستطيع الإتصال بالإسعاف،إبنتها بقيت وحيدة،لقد تهشم جدار أحدى غرف النوم طلبت منها الحضور والبقاء معنا ولكنها رفضت،وأخبرتها بأنها تستطيع الحضور في أي وقت…
قالت له والدتي :
_لا تجلس بعيداً عنا،أرجوك أن تجلس بجواري،لم يعد لدي أمنية بهذه الحياة سوى أن نحيا سوية أو نموت سوياً.
وهكذا جلس والدي بسكينة بجوارنا،إمتدت يده لتحتضننا،وإزداد شعورنا بالأمان رغم أن الدمار والموت يعبث بالبيوت والأجساد والقلوب.
كنا نشعر بجوع شديد ولكن لم يرغب أي منا بأن يأكل،ولم نجرؤ على التحرك من أماكننا،نهضت أمي وإتجهت من جديد نحو المطبخ،ومن جديد طلب منها والدي أن تبقى مكانها،فقاطعته قائله:
_الأولاد جائعون،ويجب أن يأكلوا أم تريد أن يموتوا جوعاً وعطشاً بسبب الخوف…
إستغربت تصرفات أمي،لقد كانت تسير بهدوء في المطبخ،بل وأعدت الشاي وسخنت الخبز،والقصف لا يزال مستمراً،وضعت الأكل على الصينية وأحضرتها،لم نتحرك من أمكنتنا،ولكنها وبلهجة صارمة قالت:
_بسم الله الرحمن الرحيم،هيا كلوا..إذا أراد لنا الله الموت فلا مانع له…
تلك الكلمات القليلة الدافئة أعادت الطمأنينة لنا،تناولنا الشاي وأكلنا بصمت،الساعات كانت تمضي بطيئة ثقيلة محملة بأطياف الموت والرعب،صوت القذائف العنيفة جعلت حواسنا تقبع متحفزة لكل صوت،خوفنا العميق خلق أجنحة لخيالنا،ولكنه كان خيال موشح بالحزن والألم ،خيالنا كان يتابع كل قذيفة… أين ستقع؟وعلى أي سقف؟ومن سوف يموت من أقاربنا ومن أصدقائنا وجيراننا أو أي شخص من وطننا؟ خيالنا كان واسعاً ولكنه يسبح في عالم مكتظ بالجثث والدماء والآلام،لطالما كان الخيال جميلاً ولكنه حين يمتزج بالخوف والموت يصبح عذاباً،في تلك الساعات تمنيت أن يتوقف خيالي لأنه كان الصورة المقابلة للخوف،كنت أردد لنفسي في كل دقيقة بأنني قد أموت في أي مكان وفي أي حادث،ولكن خيالي كان يصور لي موتاً وحشياً بشعاً في حالة الرعب والفزع التي فرضها العدوان علينا وعلى كل جزء من بلدي بل وحتى على كل حيوان كان يعيش بسلام على هذه الأرض.

صوت عنيف إيقظني من أفكاري،كانت قذيفة أخرى إهتزت معها جدران المنزل من جديد،نظرت إلى الجدران القديمة،وإنتابني الشك بأنها قد تصمد مرة أخرى،وبصورة لا إرادية نظرت لأول مرة نحو السقف لأرى ما هي حالته،كان سقفاً خشبياً قديماً،تتخلله بعض التشققات،لون الخشب أصبح أسود لقدمه أو ربما لكثرة الأنفاس التي عاشت تحته،إيقظني صوت أمي من أفكاري :
_أبو راضي،هل تستطيع أن تذهب لجارتنا وتطلب منها الحضور للبقاء معنا،لا نستطيع تركها وحيدة في بيتها…

نهض والدي، ومن جديد وقعنا في الخوف الشديد الذي يتركه والدي كلما خرج ولو لدقائق قليلة،ساد الصمت،وعدت أتأمل السقف الذي تعلقت في شقوقه ذكريات قديمة… هذه الشقوق التي تحمل تاريخ عائلة أبي بأكمله هي التي قد تقضي على ما تبقى من ذلك التاريخ إن هي إنهارت فوق رؤوسنا.خطوات والدي أعادت لأرواحنا الأمن من جديد،كانت تسير خلفه بخطوات قليلة،تحمل كيس يرتعش بيدها لأن جسدها كله كان يرتعش،طلبت منها أمي الجلوس معنا وقالت لها:
_لا تخافي يا ابنتي،إن حييننا،حيينا معاً وإن متنا متنا معاً ولكننا لا نستطيع أن نترك وحيدة في بيتك…
أرادت أن ترد على أمي،ولكن الدموع غلبتها،فصمتت وبكت دون خجل منا،ساد الصمت من جديد،وبدأت الشمس في الغروب،ونهض أبي لُحضر بعض الشموع، فخطوط الكهرباء قُطعت،وبدأ الظلام يحل تتخلله أصوات القذائف التي تبدو بعيدة أحياناً وقريبة أحياناً أخرى،وجلسنا وأنظارنا معلقة على النافذة، نراقب ألوان المتفجرات والقنابل الحمراء التي لونت سماء بغداد،لم نكن نرى الجثث ولا الجرحى،ولكن رائحة الأموات كانت تملأ صدورنا،ولون الدماء خط لوحته الضخمة على الأفق البعيد….ألقى إخوتي الصغار بأجسادهم على حضن أمي ينشدون المرفأ الإخير للأمان،ومنحهم النوم بعضاً من الهروب من واقع الموت والدمار،أما أنا فكانت غفوة النوم تأخذني بعيداً وتعيدني من جديد أتأرجح بين الموت والحياة،بين بساتين بغداد الخضراء وبين مقابرها التي لم يعد لها أسوار ولا حدود وفي كل إغماءه أقرأ شهادة أن لا إله إلا الله كي لا أقُتل وانا غافية ولا أستطيع قراءة الشهادتين…أسمهان،جارتنا،جلست بالقرب من الحائط وووضعت رأسها بين ذراعيها،وحين تُنهض رأسها من حين لأخر أرى أكمامها المُبللة بالدموع الصامتة…

حل الليل وأطبق على القلوب وعلى البيوت، يصبح الموت أكثر فتكاً ووحشية مع ظلام الليل،وتصبح أصوات القذائف العنيفة كرات من النار تخطف الأرواح وتحصد الأجساد،إلتصقنا بأمي ومدت ذراعيها محاولةً تهدئتنا،وعادت لقراءة القرآن الكريم،أما والدي،فقد قضي أغلب ساعات تلك الليلة بالصلاة والدعاء… فخلف تلك السماء المشتعلة بنيران الحقد والغدر،كنا نلتمس الرحمة من إله الرحمة…وكأن رفاهية الحياة تجعلنا ننسى كم هو قريب،وحين تأتي هذه الكوارث الفظيعة نتذكر كم هو قريب...

يلقي النوم بثقله على جفوننا ويقتعله صوت الإنفجارات المتواليه،أصبحت غفوة الطفل الصغير حلم بعيد وهدهدة الأم لطفلها أنين. في كل إنفجار يقع على البيوت الآمنة والناس الأبرياء أفكر بأولئك الذين عبروا القارات وأتوا من خلف المحيط والبحار،لماذا أتوا؟ماذا يريدون؟وبأي حق يقتلون ويروّعون؟ أفكار كثيرة تناوبت في عقلي بين الخوف وشدة النعاس…ولكن الإنفجارت لم تعد تترك لي هدنة للهروب إلى أفكاري في عالم القتل والإرهاب والدمار…أصبح البيت يهتز تحت وطأة التفجيرات،أحد القذائف وقعت قريباً من بيتنا،حتى أعتقدنا بأنها سوف تسقط فوق رؤوسنا، لم تقع على البيت ولكنها هشمت زجاج النوافذ،إنحنت أمي فوقنا كي تحمينا من الشظايا الزجاجية،أما والدي فألقى بنفسه على الأرض وطلب من جارتنا أن تفعل مثله،أصبحت القذائف تنهش المدينة،وأصبح البرد ينهشنا مع الرعب والخوف،نهض والدي وبدأ بإلصاق أكياس النايلون على النوافذ،لقد كان إختيار والدي لبيت جدي مُصيباً،فالنوافذ كانت منخفضة وصغيرة،إستطاع والدي إغلاقها بأكياس كان قد حضرها سابقاً،وعدنا من جديد نرصد ما قد يتبقى من وجودنا ونحيا على ذكريات ما كان منه،نُنصت بفزع لأصوات الموت، ونحاول أن نتوقع أين ستقع القذيفة التالية،على سقف بيتنا أم على سقف آخر،وحين يحل شيئاً من الصمت،لا نسمع سوى صوت حفيف أكياس النايلون التي ألصقها والدي،وفي لحظات الصمت تلك،يستعيد وجودنا بعض أنفاسه وندرك أن هذا الوجود أصبح هشاً بقدر هشاشة أكياس النايلون الشفافة.

بدأت خيوط الفجر تتسرب من جديد من النوافذ الصغيرة،سمع والدي صوت آذان الفجر وطلب منا أن نصلي الفجر معاً،وتحت القصف العنيف وزمجرة القنابل،أدينا الصلاة معاً،وعدنا من جديد إلى حضن أمي وجلس والدي من جديد بجانبها،وعادت جارتنا لتجلس مكانها بصمت،نهضت أمي،وسألها والدي أن لا تتحرك من مكانها،فإستدارت ونظرت إليه:
_أبو راضي،لكل أجلٍ كتاب،أنت رجل مؤمن،هناك أشياء في الحياة لابد من القيام بها حتى ولو أحاط بنا الموت،سوف أحضر الفطور …
نهضت الجارة الشابة لمساعدة أمي،وعادت أمي تحمل الطعام وكؤوس الشاي،طلبت منا أن نأكل،وقالت لنا كلمات هادئة وحنونة كي نفهم بأننا قد نموت،وأن المهم هو إيماننا بالله،ولكن لابد من المحافظة على أسباب الحياة،في وسط فوضى الموت،وأصوات أسلحة المجازر،كان وجه أمي وكلماتها مرفأنا الوحيد نحو الأمان،كلماتها وأنفاسها كانت ملجأنا الحقيقي،وهروبنا الواقعي أمام الموت،حتى الموت كان يبدو أقل قسوة ونحن نقبع في حضنها الدافيء،الأمومة تأخذ أكثر صورها عمقاً في الحروب وفي الكوارث التي تحاصر الإنسان والتي يقف أمامها عاجزاً،تصبح هذه الأمومة قاربه الوحيد الضعيف القوى إلى شاطيء النجاة تصبح وسيلته الوحيدة لمواجهة قسوة الموت.لمست يدها وقبلتها،وهمست:أحبك يا أمي…

بدأت الشمس تتسرب من خلال النوافذ،توقف القصف لبعض من الوقت،سمعنا أصوات مختلفة،لقد كانت سيارات تمر،أطل والدي من النافذة،ومن بين تجاعيد الحزن والتعب،أطلت إبتسامة خفيفة على وجهه،قال لنا:
_تصوروا،إنها سيارت تبيع الخضار والطعام..هل نحتاج شيء يا أم راضي؟
_لا أعتقد،لقد إشترينا ما يكفي لعدة أيام…
تلك السيارات التي مرت،لم تكن تبيع الطعام فقط بل والأمل بالحياة،لقد نقلتنا إلى واقع آخر،إلى تحدي هذا الإجرام وإلى الرغبة بالحياة حتى آخر رمق من الأنفاس،حتى أن إخوتي الصغار تحركوا لأول مرة في أجاء المنزل،وتحدثت أمي قليلاً مع الجارة،وحين عاد القصف من جديد عاد كل من لمكانه،وفي كل مرة بتوقف القصف،أصبحنا نحاول أن نحيا من جديد،كل ذلك بعد مرور تلك السيارات،بعد مرور أولئك الذين يصرون على الحياة ،أولئك البسطاء الذين يبيعون الطعام ويبيعون الأمل وشيئاً من نبض الحياة.

وحين حل الظلام،إختفت السيارات،وعاد الخوف من جديد ثقيلاً ورابضاً فوق الصدور، إلتصقنا من جديد بحضن أمي،وإجتمعنا من جديد،لنرصد حضور الموت،نراقب بدقة على من سوف يقع إختياره،ويبدأ كل منا بالدعاء،دعاء صامت،كلمات خاصة بكل منا يتوجه بها إلى الله جل جلاله…ذلك الدعاء الصامت الذي يختصر كل تفاصيل حياتنا،ويزرع الأمن في صدرونا المرتعشة،كنبته صغيرة إنغرست في تربة تكاد تقتلعها الرياح،فلم يتبقى لها سوى جذور ضعيفة قد تحيا وقد تقتلعها الرياح العاتية،ودعواتنا كانت براعم ضعيفة في وسط العاصفة الهوجاء.

ومن جديد،تُشرق الشمس رغماً عن الإجرام والقتل،تُشرق لتُحي أمل يحتضر في سواد الليل ثم يلتقط أنفاسه مع خيوط الشمس القادمة من السماء الطاهرة. الليل كان يُغرقنا بخوف رهيب لا وصف له ولا نهاية،نسير به في أنفاق من الكوابيس، أبطاله الموت والدماء النازفة…وحين يأتي النهار محملاً ببعضاً من الأمن وترافقه تلك السيارات القديمة التي تبعث الحياة في الشوارع المحتضرة،نرفع رؤوسنا من جديد ونستنشق هواء الصباح، نستنشقه بملأ صدرورنا رغم أنه مُحمل برائحة القذائف والقنابل الإنشطارية،ورغم أن النهار يأتي ممزقاً نازفاً وباكياً لأرواح بريئة إنتُهك وجودها ولوثت طهارتها،إلا أننا نستقبله بأيدً مفتوحة،أيدً مُحملة باليأس وتريد أن تحلق على أجنحة أمل بعيد وحزين،ولكنه أمل أخير ووحيد،الأمل بالحياة…

تنهض أمي من جديد لُتعد الطعام،ولا يطلب منها والدي أن تعود للجلوس،أصبحنا ننتظر تلك الوجبة الدافئة التي تُعدها أمي،شيئاً ما في رائحة تلك الوجبة البسيطة ودفئها كان يهمس لنا بأن الحياة الجميلة لابد وأن تعود من جديد؛ شيء ما في الطعام الدافيء يبعث الحياة في العروق،وكأن للروح لغة ترجو بها الحياة وهي لغة الرموز والكلمات والأحلام، وكأن للجسد لغة ترجو بها الحياة وهي لغة ما هو محسوس، لقمة ساخنة،ولمسة دافئة،فتسري الحياة من جديد في العروق…وأمي،هذه الرحى القديمة التي لا تتوقف عن الدوران،هذه الرحى التي لا تعرف في الوجود سوى الإصرار على البقاء،والإصرار على بقاء الغير قبل بقائها هي،أمي هذه الرحى القديمة القاسية والتي لا ولن نعرف الأمن سوى حين نلتف حولها نراقب دروانها اللامنتهي،ولا أحد يمنعها عن الدروان،لأنها هي الرمز الأخير لنبض الحياة،فكل منا يريدها أن تتوقف،أن تأخذ قسطاً من الراحة ولكننا نعرف جميعاً بأنها إذا توقفت سوف يتوقف دوران حياتنا.

نهض والدي رغم شدة القصف وبدأ يبحث عن شيء ما بين حاجياتنا،إلتفت إليه أمي لتسأله عما يبحث،فأجاب بصوت مُتكدر:
_أبحث عن الراديو الصغير،لقد وضعته مع الأغراض ولكن يبدو أنني نسيته…
ولأول مرة منذ وصولها،قالت جارتنا الشابة التي كان اسمها أسمهان بخجل:
_يوجد في بيتي راديو صغير يعمل على البطارية،سوف أذهب لإحضاره…
طلب منها والدي أن تبقى وأن الأخبار سوف تصل لنا حين يتوقف القصف،ولكنها أصرت على الذهاب وإحضار الراديو،رافقها والدي،وعادا بعد قليل،لم أكن أتصور بأن ذلك الجهاز الصغير سوف يغير الحالة النفسية لوالدي بهذه الصورة،أشرق وجهه قليلاً وهو يغير المحطات، وبدأ بعض من اللون الأحمر يطفو فوق وجنتيه بعد أن كانتا غارقتين بلون أصفر شاحب،رؤية فرحه الصغير ذلك جعلنا نشعر بشيء من الحبور،إلتففنا معه حول الراديو،وبدأنا نسمع الأخبار…

وجد والدي رفيقاً حميماً له،حتى أنه كان يغفو ويترك الراديومفتوحاً ،كان الراديو هو الخيط الوحيد الذي يربطنا بالعالم الخارجي،النشرات الإخبارية كانت تتوالى حول صمود الجيش العراقي،وحول الضربات الأمريكية لبغداد،أبي كان يسمع دون تعليق،أما أمي فلم تكن تهتم لما يُقال في الراديو،كانت تعتقد أن القذائف هي التي تقول الأخبار الصحيحة…فكرة واحدة إستحوذت عليّ:ماذا لو فرغت بطاريات الراديو؟ماذا سوف يفعل والدي؟حتى أنني شعرت بالقلق لأجل والدي،لم أتصور أنه سوف يستطيع أن يعود للصمت السابق والذي لا يتخلله سوى أصوات الإنفجارت والصواريخ،بل أنني شعرت بالإشفاق عليه،فهمست بأذن أسمهان :
_لماذا أحضرت الراديو؟لقد تعلق به أبي كثيراً وأخاف أن يحزن كثيراً إن فرغت بطارياته…
إبتسمت أسمهان رغم حزنها العميق وقالت لي:
_إطمئني،لقد أحضرت العديد من البطاريات…

كان والدي يضع الراديو بقرب إذنه طوال الوقت،لقد كان الراديو وسيلته الوحيدة للهروب من عجزه أمام هذه المجزرة التي أسموها حرب،لم تكن حرب بل مجرزة،لأنها كانت تدمر البيوت وتقتل الأبرياء،لم تكن حرب لأنه لم يكن هناك ما يكفي للدفاع عن النفس،فالحصار الذي فُرض على العراق طوال عشرة أعوام سبقت هذا الهجوم الضاري،لم تُبق بهذا الشعب القوة ولا الإمكانيات للدفاع عن النفس،والعدو لم يأتي سيراً على الأقدام ولكنه أتى على مُتن الطائرات العسكرية،ولم يكن سلاحه سوى الصواريخ بعيدة المدى التي تقتل أي كائن يمشي على الأرض….

مكثنا على حافة الجسر بين الموت والحياة لأيام وليال،كان الصمت لغتنا،الموت كان أقرب لأجسادنا من الحياة،ففي كل إهتزاز لجدران البيت القديم،كانت أجسادنا تتهيأ لإستقبال الموت،وحين نسمع صوت القنابل تمر كالصاعقة في السماء نشعر بأنها سوف تسقط فوق رؤوسنا،وحين نسمع صفارات الإنذار تتقلص أرواحنا في مساحة ضيقة من أجسادنا وكأنها تستعد للخروج،حتى حين كانت تُخطأنا القنابل،كنا نموت مع كل قنبلة نسمع صوتها،لأننا نعرف بأن أرواح أخرى تغادر الحياة بهذه اللحظات، وان أشلاء أجساد أخرى تلتصق بالجدران وتتناثر في البيوت والشوارع،في الحروب الحقيقية يوجد اشخاص ناجون وأشخاص يذهبون فداءً للوطن،ولكن في جرائم الإبادة ليس هناك ناجون،لأن الإبادة تقطع أجزاء كبيرة وعميقة من الوطن الأم،فمن ينجو ليس إلا شاهداً على الجريمة الكبرى،ومن يُقتل يموت مرتين،مرة لإقتلاع روحه من جسده، ومرة ألماً لأنه يُقتل ظلماً وعدواناً.

طوال أيام القصف وإخوتي الصغار يلتصقون بحضن أمي،حتى حين يهدأ القصف قليلاً،تبقى أجسادهم ملتصقة بها،ونظرات الخوف لا تفارقهم،وحين تطلب منهم أمي أن يتركوها قليلاً لتُحضر شيء من الطعام،فيتشبثون بي،أضمهم بحنان وأشعر بإرتعاشة أجسادهم الصغيرة.خلال أيام فقط تغيرت ملامحهم وفقدوا الكثير من وزنهم، وعيونهم أصبحت غائرة،وكأنهم كبروا أعوام كثيرة خلال تلك الأيام،أو بالأحرى رحلت عنهم الطفولة للأبد. لا أزال أرفض أن أسمي ما يحدث بحرب،بل هو عدوان آثم،وأول ضحاياه الأطفال،لربما حين يموتوا تنتهي معاناتهم ولكن المعاناة الكبرى هي أن يحيوا تحت وطأة كل هذا الخوف،أن يشعروا ويروا الموت يحلق فوق رؤوسهم،بل إن الموت يكون أرحم في الظروف العادية للبشر،ولكن بهذا الوضع،فهي جرائم وحشية تدمر وجود الكبار وتسحق أرواح الأطفال.حين يغلبهم النوم بحضن أمي أو بحضني،تنتابهم الكوابيس،ويستيقظون فزعين،ثم يعودوا للنوم المضطرب تحت وطأة النعاس،أصبحت أجسادهم شديدة النحف والرقة،وكأنها ستتمزق بين ذراعي،لم تبك أمي سوى في بداية القصف،ولكنها الآن وحين ينامون بحضنها تبكي وتنظر إلى بعيون حزينة ومفجوعة وتقول هامسة:
_ أنظري إليهم،يكادوا أن يموتوا من شدة الخوف…حتى أن الخوف أفقدهم وزنهم..حسبي الله ونعم الوكيل…
وأغرق معها ببكاء صامت حين أتحسس عظامهم الرقيقة التي ترتعش تحت وطأة القصف الإجرامي،والتي ترتعش حتى لو توقف القصف وحين سماع أي حركة من أي منا،وكأن أجسادهم أصبحت تحيا على وتيرة ما يتحرك وما قد يتدمر سواء في حالة اليقظة أو في حالة النوم….أمي امرأة قوية النفس،ولكنني بدأت أشك بأنها ستصمد طويلاً أمام ذوبان طفليها الصغيرين،ففي كل يوم تحس أجسادهما وتلمس وجههما وتردد:يارب…

كنت أشعر بالقلق لأجل راضي،لقد كان يذبل بسرعة كبيرة،أمي كانت تحاول أن تُقنعه بأن يأكل،فيتناول بعض اللقيمات،ثم يضع الطعام جانباً ويعود إلى الصمت،وحين يهدأ القصف لا ينظر إلينا بل يراقب النافذة بخوف شديد،حتى النسمات الخفيفة التي تُحرك قطع النايلون كانت تُفزعه،لم أعد أهتم بالقصف أو بأصوات القنابل،أصبحت أفكر وأراقب راضي طوال الوقت،شيء ما بداخلي يجعلني أقلق عليه….

أصوات القنابل لم تتوقف،الأفظع هو سماع صوت البيوت وهي تنهار وصراخ الجيران خوفاً أو موتاً،لم يحن دورنا بعد ولكننا كنا ننتظر لحظة الصفر في كل دقيقة،الصمت كان ملاذ والدي،وكنت أُدرك أنه يتعذب لما يحدث وكذلك لأنه لا يستطيع القراءة…أغرب ما يحدث للأنسان بهذه اللحظات هو أنه ينظر لمن حوله عبر الذكريات،كأنهم ماتوا،إستغربت طريقة تفكيري بأبي،لم أعد أنظر إلبه عبر الحاضر، ولكن صورته وهو جالس أغلب الأيام خلف مكتبه يقرأ الكتب ويسجل الملاحظات،كانت هي الصورة الوحيدة العالقة بذهني،فأبي كان يحيا عبر القراءة،حتى علاقته بنا كانت عبر سطور قصة ما،أو عبر قراءته لنا للمعلومات العلمية التي يجعلها بسيطة وقريبة لأفكارنا،لقد كان يأكل ليحيا وكان يقرأ ليستمر بالحياة،أراه الآن متقوقع حول نفسه وأسمع أنين روحه،جسده يتعذب لما يدور حوله وروحه تتلهف لكتاب،لورقة أو حتى لقصاصة صغيرة يغرق بها ويقرأ كل حروفها،دموع صغير إنحدرت على خدي وأنا أراقبه، وأرى حطام نفسه يكبر بكل دقيقة في عمق هذه المجزرة التي تقتل الإنسانية ولا تقتل العراقيين فقط…

نهض والدي فجأة،ووضع الراديو قرب أذنه ثم وقف صامتاً قرب النافذة،قالت له والدتي بإستغراب:
_لماذا نهضت،لابد أن تعود مكانك…
_لم يعد هناك حاجة للبقاء على الأرض،لقد إستسلمت بغداد اليوم…أو ربما سلموها…لقد قتلوا بغداد اليوم…
صرخة صغيرة صدرت عن أمي:
_ماذا تقول!!
_لقد سمعت الخبر الآن في الراديو…
وفجأة وبعد صمتها الطويل قالت أسمهان:
_أخيراً،ربما يكون هذا أفضل…
_صرخ والدي بوجهها:
_إستسلام بغداد أفضل!!كنت أفضل الموت على تستسلم بغداد وأرى أقدام الأمريكان تلوث أرضها الطاهرة…
_ولكن الكثير من الناس قُتلوا وسوف يقتلون إذا أستمر الوضع…
_لقد إستشهدوا…والأمريكان لن يُقفوا المجازر،فهو أسلوبهم المعهود في الحروب…
إستمر الحوار لبضعة دقائق،وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتحدثون بها منذ وصولنا لهنا،كان الحوار سيستمر لولا الصوت الصغير الذي صدر عن راضي،كنا نعتقد بأنه نائم،ولكنه كان يلفظ أنفاسه الأخيرة،رفعت أمي رأسه الغارق بحضنها،نظر إليها بوهن،ثم نظر إلي وكأنه يودعنا،وأغلق عينيه،أعتقدنا أنه فقد الوعي،أسرع والدي بأخذه بين ذراعيه،ثم وضع يده ليحس نبضه،غرق وجه والدي بلون أصفر لم أراه من قبل،وتجمد مكانه،لم ينظر إلى أمي،ولكنه ضم راضي بقوة إلى صدره،وقال بصوت مخنوق:
_أم راضي…
لم يستطع أن يُكمل كلامه،ولكن أمي فهمت،فتلقفت الجسد الصغير،صرخات صغيرة كانت تصدر عنها،تردد من خلالها أسمه:راضي…راضي…
حملت الجسد الصغير وهدهدته كأنه سوف يعود للحياة،أردت أن أحتضنه وأقبله ولكنها رفضت أن يأخذه أحد منها،كانت تحمله وتؤرجه بين يديها بحركات لا إرادية وكأنها تريد أن تنسى أنه قد مات،جلس والدي بإحدى زوايا الغرفة،أغرق وجهه بالجدار الأصفر القديم،لم أعد أرى إن كان يبكي أم لا،لأن دموعي منعتني من رؤية أي شيء في الغرفة،إختلطت الألوان والوجوه،كنت أريد أن أخرج إلى الشوارع وأن أسير بلا هدى،كنت أحب راضي وعبد القادر بعمق شديد،وأرى الآن أن روحي تخرج من جسدي،نهضت متوجهة إلى الباب الخارجي لا أدري إلى أين سأذهب، ولكن أسمهان لحقت بي،وإحتضنتي وطلبت مني العودة،عدت معها وكأنني طفلة فقدت وعيها بما يدرو حولها،ثم أقتربت من جديد من راضي قبلته،وشعرت بالبرودة التي بدأت تسري بجسده..
إنه راضي أخي الحبيب،لم يفجعني موته بقدر ما فجعني أنه مات من شدة الخوف، كان خوفه يُذيب كل قطرة دم بعروقه…

المفاجأة جعلتنا ننسى عبد القادر للحظات،لقد ألقى بنفسه على الأرض غارقاً ببكاء صامت،إقتربت منه وضممته إلى صدري،كان جسده يرتعش،ومن خلال دموعه الصغيرة الدافئة كان يسألني:لماذا مات؟هل سوف نموت مثله؟

من خلال دموعي الحارقة،نظرت إلى والدي،لم أعد أعرف وجهه،لقد تحول لإنسان آخر،لون أسود داكن غطى وجهه النحيل،ودوائر سود أحاطت عينيه أغرقتهما في بؤرتين عميقتين لا قرار لهما،كان يضع رأسه بين يديه وينتحب،لم أصدق ما أرى!!
إنه أبي الذي يجلس هناك مُنتحباً،في تلك اللحظات فقط أدركت بأن أبي تحول لإنسان آخر وأنني لابد أن أتعرف على هذا الإنسان من جديد،من خلال الدموع،رأيت جسد أخي الصغير الذي لاتزال تحتضنه أمي بقوة،ورأيت حطام أبي المُلقى هناك في إحدى الزوايا المُعتمة،ونظرت إلى عبد القادر الذي خبأ رأسه بحضني،لقد أدركت تماماً بأننا أصبحنا جميعاً حطاماً بشرياً،وأن هذا العدوان المجرم،حتى لو إنتهى فجرائمه سوف تبقى،تلوث الأرواح وتُعبث بالأجساد،لأول مرة أشعر بأن بغداد لن تعود مثلما كانت،لأن الأرواح أُغتيلت حتى ولو بقيت الأجساد على قيد الحياة…

نهض والدي من مكانه بعد صمت طويل،ورأيت جسده وقد تحول إلى عظام نحيلة مُقوسة،ثم توقفت عن النظر إليه،لأنني لم أعد أحتمل رؤية كل هذا التغيير المتسارع والذي ينتاب أبي في كل دقيقة تمر…إقترب من أمي،ومد يده ليأخذ راضي،ضمت أمي راضي بقوة،وأبعدت يد أبي عنه،وبصوت مخنوق ومُتحشرج،قال لها:
_لابد من دفنه…
لم ترد،ولكنها أبقت الجسد الصغير بين يديها،وأصبحت تهزه بهدوء وتبكي…كرر والدي نفس الكلمات…ولم ترد عليه ولكنها نهضت وقالت له:
_أريد أن ندفنه سويةً…
أردت أن أذهب معهما ولكن والدي طلب مني البقاء مع عبد القادر،وحين غاب أبي وأمي خلف الباب الخشبي القديم،صرخة صغيرة صدرت عن عبد القادر،لقد نادى راضي للمرة الأخيرة،وغاب ببكاء طويل أشبه بالنواح…لم يعد هناك ما نقوله،كلماتنا أصبحت دموعاً وأصواتنا إختنقت خلف الحزن القاسي والطويل….

عادا بعد قليل،أمي غرقت بدموع كثيرة وبصمت لا نهاية له،وأبي أخفى وجهه بين يديه وكأنه لا يريد أن يرى أي شيء حوله،أما عبد القادر، فالحزن أغرقه بنوم عميق،مرت تلك الليلة بهدوء،وكأن كل ما على الأرض كان يبكي رحيل راضي ورحيل كل أطفال بغداد،وكانت تلك الليلة أشد ليالي حياتي حزناً…وكلما مر وجه راضي بذاكرتي،يحمل الدموع لعيوني والألم لروحي والشوق لقلبي…فحين يموت الأطفال لا يرحلون بل يصبحون أكثر حضوراً في حياتنا،بنظراتهم،بضحكاتهم وبقبلاتهم التي تحفر كلمات الحب الطاهر على قلبونا…وفي كل ليلة أتحسس مكان ما له بقربي وأناديه بصمت:راضي أخي الحبيب…

ضوء الفجر الشاحب تسرب عبر الأكياس البلاستيكية الشفافة،إنعكس الضوء الشفاف على وجه أمي،كانت تنظر في الفراغ،وكأنها فقدت أي علاقة لها مع العالم حولها،لفت جسدها بعبائتها السوداء،وغرقت في حزن سحيق وأبدي،لم تنام طوال تلك الليلة المأساوية، ولم تتوقف عن البكاء،ولكن الدموع جفت بعيونها،أصبح وجهها جامداً وجافاً،وكأن تلك الدموع الجافة أخذت معها كل نبض للحياة بوجه أمي،لم تتحرك من مكانها رغم أن الشمس أوشكت على الشروق،فهي بمثل هذا الوقت تنهض لإعداد الشاي رغم القصف،ولكنها بهذا الصباح أعلنت بأنها لن تعود مثلما كانت في السابق…

ترددت كثيراً قبل النظر إلى والدي،بل خفت أن أنظر إليه،ولكن قلقي عليه جعلني ألتفت إليه،لأرى من جديد الدمار المتسارع الذي لحق بجسده وبروحه،لم أصدق ما أراه،فكيف يمكن أن يفقد الإنسان الكثير من وزنه خلال ليله واحدة؟كيف يتحول لون شعره كله إلى اللون الأبيض خلال ليله واحدة؟وكيف تستقر التجاعيد العميقة على صفحة وجهه بهذه السرعة؟بكيت كثيراً في هذا الصباح الحزين،ليس على أخي راضي بهذه المرة بل على أبي وعلى الدمار الذي ينهش روحه وجسده…نهضت وأعددت الشاي،الذي بقى بارداً دون أن يشربه أحد،فطيف راضي كان لا يزال يُحلق في المكان،وروحه لا تزال تسكن جسد أمي وأبي،كؤوس الشاي بقيت ممتلئة ولم تمتد لها يد أحد منا،أما عبد القادر فلقد إختار النوم كي يهرب من شوقه لراضي ومن حزنه لفراقه…لقد شل الحزن الحركة بأجسادنا وأطفأ النور بأرواحنا…وكان لابد من ترك هذا المكان قبل أن تموت أمي حزناً على راضي،وقبل أن تنطفأ الحياة في جسد أبي ألماً لأنه لم يستطيع أن يحمي ابنه،لأنه وقف عاجزاً أمام أعتداء مجرم آثم.

مر ذلك اليوم بطيئاً وصامتاً،حتى عبد القادر رفض أن يأكل،وحين حل الظلام،خرجت أول كلمة من فم والدي،ثقيلة ومحملة بدموع مالحة:
_غداً صباحاً سوف نعود لبيتنا،لا أستطيع البقاء هنا بعد الآن…
تحت الضوء الشاحب بدأت بجمع حاجياتنا من جديد،وشعور بالخوف وعدم الأمن ينتابني، ففي هذا البيت شعرت بالأمان رغم كل ما حصل وما قد يحصل،شيء ما بجدرانه يمنحني الدفء،وشيء ما بسقفه يعطيني القدرة على النوم،أشعر بدفء جدي وجدتي،وحين ألمس السجادة الصوفية التي حاكتها جدتي بيديها،ينتابني الدفء وأستطيع النوم بسهولة…وحين أخبرنا وادي بوجوب العودة لبيتنا،في تلك اللحظات فقط،شعرت بخوف حقيقي مما يدور في الخارج،وشعرت بأن كل القذائف النارية الأمريكية سوف تقع فوق رؤوسنا.وبمحاولة أخيرة مني،طلبت من والدي أن نبقى،ولكنه أجابني بصوت مُرهق:
_أمك لن تستطيع أن تصمد كثيراً هنا،فهذا المكان سوف يُذكرها دائماً براضي…وأنا أيضاً…
لم يتابع كلامه،فالدموع غلبته وعاد للصمت من جديد…ذهبت إليه وجلست بقربه،ووضعت يدي فوق يده التي أصبحت شديدة النحول،وعدت للبكاء من جديد لأجله ولأجل راضي وأمي…لم تعد من لغة بيننا سوى لغة الدموع…
جهزت حاجياتنا،وضعت حاجيات راضي دون أن تلاحظ أمي،أردت أن أحتفظ بها،أن ألمسها وأشم رائحتها حين يتملكني الشوق إليه .
حين إنتهيت من حزم أمتعتنا،نظرت إليها ملقاة في زاوية من الغرفة الشاحبة،وتساءلت:
"هل ستكون هذه المرة الأولى والأخيرة التي نحزم بها أمتعنا ونغادر أم سوف تتحول إلى حياة حيث تصبح حقائبنا هي ما يتبقى لنا من وطننا؟"

أخبرت والدي بأن كل شيء جاهز للمغادرة،ألتفت للحديث مع أمي ولكنها كانت في عالم بعيد،عيناها مُنغرزتان في أرض الغرفة وفمها صامت جاف،حين أسترق النظر إليها،لثوان قليلة أشعر بأنني لا أعرفها،حتى عبد القادر أصبح يتشبث بي أينما ذهبت،وكأن العلاقة التي تربطه بأمي قد توقفت أو ماتت،حين كنت أراقب أمي في تلك الحالة،أسئلة كثيرة كانت تدور بذهني حول الموت،حول ما يتركه من أثر حولنا وبأنفسنا،فحياة ما تنتهي ولكنه قد يأخذ معه الخيوط التي تربط تلك الحياة بمن حولها،وأحياناً تعود تلك الخيوط لتحيا من جديد وأحياناً ترحل مع من رحل وإلى الأبد،وكنت أخشى أن لا تعود الخيوط التي تربطنا بأمي والتي أخذها راضي معه خصوصاً بالنسبة لعبد القادر.
حين سمعت أسمهان بأننا سوف نترك هذا البيت،لم تقل شيئاً،وحين لاحظت بأنني قد إنتهيت من تحضير حاجياتنا،نهضت بهدوء وقالت لأبي:
_أريد أن أشكركم على حسن ضيافتكم لي،وأتمنى لكم السلامة،سوف أعود لبيتي الآن…
قاطعها والدي قائلاً:
_أعذريني لم أسألك هذا السؤال من قبل…ولكن هل يوجد لك أقارب قريبين من هنا…
_لا يوجد لي أقارب في بغداد، لدي بعض الأقارب في البصرةولكن يوجد بعض الجيران…
ساد الصمت للحظات،أراد والدي أن يقول شيئاً ولكن أمي ولأول مرة منذ أن غرقت بصمتها الطويل قالت لأسمهان:
_أسمعي يا ابنتي،سوف تغادرين معنا،الحرب لم تنته بعد،وحين نتأكد من أن الأمور قد هدأت سوف تذهبين إلى أقاربك في البصرة…
أجابت أسمهان بصوت مضطرب:
_كلا يا خالة،لا أستطيع البقاء معكم،سوف يتولاني الله برعايته إلى أن أصل إلى البصرة…
طلب منها أبي أن تجلس وقال بعد تفكير :
_لا نستطيع أن نتركك هنا،حين تقرر أم راضي شيئاً ما لايستطيع أحد أن يغير رأيها لأن رأيها يكون في أغلب الأوقات على صواب…
سألتها أمي فجأة:
_لقد نسيت أن أسألك إن كنت متزوجة أم لا؟
_أنا متزوجة،ولكن زوجي يعمل ضابطاً في الجيش،لقد غادر منذ بداية القصف الأمريكي لبغداد،أخبرني أحد زملائه بأنه قد إستشهد،ولم يصلني أي خبر رسمي من إدراة الجيش تؤكد أو تنفي موته…لذلك لابد أن أبقى هنا كي أستقبله حين يأتي أو أستلم أى خبر بخصوصه…
قال والدي :
_لا تقلقي لذلك،لدي أصدقاء يستطيعون إخبارنا إذا كان على قيد الحياة أم إستشهد..
تابعت أمي أسئلتها :
_أيوجد لديك أطفال؟
صمتت أسمهان قليلاً وبصعوبة أجابت:
_كان يوجد لدي طفل.. لقد دفناه في العام الماضي بعد إصابته بسرطان قاتل…لقد بكيت كثيراً حتى كدت أن أفقد نظري…ولكنني حين رأيت عشرات أطفال يموتون في كل يوم أصبحت أخجل من بكائي…وفضلت الصمت والتظاهر بالنسيان على الأقل رحمةً بمن حولي وبزوجي الذي كان ينتظر أي فرصة ليحارب من كان المسؤول عن موت طفلهُ؛ أخبرني قبل أن يغادر بأنه قد لا يعود لأنه يريد أن يستشهد أو أن ينتقم من هؤلاء القتلة…
سألتها دون أن أفكر ملياً بما أقول:
_لماذا لم تخبرينا بموت ابنك حين مات راضي؟
نهرني والدي قائلاً:
_لماذا تسألينها هذا السؤال؟
لم ترد أسمهان على سؤالي،ولكن نظرات أمي التي كانت تنتظر الإجابة جعلتها ترد دون أن تنظر إلينا:
_لم أُخبركم،لأن الموت بالنسبة للفقراء مثلنا أصبح جزء من حياتنا منذ أن ضُربت بغداد أول مرة وطوال سنوات الحصار الإقتصادي،خلال فترة الحصار المئات من الأطفال كانوا يموتون ومن الكبار أيضاً،لكثرة ما رأيت من الموتى الصغار والكبار أصبح الموت جزء من حياتنا،أعذروني…أنتم الأغنياء والمُقربون من الطبقة الحاكمة أستطعتم حماية أنفسكم وعائلاتكم ولو لحد معين ،فحين مات راضي أدركت فوراً أنها أول وفاة في عائلكتم منذ ما مر بالعراق من أحداث،ففضلت الصمت…لأنني لم أعد أشعر بحدة المشاعر التي تشعرون بها،أرجو أن تفهميني يا خالة وتسامحيني…ولكن هؤلاء القتلة القادمين من خلف البحار أحضروا معهم الموت لكل بيت…ولربما علينا إعتياد هذا الموت إن لم نعد نستطيع أن نحمي وطننا وأهلنا…..لم أعد أبكي كثيراً حين يموت أحد ما حولي،ولكن الحياة تموت شيئاً فشيئاً بي،أرى الحياة من خلال نافذة مفتوحة ولكن لا أفق لها…أحيا ولكن لا خيوط تربطني بالحياة…
تختلط في ذاكرتي صورة ابني ضحكاته وموته،وصورة زوجي الصامت،وكأس شاي أسود وملعقة سكر سوداء ،وأرغفة خبز جافة ،وشوارع إفترشها الناس لتصبح أسواق يبيعون بها ما تبقى لهم من أثاث ومن ذكريات،يبيعون ذواتهم دون أن يعترفوا بذلك،يبيعون ويشترون دون أن ينظروا لعيون بعضهم البعض لأن كل منهم يدري بأنه يبيع شيئاً من كرامته وأن الآخر يشتري هذه الكرامة الغالية ولكن بأسعار رخيصة….يبيعون ويشترون في سوق الخجل من الآخر ومن الذات….تختلط في ذاكرتي صور أمي التي لم تعد تملك أي مال لتعالج آلامها الشديدة،والتي تخنق أنين الألم في الليالي الطويلة ،وصور أبي القابع بغرفته يدخن السجارة تلو الأخرى،ورائحة التبغ الرخيص تملأ المكان،وعجزه يقتل ما تبقى به من العزة والكرامة،وصورة موت أبي الصامت ممسكاً السيجارة الأخيرة التي أحرقت أصبعه ولكنه لم يشعر بها لأنه كان قد فارق الحياة بصمت… هذه هي حياتي،مجموعة صور لم أعد أستطيع أن أرتبها حسب الزمان ،تتتابع الواحدة تلو الأخرى في ذهني وتختلط بصور الواقع،فلا أدري أي منها أعيشه الآن وأي منها عشته في الأمس…

لفت رأسها وجسدها بعبائتها السوداء وغرقت بالصمت دون أن تبكي…ساد الصمت الثقيل ولكن أمي لم تتوقف عن النظر لأسمهان وكأنها تريد أن تجد مكان لها بين الكلمات الكثيرة التي قالتها ….
قطع والدي الصمت وأخبرنا بأنه لابد أن نغادر قبل أن يحل الظلام،ولكن أسمهان نهضت تريد أن تودعنا وتعود لبيتها،وقبل أن تُكمل حديثها،سمعنا صوت إنفجار ضخم،فصرخ والدي بنا بأن نرتمي على الأرض،ضممت عبد القادر إلى صدري وجلس والدي بالقرب من أمي،أما أسمهان فعادت من جديد إلى ركنها البعيد…سمعنا صوت صراخ وبكاء أطفال…
نظرت لأبي وسألته بصوت خائف:
_أبي،ألم يقولوا في الراديو بأن الحرب قد إنتهت؟
لم يرد أبي،كان ينظر إلى نقطة ما في الغرفة،أو ربما كان يُحدق في الفراغ…لم يرغب بالإجابة ولكنه إقتلع بعض الكلمات من صدره،فقال بصوت متكسر:
_هذه ليست حرب،إنها جرائم إبادة،وجرائم الإبادة لا تنتهي بإستسلام الطرف الضعيف،بل تبدأ بإستسلامه…
أراد والدي أن يُتابع ولكنه صدره أطبق على ما تبقى من الكلمات…ونظر إلى أمي قلقاً،فلقد عادت من جديد إلى الصمت وعادت تُحدق في الفراغ،عبد القادر كان لا يكف عن النظر إليها من حين لآخر،منتظراً أن تقول له تعال إلى حضني،ولكن صمتها أصبح أكثر عمقاً …
كان لابد أن أسأل أبي من جديد رغم أنني أعرف بأنه أصبح يتحدث بصعوبة شديدة:
_أبي،هل سوف نغادر أم سنبقى؟
_بل سنغادر…
_ولكن..
قاطعني قائلاً:
_ لا نستطيع أن نبقى،فكما أخبرتك،أمك لن تستطيع إحتمال ذلك….وأنت يا أسمهان، سوف تأتين معنا،لا أريد أي نقاش….وسوف أعرف أخبار زوجك عن طريق صديق لي….
لم تجب أسمهان ولكنها إستأذنت والدي بأن تُحضر بعضاً من حاجياتها وتعود…
جلسنا ننتظرها،وما أن عادت حتى نهض والدي وطلب منا أن نغادر فوراً….نظرت أمي حولها ولم تتحرك…ثم نظرت إلى وسألتني:
_ أين ملابس راضي؟
_ لقد أخذتها معي يا أمي…
_ أريد أن أذهب لأزوره قبل أن نغادر..
أجابها والدي:
_ لا وقت لدينا…
_ لن أغادر قبل أن أودعه،قد لا أستطيع أن أزوره أبداً بعد الآن….

خرجنا معاً،وتوجهنا للقبر الصغير،قرأنا سورة الفاتحة،لم تتمالك أمي نفسها،فجلست قرب القبر الصغير،تبكي وتمرر يدها على الحجارة الصغيرة التي وضعت فوقه،لم تتكلم ولكن الدموع شقت خطوط عميقة بوجهها،لم تكن تبكيه فقط بل وتودعه،وكأن شيئاً يخبرها بأنها لن تراه مرة أخرى….وقف عبد القادر بجانبي مرتعشاً وباكياً،فإحتضنته وإبتعدت به ،ولكن عيناه بقيتا تراقبان القبر الصغير إلى أن غادرنا المكان…لقد كانت أمي تبكي شوقها لراضي،ولكن عبد القادر كان يودع جزء منه إختفى للأبد ، سنه الصغيره لم تسمح له بأن يُعبر عما بنفسه ولكنه بعد موت راضي لم يعود أبداً مثلما كان حين كان راضي على قيد الحياة."
وتنتهي الأوراق كالعادة ودون تغيير " على قيد الحياة " هذه الجملة فقط هي ما جعلته على يقين بأن هيفاء لا تزال على قيد الحياة ، وأن الله تعالى جعلها تخط هذه الكلمات الأخيرة ليبقى الأمل دائماً في قلبه بأن يجدها من جديد ، أن يقابلها على أحد أرصفة بيرن ، على مقعد من مقاعد القطار الذي يستقله في كل يوم ، أو في قهوة سويسرية دافئة ؛ في كل مرة يلمح بها فتاة لها شعر طويل فاحم السواد ، يتابعها بنظراته وقد يسير خلفها بضع خطوات ليتأكد إن كانت هيفاء أم لا ، يدرك بأنه يلاحق حلم يبدو مستحيل ، ولكنه يعلم أن الله يستجيب الدعاء وما كان حلماً بقدرته يجعله حقيقةً ، لذلك كان لا يتوقف عن الصلاة والدعاء ، بأن يرى هيفاء ، أن يلمس شعرها وأن تكون زوجته طوال وجوده بهذا الكون ..هيفاء فقط.

5
الخامسة صباحاً، يرن جرس المنبه ، يستيقظ كمال من نومه وينهض من مسرعاً من فراشه ، فخلال نصف ساعة لابد أن يستقل القطار للذهاب لعمله في بازل ، فهو يقطن في مدينة صغيرة اسمها موتنز قريبة من
بازل، إختار أن يسكن بها لأن إيجار الشقق بها أرخص من بازل ؛ لابد أن يمشي مسرعاً في الصباح الباكر كي يصل في الموعد المحدد ، وفي تمام الساعة السادسة يقف القطار ، يصعد مع بقية الركاب ، ويجلس على مقعده بهدوء وبتعبٍ واضح ، وفي كل يوم يرى تلك الفتاة ذات الملامح العربية تنظف شبابيك القطار متجنبة النظر لإي من ركاب القطار ، وفي تمام الساعة السادسة تتوقف عن عملها ومحطة القطارات في بازل ، وهو أيضاً ينزل من عربة القطار ويسير مسرعاً بإتجاه عمله ، يُلقي نظرة أخيرة على تلك الفتاة الغامضة والصامتة دائماً ويفكر ربما ليست عربية ، فلو كانت عربية لنظرت إليه محاولة التأكد إن كان هو أيضاً عربي ولربما تحدثا معاً ولكنها تبدو شديدة الإنغلاق على نفسها ، ولأول مرة يلاحظ خصلات شعرها السوداء المنسدلة على كتفيها تحت القبعة بنية اللون ، شيء ما جعله يتوقف للحظات ويراقبها إلى أن إختفت عن أنظاره ، شيء ما يقول له بأنها من هناك ، من الأرض الدافئة خصوصاً حين رأي خصلات شعرها فاحم السواد ؛ صورة بعيدة عادت لذاكرته ، صورة منال أبنة الجيران هناك في فلسطين ، بشعرها فاحم السواد ، شعر بالدوران ، فكيف لذكرى بعيدة أن تجعله يفقد التوازن للحظات ، أدرك فجأة بأنه يعاني من غربة فظيعة ، غربة يدفنها بين أكوام الأوراق وخلف شاشة الكمبيوتر التي لا يفارقها طوال اليوم ، تذكر عمله وكأنه يستيقظ من غفوة عميقة ، وعاد ليسير مسرعاً بإتجاه مكان يكرهه ولكنه لابد أن يذهب إليه ، لأنه لابد أن يعمل ويدفع كل المصاريف اللازمة لمعيشته.
وخلال سيره المستعجل كان يتجاهل دائماً ذكرياته الآتيه من هناك ، كل الذكريات ، كلها ، لأنه لايريد أن يحزن ، لا يريد أن يرغب بالعودة ، لا يريد أن يعود ليكون ذلك الانسان الآخر الذي رحل منذ سنوات طويلة ، حتى ولو رغب بالعودة فزوجته السويسرية سوزان ترفض أن تعيش في الشرق وخصوصاً في فلسطين بسبب المشاكل السياسية هناك وطبيعة الحياة الإجتماعية، كما وأنها ترفض ان يتربى ابنائهما جاد ونادية هناك ...فيقول لنفسه باستسلام : لابد أن أنسى، فقد أصبحت حقاً سويسري ...ما فائدة كل هذه الذكريات ..كل ما يهمني الآن هو عملي وعطلة نهاية الأسبوع ، هذه هي حياتي الآن ، بيتي وعملي وعطلة نهاية الأسبوع.
يصل لعمله ليجد جاك مديره في العمل غاضب لتأخره بضع دقائق ، يعتذرو يتابع عمله تحت نظرات جاك الغاضبة والحاقدة ، لم يكن جاك يريد أن يعمل أي أجنبي في الشركة التي يُديرها ولكن مؤهلات كمال أقنعت مجلس الإدارة بقبوله رغم إعتراض جاك ؛ لذلك يتجاهله كمال ويعلم بأنه يريد أن يسجل له أي اخطاء ليستطيع أن يطرده من عمله . لم يعد يهتم إن كان من حوله يكرهونه لأنه أجنبي أو عربي أم من أي جنسية كانت ، فمنذ أن وصل إلى سويسرا والكثير من الناس يراقبونه بحقدٍ صامت ، في البداية كان يشعر بالغضب والإكتئاب ولكنه روض نفسه بمرور السنوات على تجاهل تلك العنصرية وأن يهتم بعمله مهما كانت الظروف ، لاحظت ذلك جانيت التي تعمل معه بنفس المكتب وقالت له وهي تبتسم بخبث:
_ أنت تتقن التعامل مع جاك !
نظر إليها وإبتسم رغم عدم رغبته بذلك ، فقد أعتاد هنا على أن يبتسم مهما كانت الظروف ومهما كانت التعليقات :
_ ماذا تقصدين ؟ لا أفهم !
إبتسمت بخبث وهزت رأسها:
_ أنت ذكي رغم كونك عربي ، ولابد أنك تعرف بأنك العربي الوحيد الذي عمل بهذه الشركة منذ تأسيسها ...ألا تعلم ذلك؟
كان يعلم ذلك ولكنه لم يرغب بأن تستدرجه في الحديث:
_ لا ...لا أعلم ...ثم ما علاقة ذلك بجاك؟
ضحكت وأستدارت بكرسيها المتحرك نحو النافذة وقالت:
_ إنه يكره الأجانب ، وخصوصاً العرب ..ويتمنى لو أنك تختفي من هذا المكان ، ولكنه لم يجد أي خطأ يمكنه أن يساعد بطردك ، فأنت أكثر من ممتاز وهذا يُغيظه ، بل إن الإدارة تفكر بمنحك مكافأة ، وهذا سوف يجعله يمتلأ حقداً عليك ..
_ لماذا تخبريني بكل هذا ؟ فأنت أيضاً قلت في يومٍ ما بأنك لا تحبي وجود الأجانب بسويسرا!
أمسكت بعلبة السجائر وقالت وهي تتأفف:
_ هذا القانون حول منع التدخين في المكاتب يكاد يقتلني ، كنت أحب أن أرد عليك وأنا أدخن سيجارة...
أجابها كمال دون أن ينظر إليها :
_ ربما خلال الإستراحة ، فأنا مشغول جداً الآن ، وبالمناسبة لا يهمني جاك أو غيره ..كل ما يهمني هو العمل، لابد أن أعمل بشكل جيد كي أعيش وتعيش عائلتي بكرامة...
نظرت إليه بحنق ، وتذكرت رفضه لها في بداية عمله في المكتب ، فهو رجل أسمر طويل القامة شديد الوسامة بعيون سوداء حادة وملامح شرقية جذابة ..وضعت السيجارة بين شفتيها دون أن تُشعلها ، رغبت بأن تقول له بأنه جذاب ويعجبها لحد لا يوصف ، ولكنها إصطنعت البرود وقالت بهدوء:
_ أجل ..أجل ، لقد أخبرتني بهذا من قبل ...يوجد تقرير لابد من أن تنتهي منه اليوم الساعة العاشرة ...
أجابها وهو منهمك بعمله:
_ أجل ..أعمل على غنجازه الآن..
كان يشعر بنظراتها التي لا تفارقه ، ويقرأ بعضاً من أفكارها ، ولم ينسى كم ألحت بأن تكون بينهما علاقة غرامية حين بدأ عمله هنا ، كانت تعتقد بأنه كعربي سوف يتهافت لأجل جمالها الآخاذ ، فهي امرأة طويلة القامة ، شقراء، رشيقة وشديدة الذكاء ، ولم يسبق أن رفضها أي رجل كان حسب قولها وحسب ما يراه هو أيضاً من خلال العمل معها ، ولكنه لم يرغب بتلك العلاقة ، ولم يهتم بها ، ليس لأنه متزوج فقط بل لأنه لم يعد يرغب بأن تكون له أي علاقة مع امرأة أخرى ، لأنه ببساطة يشعر بغربة في عواطفه مع زوجته السويسرية وكان يعلم بأن هذه الغربة لن تزول حتى ولو عرف المئات من النساء هنا ، لذا أغرق نفسه ووقته في العمل ، ولم يعد يهتم بما يشعر به ، كل ما يهمه هو أن يلبي أحتياجات زوجته وأولاده بسويسرا وأهله بفلسطين ، ولكن جانيت أعتبرت رفضه لها إهانه لجمالها الفاتن ، لم تبادله العداء ولكنها دائماً هناك ترصد تصرفاته وحركاته وتخبر جاك بكل ما يقوله ويفعله ، وهو يعلم ذلك ويتجاهل كل ما يدور حوله ، يشعر أحياناً بأنه كمبيوتر بشري لا يشعر وربما لم يعد قادراً على الشعور ، ولم يعد يكترث بأن تستيقظ مشاعره. ولكن هذا اليوم يبدو مختلف عن كل أيامه في سويسرا أو عن كل السنوات التي قضاها في سويسرا ، إنها تلك الخصلات السوداء التي رآها تنسدل بهدوء على كتفي تلك الفتاة ذات الملامح الشرقية ، حنين دافيء تسلل إلى روحه ، كأنه يشعر بدفء الشمس الساطعة هناك في الشرق ، أمسك فنجان قهوته الدافيء خلال الإستراحة ، وبدأ يرتشفها وهو يراقب الشارع التجاري والرئيسي بمدينة بازل من نافذة مكتبه ؛ شعر بدفء فنجان القهوة بين يديه وبدفء تلك الخصلات السوداء ، لمسها في خياله وهمس لها بأنه يشتاق للوطن ولوجه أسمر حنون ومخملي ، ولأول مرة منذ سنواتٍ بعيدة يرغب بالبكاء ، ألتمعت الدموع في عينيه ولكن صوت جانيت جعله يتماسك ليعود لبروده من جديد ، مرر يده سريعاً على عينيه ليمسح ما تبقى من تلك الدموع الصغيرة ، قال لجانيت قبل أن تلاحظ دموعه:
_ إنها حساسية الشتاء ، أحياناً لا أشعر بها وأحياناً تضايقني ، واليوم يبدو أنها ترغب بإزعاجي ..
قالت له و وهي تهز رأسها بالإيجاب:
_ أجل ..أجل ..وأنا أيضاً أعاني منها أحياناً ...لقد سألتني سؤال خلال العمل وأرغب أن أرد عليه...أنا لا أكره الأجانب ، بل أكره الأجانب الذين لا يحملون أي كفاءات ، أما أنت ، فأنت شخص ذكي ودرست في الجامعة السويسرية مثلي ، أي أنك تستحق أن تُعامل معاملة تليق بمستواك العلمي
هذا ما قصدته حول الأجانب ، فأنا لست عنصرية ولكن جاك...
قاطعها كمال قائلاً:
_ أسمعي جانيت ، لا يهمني جاك ، وتفكيرك جيد ولا مشكلة لدي ، حتى ولو نجح جاك بطردي سوف أجد عمل آخر ، أفضل أن أهتم بعملي ولا أرغب حتى بالتفكير به ...لقد تحدثت بما يكفي عنه ، قولي لي ما هي أخبارك أنت ؟
ابتسمت بسعادة لسؤاله وقالت:
_ جيدة ، وسوف غداً إلى متحف في الطبيعة خارج بازل ...
_ متحف في الطبيعة ! ماذا تقصدين ؟
_ أنها الأشجار ، لقد قام الفنان صاحب الفكرة بإلباس الأشجار أغطية رمادية ...هل ترغب بالذهاب معي ، يمكنك إصطحاب زوجتك وأولادك ...ما رأيك؟
فكر قليلاً ، فهو لايرغب بأن يكون معها ، ولكنه وجد بأنها فكرة جيدة كي تصبح علاقته معها عائلية بعض الشيء وتيأس من التفكير به ، فأجابها مبتسماً:
_ حسناً ، فكرة لابأس بها ، سوف أخبر زوجتي والأولاد ، يمكننا أن نتقابل عند محطة المترو في الشارع التجاري .
_ جيد ...شيء آخر ، ربما جاك سوف يحضر أيضاً ، فقد أخبرته عن هذا المتحف وكما تعلم هو يعشق المتحف والفنون ، قد يأتي، هل سيزعجك هذا؟
_ لا أبداً ، حتى ولو أنضم لنا لامشكلة عندي ، كما اخبرتك فأنا تجاوزت أمور كثيرة هنا ...
في المتحف، إمتدت الأشجار بلا نهاية في الحديقة العامة ، وتم تغطيتها بقماش رمادي يميل إلى اللون الفضي ، لم يظهر من أشجار أي ورقة خضراء ، فقط تلك الأقمشة الرمادية التي تم إلباسها للأشجار وزاد من كآبة المنظر السماء الرمادية اللون والبرد القارس . صمت كمال أمام هذا المنظر الكئيب ولم يدري ماذا يقول ، هل يعبر عن إعجابه إرضاءً لزوجته ولجانيت أم أن يقول ما يفكر به صراحة بأنه أسخف منظر رآه في حياته ، ففضل الصمت ربما يشاركه أحد ما تفكيره هذا ، وتمنى أن يتساقط المطر بغزارة كي يجد ذريعة ليخرج من هذا المكان الشبية بمقبرة للأشجار . وجد جاك أمامه، توفقوا جميعاً لتبادل التحية ونظر جاك إلى زوجة كمال بنظرة متفحصة وكأنه يتسائل ماذا وجدت هذه المرأة السويسرية الجميلة بهذا العربي المتخلف! تجاهل كمال كعادته نظرات جاك واتفقوا جميعاً على اللقاء وشرب القهوة بعد الإنتهاء من التجوال .
ألتقوا جميعاً في المقهى الواسع والدافيء وتنفس كمال الصعداء لأنه غادر أخيراً ذلك المكان البشع؛ وجلس جاك وجانيت وزوجته على نفس الطاولة ، أحضرت النادلة فناجين القهوة الساخنة ، قال كمال مبتسماً:
_ أجمل ما في سويسرا هو فنجان من القهوة الساحنة بعد السير في البرد القارس..
قال جاك وهو ينظر بطرف عينه إلى زوجة كمال :
_ أجل ، ولكن حسب علمي أنكم العرب فخورين جداً بقهوتكم التي يتم غليها مرات ومرات ..
أجابه كمال وهو مصمم على ضبط أعصابه:
_ بالطبع ، ولكن لكل قهوة مذاق خاص.
إلتفت جاك إلى سوزان زوجة كمال وقال:
_ أنت من بازل أم من منطقة أخرى؟
أجابته مبتسمة :
_ من بازل ..
_ كنت دائماً اندهش من زواج السويسرين من الأجانب ؟ وكيف ينجح هذا الزواج هل تجدين أنه زواج ناجح؟
نظرت إليه باستغراب ثم قالت:
_ إنه زواج مثل أي زواج توجد فروق ثقافية بالطبع ولكننا نتفاهم ، كما وأن كمال يعيش في سويسرا منذ سنوات ولا توجد مشكلة..
أجابها جاك بتهكم خفي:
_ ربما تثور المشاكل حين يكبر الأولاد خصوصا وأن العرب يربون أولادهم بصورة مختلفة عنا خصوصا البنات !
تدخل كمال في النقاش وقال ببرود:
_ أجل ، نحن نربي بصورة مختلفة ، ولكن الأخلاق في كل مكان واحدة ، لذا لا مشكلة ..أخبرني ما رأيك في المتحف الطبيعي هذا؟
أجابه جاك بشيء من الإنزعاج لأنه لم يتمكن من متابعة الحوار الذي كان يريد:
_ إنه متحف رائع ، حضاري وبه أفكار مبتكرة .وأنت يا جانيت ما رأيك به؟
قالت جانيت وهي تدخن سيجارتها بشراهه :
_ أعتقد أنه متحف قبيح ولا معنى له ، لو أنني كنت أعرف بأنه كذلك لما حضرت.
قال جاك بعصبية :
_ ماذا ؟ هل فقدت حسك الغربي للثقافة ؟ إنه معرض رائع يمنح حرية فكرية مدهشة..
_ لا أري بأن تغطية الأشجار بهذا القماش الكئيب به شي من الحرية ..وأنت يا كمال ما رأيك ؟
تردد كمال قبل أن يقول رأيه ، ثم شعر بالضيق لتردده فقال دون تفكير:
_ ربما فكرته جديدة ، ولكن ما أفكر به هو كم من المال تم إنفاقه لأجل هذا القماش ، أعتقد أنه يمكن إنفاق المال بصورة افضل من هذه ، عدا عن أنه يفتقد للجمال .
نظر إليه جاك وقال بتهكم:
_ هذه وجهه نظر تقليدية وهذا طبيعي بالنسبة لانسان شرقي ، هذا مثل للفروقات الثقافية .
نظر كمال لساعته دون أن يرد ، وقال لزوجته بهدوء:
_ أعتقد أنه لابد أن نعود ، لقد تأخرنا على الأولاد ...نعتذر منكم ...
تبادلوا التحيات وأسرع كمال بالمغادرة ، وفي طريق العودة قالت له زوجته :
_ لا أدري كيف تحتمل هذا الشخص العنصري، ربما يجب أن تبحث عن عمل آخر!
أمسك بيدها وقال :
_ سوزان ، لدي التزامات كثيرة ولا أستطيع أن أجد عمل جيد مثل هذا العمل بسهولة ، كما وأن العنصرية قد تكون موجودة بأي مكان ، ولا أهتم بما يقوله جاك ، إذا كان جاك عنصري فليس كل السويسريين بهذه العدائية بل يوجد لي أصدقاء لطيفين وأحبهم واحترمهم وهم كذلك ، لابد أن تعلمي بأنني لا أنظر لسويسرا بعيون جاك ، بل بعيوني . لا أحب الحديث معه أو عنه لأنه لا يستحق ذلك ، كما وأنني أفكر احياناً بأنه له الحق بأن لا يرغب بوجود أجانب في بلده لذلك أتجنب أي صدام معه ، لا تشغلي نفسك بموضوعه ، ربما يأتي يوم ما ويغير أفكاره . غضبي أو عدائي له لن يجعله يغير هذه الأفكار .
أسرعا الخطى بإتجاه المترو ، ولم يتوقف المطر عن التساقط ، وحين جلسا على المقعد في المترو ، نظر كمال عبر النافذة ، وفكر بصمت بأنه لو كان متزوج بامرأة عربية لما إضطر لتبرير ذاته عند كل موقف ، لثوانٍ قليلة شعر بأنه غريب حتى عن زوجته. و لايدري لماذا عادت ذكرياته مثل الوميض المتسارع حين إصطحب زوجته وأولاده إلى مدينة الخليل حيث مسقط رأسه. أستقلوا سيارة أجرة من جسر اللنبي وتوجهوا إلى مدينة الخليل، كان أولاده ينظرون بذهول لكل تلك الجبال التي تغطت بأشجار الصنوبر، وإلى الشمس التي تشرق بكل مكان؛ ثم الشوارع الممتدة والتي تقطع الطرق بين المستوطنات الإسرائيلية؛ كانوا يسألونه عشرات الأسئلة حول الأرض والناس والجنود الإسرائيليون الذين يتواجدون في كل طريق وعلى كل حاجز.
وصلوا إلى بيت أهله، والذي يقع على قمة جبل مرتفع، كان لابد للسيارة أن تصعد ببطء كي تصل لبيته الصخري القديم. وحين وصلوا وقف والده ووالدته وأخته جميلة بإستقباله ولم تتوقف والدته عن البكاء. نظرت لأولاده وأحتضنتهم طويلاً، كان يفوح من البيت رائحة المنسف الذي أعدته والدته لهم؛ وكان يشعر بشوق عميق للمنسف، الطبق التقليدي لمدينة الخليل مع الرز واللبن واللحم، أما أولاده فلم يحتملوا طعم المنسف وكذلك زوجته، فأضطرت والدته لإعداد أطباق من البيض واللحمة والجبنة. ربما كان رفض أولاده لأكل المنسف أول علامة بأنه لن يتمكن أن يزرع بقلب أولاده حب هذه الأرض. في الأيام الأولى كان لديهم الفضول لمعرفة كل شيء، ولزيارة القدس التي تبعد نصف ساعة فقط عن الخليل؛ وأن يمشوا بين كروم العنب ويأكلوا التين وتنعشهم النسمات الجبلية الباردة التي تشتهر بها جبال الخليل. ولكنهم وبعد عدة أيام بدأوا يشعرون بالضجر، وطلبت منه سوزان أن يعودوا أبكر من الوقت المحدد. نظر إليه والده وفهم ماذا كانت تريد، فقال له بالعربية:
_ لقد إخترت الزواج من امرأة ليست من وطنك ولا ثقافتك، وسوف تعيش دائماً غريب عنها وعن نفسك، لقد كنت غاضب منك ولكنني الآن حزين لأجلك. فحتى أولادك يريدون أن يغادروا سريعاً؛ فهذه المدينة الشرقية التقليدية تبدو مملة بالنسبة لهم وزوجتك لا تستطيع أن تلبس مثلما نلبس ولا تأكل الكثير من الوجبات التي نأكلها. لماذا يا كمال؟ لأجل الجنسية السويسرية ؟ أم أنك أعتقدت بأنك إن عشت في أوروبا سوف تكون شيء مميز؟ أم لأجل المال؟ نحن نعيش هنا حياة بسيطة، لسنا أغنياء ولكن ما يهم هو أننا مع بعضنا البعض مهما كانت الظروف، أما أنت فأقتلعت نفسك من جذورك، سوف أقلق دائماً عليك.
_ يا أبي، لا داعي للومي بهذه القسوة، كل ما رغبت به هو أن أدرس بأوروبا، وزوجتي لطيفة معي، لماذا تريد أن تتذكر طوال الوقت بأنها أجنبية؟
_ هل تضحك على نفسك أم عليّ! إنها أجنبية ولا تفهم كلمة واحدة مما نقول، لقد رأيت غربتك ووحدتك وسط أسرتك. لقد فهمتُ ما قالته لك، هي تريد أن تغادر سريعاً وأنت تريد أن تبقى، يا ليتني ما رأيت كل هذا، ياليتك لم تأت وبقيت أعتقد أنك سعيد هناك. سوف أوصيك وصية واحدة قبل أن تغادر، ولا أدري هل سأكون حياً إلى أن تنفذها أم لا؛ سأوصيك أن تتزوج امرأة عربية حتى ولو كان ذلك بآخر يوم بعمرك، فزوجتك هذه لا تنتمي إليك، وأخشى أن تتركك حين تضجر من عاداتك الشرقية وأولادك قد يضجرون بل ويتمردون على شرقيتك " المتخلفة".أطباعها مختلفة عنا، تصرفاتها تقول لنا بأنها غير مرتاحة هنا. لا أدري متى ستعود مرة أخرى، هذا إذا وافقت بأن تعود معك.
تذكر ذلك الصمت المر الذي ساد ما بينهما، ولم ينتبه لكلمات أمه التي حاولت التخفيف من تلك المرارة. خلال أيام كان قد غادر مع عائلته الصغيرة ليعود إلى سويسرا، وشعر بأن قلبه قد إُقتلع من صدره وهو يشاهد جبال الخليل تبتعد تدريجياً عن ناظرية، ثم بيت أهله الصخري يختفي عن الأنظار؛ ربما بتلك اللحظات مات شيء دفين بأعماقه، شيء دفين لا يستطيع تفسيره، ولكنه كلما جلس أمام زوجته، أو راقب صورته عبر زجاج القطار في كل يوم، يعلم بأن جزء منه قد قُتل هناك على أبواب مدينته الحبيبة وأنه لن يسترجع ذلك الجزء ابداً؛ لذا يعيش هنا ولكنه لا يحيا لأن أنفاسه الحقيقة تركها هناك بفنجان شاي مع النعنع في الصباح الباكر، بفطائر الزعتر وقطع اللبنه المُغمسة بزيت الزيتون، بمنظر جبال الخليل حين يُنيرها نور الفجر المائل للزرقة، ثم الشمس التي تتوج الجبال في الصباح، وتختفي خلفها في المساء. اليوم يشعر بأن الحنين يكاد يقتلع روحه، اليوم لو أطاع نفسه، لذهب لأقرب شركة طيران ليسافر ويعود للخليل. شعر بأن روحه تتقوقع في جسده وأنه غريب عن كل ما حوله ، حتى أنفاسه تبدو غريبة عنه، اليوم أدرك وبكل عمق الحزن والشوق مدى حدة غربته، وأنه كان لابد أن يحيا ويموت هناك على أرض فلسطين رغم الإحتلال ورغم الفقر ورغم كل شيء ...هناك...هناك ..إعتقد بأنه سيسافر فقط ولكنه قتل عشرات المعاني بوجوده، فأصبح قطعة خشبية إحترقت ولكنها لم تتحول إلى رماد، قطعة خشبية حيث تجمد الشعور، وتيبس الحنين ولم يتبقى سوى ذلك اللون الأسود الذي يغلف الروح.
6
تشعر بنظراته التي تراقبها، تتجاهله وتتجاهل نظراته ، وحين يشيح بوجهه عنها تسترق النظر إليه، إلى شعره الأسود وبشرته السمراء النضرة ، وعيونه السوداء الواسعة ، شيء ما به يقول لها بأنه قادم من هناك ، من أرض الشمس والألم. وحين يلتفت من جديد تُبعد نظراتها عنه كأنه ليس موجود . ويعود هو لمراقبتها فتنسحب مسرعة بنفس الوقت لتذهب لمتابعة عملها في مكانٍ آخر من محطة القطارات. في كل يوم ترى ذلك الرجل ذو الملامح الشرقية ، ترغب بمراقبته فقط دون الحديث معه ، لأنها تخشى إن تحدثت معه ألا يكون عربي مثلها لذا فضلت أن تبقى على عدم معرفتها وأن تحتفظ بشعور جميل آتٍ من أرضٍ بعيدة هناك حيث كان الحب بسيط وفوري وربما كان سطحياً ولكنه يبقى حب يملأ الروح دفئاً والنفس إشراقاً ، وهنا يتجمد حتى الشعور تحت وطأة البرد ، وينسحب كل شخص إلى منزله أو عمله بصمت هارباً من البرد القارس إلى أي مكان دافيء. هنا تتقلص مساحة الحلم والدفء ويحتل البرد الروح والشعور وحتى الأحلام.
ولا يتبقى لها سوى هذا الوجه الشرقي الذي تراقبه بحذر وتتلمس من خلاله شيئاً ما من الشرق البعيد. وحين تشعر بنظراته تراقبها يزداد شعورها بالدفء والقرب من أرض الشمس.
في كل يوم تستيقظ في الرابعة صباحاً لتبدأ علمها في محطة قطارات بازل ، تنظف أرض القطارات التي عليها تنظيفها ، تمسح النوافذ وتنظف أرضية القطارات والحمامات ، وتجمع القمامة ، ولا تغادر القطار قبل ان يكون نظيفاً ، وتأتي المراقبة أحياناً لتتأكد من حسن سير العمل ، لم توجه لها أي ملاحظة منذ بداية علمها ، وتنظر إليها نظرة تقدير لجديتها ، لا تتحدث معها كثيراً ولكنها تفهم معنى تلك النظرة وتكتفي بها. ومثل أي يوم آخر، شعرت بنظراته من جديد خلال ما تبقى لها من دقائق لإنهاء عملها ، غادرت القطار تحت نظراته ، وبعد أن مشت عدة خطوات سمعت امرأة ما تنادي أسمها:
_ ليلى...ليلى...
إلتفت لترى من يناديها ، ولكن نظراتها ألتقت بنظراته المندهشة عبر النافذة ، لقد تأكد كمال اليوم بأنها عربية ، وعرفت هي بأنه عربي لأنه من تعابير وجهه المندهشة علم بأنها عربية ، لم يتمالك نفسه ونهض بإتجاه باب العربة يريد الحديث معها ، ولكن المرأة التي كانت تناديها بدأت حديث مطول معها ، لقد كانت المراقبة ، شعرت ليلى بإرتباك لرؤيته يراقبها وهو يقف على باب عربة القطار ، ولم تستمع لما كانت تقوله المراقبة ، فقالت لها المراقبة التي كانت تعلم بأنها شاردة الذهن أغلب الوقت:
_ ليلى ، أعرف بأنك لا تركزين معي ، لكن يوجد خبر جيد لك ، لقد تم منحك علاوة لإخلاصك في العمل ، لابد أن أقول لك بأنني حين عملت هنا لم أكن متأكدة من جديتك ، ولكن موظف الإقامة ودمج الأجانب شرح لي عن وضعك العائلي والنفسي ، لذا تم قبولك للعمل ، نحن الآن نرحب بك وأهنئك لهذه العلاوة.
لم تدرِ ليلى بماذا تُجيب ، استطاعت الحديث فقط حين غادر القطار مكانه وغابت نظراته عنها ، فأجابت بإرتباك:
_ اشكرك ...أنتم لطفاء معي ...لم أفعل سوى واجبي ..شكراً
إبتسمت المراقبة وقالت:
_ إذا كان يوجد أي شيء يمكنني أن أفعله لك فلا تترددي يا ليلى ، وأحب أن أدعوك للعشاء في بيتي لتتعرفي على عائلتي ، ما رأيك؟
ترددت ليلى بالإجابة وقالت بعد تفكير:
_ ربما أولادك لا يحبون الأجانب يا سيدتي ...وأنا أنظف...
ضحكت المراقبة وقالت :
_ من الآن فصاعداً لا تناديني بسيدتي ، بل ربيكا ، وأولادي لا يكرهون الأجانب ، لقد حدثتهم عنك ويرحبون بك ، الحقيقة أن الكثير من السويسرين لا يحبون الأجانب ولكن حين يكون الأجنبي انسانمخلص وجاد بعمله نحبه ونقدره .والآن أتركك لإتمام عملك ...سوف يكون العشاء يوم السبت القادم الساعة السابعة أنتظرك هنا ..
_ حسناً ، وأشكرك.
لم تفكر ليلى في العلاوه بل فكرت به ، إنه عربي ، لأنه عرف اسمها ونهض ليتكلم معها ، توقفت للحظات وشعرت بأنها لا تريد الحديث معه ، لا تريد أي شيء يذكرها بماضٍ لن يعود أبداً ، لا تريد أن تتألم ، تريد أن تعيش مثل أي سويسريه وأن تنسى تلك الأرض المحروقة والضائعة ، تريد لتلك الأرض أن تحيا بذاكرتها خضراء وجميلة لا تريد أن ترى الدمار ولا أن تشعر بالألم ، تريد أن تسير عبر ذاكرتها بحذر شديد دون أن تنزف جراحها التي لا تندمل من جديد ، فقررت أن تتجاهله حتى ولو تحدث معها ، وأن لا تتكلم معه وإذا أصر على الحديث معها أن تقول له بأنها ليست عربية ولا تعرف اللغة العربية وانها من أصل أسباني .
جلس كمال بذهول في مقعده في القطار ، إنها عربية ، إنها حلم بعيد يتحقق أمامه، لطالما حلم بخصل شعرٍ فاحم السواد ، لطالما حلم بحروف عربية تعزف سمفونية العودة إلى الوطن عبر الروح والكلمات ، لطالما حلم بوجه دافيء يحمل ملامح الشرق ببشرة سمراء وعيون سوداء وشعر أسود ، وألتفاته شرقية خجوله كان يرغب بأن يعود للمترو الذي يعود به لمحطة القطارات ليتحدث معها ، ولكنه تذكر جاك وأنه سيجد فرصة لطرده من عمله ، فقال لنفسه بهدوء بأنه غدا لابد أن يتحدث معها ، ولأول مره ترقص أمامه شوارع بازل ، تشرق الشمس الدافئة من بين الغيوم الملبدة في السماء ، ويشعر بالدفء رغم حدة البرد ، لأول مرة ينسى زوجته سوزان ، ولا يشعر بتأنيب الضمير لنسيانها كأنه يمنح نفسه ذريعة الحب لأنه يختنق بغربته بل يكاد أن يشعر أن الموت مشابه للحياة بها ، لذا لا يشعر بتأنيب الضمير ، توقف للحظات ونظر إلى صورته عبر واجهة بعض المحلات التجارية ، وشعر بخطر حقيقي يداهمه ، هل وقع بحب انسانة مجهولة فقط لأنها عربية ! توقف للحظات وقرر أن يعتريه البرود وأن لا ينجرف وراء أوهام ، فربما هي متزوجة ، وربما حين يقرر أن يسمح لنفسه بحبها أن تأخذ زوجته الأولاد ولا يراهم أبداً ..ربما عشرات الأشياء ، وأدرك على الفور بأنه ليس غريب عن هذه الأرض فقط ، بل أنه فقد خياراته كرجل أيضاً سواء أكان عربي أم سويسري ، حتى خياره بالحب محفوف بالمخاطر ، فعادت خطواته لتسير بتثاقل على الأرض المتجمدة تحت وطأة البرد ، ولف معطفه حول جسده من جديد ليس لشعوره بالبرد بل لشعوره بالوحدة لأن روحه لا تزال غريبة رغم أنه أقنع جسده بإنتمائه لهذه الأرض ، فهذه الروح هي التي تستعصي عليه ولا تطاوع افكاره ، فتبدو في زاوية ما من نفسه وحيدة ومشتاقة وصامته ، وهي بصمتها وشوقها تزرع أشواك من الغربة والوحدة التي لا قدره له على إنتزاعها .
يوم السبت ، الساعة السابعة تماماً ، وقفت ليلى تنتظر ربيكا، رغبت بقوة ألا تحضر وأن تعتذر ، فكرت عدة مرات بأن تتصل بربيكا وتقول لها بأنها لا تستطيع الحضور ولكنها لم تأخذ رقم هاتفها وخشيت أن تتضايق ربيكا من رفضها للزيارة وأن تعتقد بأنها لا ترغب بأي علاقات أجتماعية مع سويسريين لأنها تتجنب الحديث مع الآخرين ، وقفت على أمل ألا تحضر ربيكا ، ولكن ربيكا أتت بإبتسامة مشرقة ودافئة ، يصحبها شاب طويل وأشقر وجميل الشكل ، تقدمت ربيكا بخطوات مرحة وقالت :
_ مرحباً ليلى ، كنت متأكدة بأنك سوف تحضرين قبلي ، لأنك دائماً تأتين مبكرة ، هذا ابني مارك ، وهذه ليلى يا مارك التي حدثتك عنها .
صمت مارك للحظات يتأمل وجه ليلى بصمت ثم انتبه لنفسه وقال وهو يمد يده مصافحاً ليلى:
_ مرحباً ليلى سعيد بالتعرف عليك ، لقد حدثتنا والدتي عنك كثيراً ، وأرى بأنك جميلة فعلا ...
شعرت ليلى بالحرج الشديد ولم تدر بماذا ترد ، فهي ومنذ مدة طويلة لم تتحدث مع أحد سوى مع بعض العاملين معها، ولكنها لم تتحدث بهذه النبرة اللطيفة مع أحد ما منذ مدة لا بأس بها ، ولكن كان لابد أن تقول شيئاً رغم خجلها وشعورها بالحرج الشديد ، فقالت بتلعثم :
_ أشكرك ..هذا ..هذا لطفٌ منك ..ومن والدتك ..
أجابها مارك بسعادة:
_ أنت تتحدثين الألمانية،هذا جيد.
قالت ربيكا :
_ أنها تتحدث بطلاقة الألمانية ، لقد قرأت ملفها كاملاً ، لقد عكفت لشهور على دراسة اللغة الألمانية، كما أنها كانت تدرس هندسة الديكور في جامعة دمشق، لقد كانت في السنة الثالثة، ولكن الحرب... ألم أقل لك بأنها فتاة مميزة ، ولكنها لا تتحدث كثيراً.
شعرت ليلى بالمزيد من الحرج ، وشعرت للحظات بأنه لم يعد لديها أي شيء لتقوله ، ورغبت بأن تعتذر وتغادر ، شعرت ربيكا بما تفكر به ليلى لمعرفتها بوضعها النفسي ، فقالت باستعجال :
_ والآن ، هيا بنا ، أشعر بالجوع وزوجي بإنتظارنا في السيارة خارج المحطة.
صافحت ليلى زوج ربيكا الذي كان بإنتظارهم، ركبوا جميعاً في السيارة المريحة ، وراقبت ليلى شوارع بازل عبر زجاج السيارة فهذه المرة الأولى التي تشاهد بها هذه الشوارع التي تمر بها كل يوم عبر نافذة السيارة التي ألتصقت بها بعيداً عن مارك وعن نظراته . في كل دقيقة كانت تشعر برغبة قوية بأن تغادر أو بالأحرى بأن تهرب ، فهي لا تريد أن تأكل ولا تريد أن تتحدث ، تريد فقط أن تعود لغرفتها الصغيرة في السقيفة التي تعيش بها منذ وصولها لسويسرا. ولكن ربيكا كانت تقرأ أفكارها وفي كل مرة تتحدث معها كي لا تُطيل التفكير مع ذاتها ، قالت لها بابتسامتها المشرقة دائماً:
_ ليلى ، يوجد لدي ابن آخر أسمه داني ، أصغر بكثير من مارك ، عمره ثماني سنوات ، يحب كثيراً التصوير ، قال لي بأنه سوف يكون سعيد بأن يلتقط صور لفتاة شرقية ، لأنه لأول مرة سوف يقابل فتاة قادمة من الشرق ، وهو متحمس لذلك كثيراً ..
نظرت إليها ليلى من مقعدها الخلفي وابتسمت وقالت بهدوء:
_ أنا أيضاً كنت أحب التصوير .
قالت ربيكا وهي تنظر إلى مارك:
_ لم أخبرك عن مارك، إنه يدرس حالياً الحقوق بجامعة بازل ، سوف ينتهي من دراسته هذه السنة .
قالت ليلى وهي تنظر إليه متجنبه أن تتلاقى نظراتهما:
_ كما أخبرتك والدتك، لقد درست هندسة الديكور بدمشق ولكنني للأسف لم اتابع دراستي، أضطررت لمغادرة سوريا.
إبتسم جاك بلطف وقال:
_ ربما أصطحبك يوماً ما إلى جامعتي ...ما رأيك؟
_ بالطبع ، سوف تكون فرصة جيدة.
عادت ربيكا لتتحدث عن داني :
_ كما أخبرتك داني يعشق التصوير ، كما وأنه يفكر بعمل معرض صغير للصور التي ألتقطها هذا العام ، وسوف تكوني مدعوة للمعرض بالطبع..
شعرت ليلى بشيء من الإرتياح لأنها فعلاً كانت تحب التصوير ، لقد أشترى لها والدها كاميرا متطورة كي تتمكن من التصوير ببراعة ، ولكن تلك الكاميرا تدمرت واختفت مثلما تدمر البيت وأختفى أهلها ، للحظات لم تدر هل تشعر بالسعادة لأنه يوجد أحد ما يشاركها هوايتها ، أو تشعر بالحزن لأنها تذكرت أجمل ذكريات لها مع الكاميرا ومع جولاتها في شوارع دمشق ، شعرت برغبة بالبكاء ولكنها تمالكت نفسها وحاولت التفكير بشيء آخر. كانت تشعر بنظرات مارك تراقبها بصمت وربما بإعجاب أو بإستغراب ، لم تنظر إليه لتحدد معنى تلك النظرات ، ولكنها شعرت بالإرتياح لأنهم وصلوا أخيراً وسوف يتوقف عن التحديق بها.
وقف داني أمام ليلى ينظر إليها بتمعن ، مد يده أخيراً ليصافحها ، قال بصوتٍ خجول:
_ أنت ليلى...
نظرت ليلى إليه ، وأحبت عيناه الخضراوين على الفور ، فابتسمت له ناسية وجودها بين غرباء وقالت بعفوية:
_ أجل ، أنا ليلى ...وأنت داني ...
أحبت داني وضحتكه الجميلة وشعره الأشقر الغزير ، قالت له بتشوق:
_ لقد علمت أنك تحب التصوير ، أنا أيضاً أحب التصوير ..
قال داني لوالدته بإستغراب:
_ أمي ، إنها تتحدث الألمانية ، كنت أعتقد بأنني لن أتكلم معها !
ضحكوا جميعاً وقالت له ربيكا:
_ لديك الآن صديقة عربية تتحدث الألمانية ، هذه فرصة لا تُتاح لأي صبي بسنك في سويسرا ...لابد أنك سعيد بذلك...
قال وهو ينظر بخجل إلى ليلى:
_ سوف أكون سعيد إن سمحت لي بتصويرها..
_ بالطبع سوف تصورني وسوف نلتقط صور كثيرة مع بعض لأني أحب التصوير..
أجتمعوا في مطبخ ربيكا الدافيء على الطاولة الخشبية الكبيرة ، رتبت ربيكا الطاولة بجمال وعناية بالغين ، غمر الدفء المكان رغم برودة الطقس في الخارج ، وضعت ربيكا الصحون الحمراء المزخرفة بورود صفراء ، ثم زينت المائدة بأشكال زجاجية رقيقة بين الصحون والكؤوس ، ثم أشعلت بعض الشموع الصغيرة ، وقامت بإعداد عشاء سويسري ساخن ولذيذ...لأول مرة منذ وصول ليلى لسويسرا تشعر بدفء العائلة ، وبنكهة الطعام اللذيذة ، حمرة خفيفة كست وجهها الناعم ، وتأملت أسرة ربيكا الدافئة والحنونة والتي تعاملها بلطافة شديدة، لم ترغب أن تتذكر أسرتها التي أختفت عن الوجود كي لا تبكي من جديد ، أبعدت صورة عائلتها كي تتمكن من الإستمتاع بوجودها معهم ، وفي كل لحظة تمر شعرت بأنها تزداد قُتراباً منهم ، وتشعر بمحبتهم الصادقة لها ...
بعد إنتهاء العشاء ، جلسوا جميعاً ليشاهدوا الصور التي ألتقطها داني ، وقام داني بتصوير ليلى بسعادة غامرة ، طلب منها داني أن تصور شيء ما ، فأمسكت بالكاميرا وطلبت منهم أن يجلسوا بالقرب من بعضهم البعض ، ألتقطت عدة صور لهم وحين إنتهت قالت بصوت متلعثم:
_ أنتم...أنتم أجمل عائلة أراها بعد عائلتي.
إبتسموا جميعاً ، ونهضت ربيكا من مكانها واتجهت نحو ليلى وقالت :
_ ونحن سعداء يا ليلى بوجودك معنا ، هل يمكنني أن أقبلك كما أقبل ابنه لي ...
صمتت ليلى للحظات ، فلم يقبلها أحد هنا منذ وصولها لسويسرا ، هزت رأسها بحرج ، اقتربت منها ربيكا وقبلتها بدفء وعادت لمكانها. وبعد قليل من الوقت أعد مارك القهوة ، وغمرت رائحة القهوة المكان ، مما أضفى جواً من الألفة والمودة ، إقترب مارك من ليلى وجلس بقربها ، شعرت بالحرج وقبل أن تتحرك من مكانها قال لها :
_ لابد أنك تشعرين بالغربة هنا ؟
ترددت قبل أن تُجيب ، ثم قالت :
_ أحياناً ، ولكنني أعتدت على الحياة هنا .
شعرت ليلى بإهتمامه بها ، ولم ترغب بأن تبادله ذلك الإهتمام ، فألتفت لداني وبدأت بالحديث معه عن التصوير ، وأتفقا على أن يقوما بتصوير أماكن كثيرة معاً في المستقبل . نظرت إلى ساعتها وقالت لربيكا:
_ لابد أن أعود لغرفتي الآن ، لقد تأخر الوقت ، هل يمكن أن تخبرني رقم أي باص يمكن أن يقودني بإتجاه المنطقة التي أسكن بها..
قالت لها ربيكا:
_ لن تذهبي بالباص، سوف يقلك مارك إلى منزلك بالسيارة ، لأن الوقت تأخر وقد غادر آخر باص يمر بهذه المنطقة منذ ساعة.
هزت رأسها بالموافقة رغم إمتعاضها لأن مارك سوف يقود السيارة ، ولكن كانت تعرف أن ربيكا لن تغير رأيها . وفقوا جميعاً أمام الباب ، وشعرت ليلى بمحبتهم ودفئهم ، دفءٍ لم تشعر به منذ وصولها لسويسرا ، وبهذه المرة لم تستأذنها ربيكا كي تقبلها ، بل ضمتها وقبلتها بعطف واضح ، وقالت لها قبل أن تغادر:
_ ليلى ، لقد أصبحت صديقة لنا جميعاً ، أي شيء تحتاجينه لا تتردي بطلب المساعدة ، لقد كنا سعداء جداً بحضورك .
أجابت ليلى بخجل :
_ وأنا أيضاً كنت سعيدة جداً ، خصوصاً بالتعرف على داني ...أشكركم جميعاً
وقفوا جميعاً على الباب الخارجي لتحيتها إلى أن إختفت السيارة عن الأنظار . بقيت ليلى صامتة في السيارة ، إلى أن قال لها جاك:
_ لماذا لا تتابعين دراستك في الجامعة؟
نظرت إليه بإستغراب وقالت :
_ أنا أدرس ! أنا أعمل من الصباح الباكر حتى المساء، فأين سأجد الوقت؟
_ توجد جامعات تتم الدراسة بها في المساء ...يبدو أنك ذكية وأعتقد أنك سوف تنجحين ...فكري في الموضوع وسوف أساعدك بالتسجيل.
كانت ليلى قلقة من وجودها لوحدها معه ، لأنها شعرت بمدى إهتمامه بها ، ولكنه لم يتحدث كثيراً وهو ما جعلها تشعر بارتياح وعادت لمراقبة شوارع بازل الهادئة خلال ساعات الليل من خلال نافذة السيارة الدافئة، شعرت بنظرات جاك تراقبها من حين لآخر وبدأت بعد الدقائق للوصول إلى بيتها والنزول من السيارة . وصلت السيارة إلى مكان سكنها وتنفست الصعداء ، إلتفت إليه وقالت:
_ أشكرك كثيراُ ، لقد قضيت وقت ممتع معكم جميعاً.
إبتسم وقال:
_ لقد كان وقت سعيد لنا أيضاً ، هذا رقم هاتفي ، أتصلي بي إن أحتجت اي شيء، وإن قررت أن تلتحقي بالجامعة سوف أساعدك .
_ سوف أفكر بالموضوع ، أشكرك وإلى اللقاء.
نزلت من السيارة وهي تشعر بنظراته تراقبها ، أغلقت باب العمارة وتنفست الصعداء ، أخيراً أفلتت من نظراته ، لقد كانت سعيدة في الزيارة ولكن نظرات مارك أزعجتها وأدركت أنه مهتم بها وهو آخر شيء تريده أو تفكر به. أستلقت على فراشها ، لم تشعل ضوء الغرفة ، تسلل ضوء الشارع عبر ستائر النافذة الشفافة شعرت بالدفء يتسلل إلى جسدها ، لقد كانت سعيدة معهم هناك ، ولكن سعادتها معهم أعادت لها ذكريات رغبت أن تدفنها إلى أن تختنق وتموت ، ولكن هذا العشاء الدافيء و تلك الكلمات الرقيقة أعادت لها أولئك الذين أختطفهم الموت ، أولئك الذين شكلوا معنى وجودها ، هذا العشاء ذكرها ومن جديد بأنه لا معنى لوجودها ، وأنها مجرد نبتة تطفو على سطح المياة دون جذور ، تطفو وتسير مع حركة الرياح دون مقاومة ، قد تشتد الرياح وقد تضعف ولكنها دائماً تسير منصاعة للتيار ، فهل هذه هي الغربة ؟ هل هي هذا الإنصياع للتيار وللرياح وحتى لنسمات الصيف الرقيقة؟ هل الغربة هي ألا تكون ذاتها ، ألا تمتلك الحق بإعلان الهوية لنفسها بداية ثم للآخرين؟ هل هي تقلص الذات أمام وجود الآخر في المكان وفي البصر وفي الروح؟ تتسع مساحتهم وتتضاءل مساحتها لأنها وببساطة ليست في وطنها ، ليست في ذاتها ، ليست في وجودها الحقيقي ، وكيف ستتصرف بهذه الغربة؟ هل ستصطنع كياناً جديداً يحاول أن يلتصق بالوجود الجديد تماماً مثل زرع قلبٍ غريب في جسد يحتاج لهذا القلب الجديد؟ فهل يحيا الجسد بوجود القلب الجديد؟ لابد من زراعته ولابد من مراقبة قبول الجسد له أو رفضه له ، وهي بمرحلة زرع وجودها الجديد ، تشعر بأنها تتأرجح بين ما كانت عليه وبين ما هي عليه الآن ، بين فتاة تتجول بسعادة في دمشق مدينة الياسمين وبين فتاة غريبة وشرقية تسير بين شوارع بازل الباردة ، تشعر بالغربة والبرد والشوق لمن لن يعودوا أبداً ، ولشوراع لن تراها مرة أخرى ، ورغم استقبال سويسرا لها ورغم كل اللطف الذي لاقته على هذه الأرض الغريبة ، إلا أنها تشعر ببرد شديد يعتصر عظامها وروحها وقلبها ، وتحت الغطاء الدافيء تعود نسمات ثلجية تجتاح وجودها كله وليس فقط جسدها ، تلتف حول جسدها ولا تستطيع مقاومة البكاء ، تشعر فقط بدفء دموعها التي تنسكب غزيرة على الوسادة الناعمة ، وتنادي في أعماق الليل : دمشق الحبيبة ، أمي ، أبي ، مهند ، علياء ، والعمة سهام.
ولا أحد يُجيب ، ثم يأتي السؤال من جديد: ماذا سأفعل بهذه الحياة ؟ وأنا الوحيدة المُقتلعة الجذور ؟ فحتى الجنسية السويسرية التي ستحصل عليها خلال شهور لن تحل لها هذه المعضلة ، ماذا سأفعل بوجودي كله ؟ وكتبت روحها على صفحة الظلام الدامس كلماتٍ من الألم الصامت: "أنتم هناك ، عند خالق ذلك العالم البرزخي هناك، وأنا هنا عند خالق هذا الكون الأرضي أيضاً ، ولكنني لا أنتمي لكوني هذا وربما تكون أمنيتي الوحيدة بكوني الضائع هو أن أكون معكم هناك ، أخجل أن أسأل خالقي لماذا لم أرحل معكم ، ولكنني أسأله أن يكون معي على هذه الأرض الغريبة ، التي لا جذور لي بها ولا انتماء ، أرض منحتني العمل والطعام والسكن ولكنها لم ولن تمنحني أبداً الجذور ، لذا أبدو كطيرٍ وحيد فقد سربه ولن يعثر عليه أبداً ، فإلى متي ستحتمل جناحيه الضعيفين رحلته التي لا تنتهي بحثاً عن سربٍ آخر قد يجده وقد لا يجده أبداً."

7

من جديد ، محطة القطارات في بيرن ، أصبحت هذه المحطة بيت آخر لبسام ، بصخبها ، بنظامها ، بوجه زائريها الغرباء والذين أصبحت معظم وجوههم مألوفة بالنسبة له ، بحركة القطارات التي لا تتوقف ليلاً ونهاراً ، شيئاً ما بهذه الحركة الدؤوبة تجعله ينسى غربته ، خصوصاً حين ينزل الركاب ويسلمون على من ينتظرهم أو يحتضنونهم ، شيء ما بهذا اللقاء يجعله يشعر بالدفء ويجعله يطمئن بأن الحب لا يزال وسوف يبقى موجود ، وأنه ذلك اللقاء الدفء الذي يحتاجه حتى ولو لم يكن له هو ، مجرد أن يرى دموع إستقبال حبيب ما ، أو فرح لقاء بين ام وابنها ، أو بالأحرى أي لقاء لأي كائنين من البشر يمنحه ذلك الأمن ، ذلك الدفء تلك السعادة الخافتة الخجوله التي تهمس له : "لابد أن يأتي دورك وأن تحتضن من تحب ، لابد أن تكون هنا يوماً ما بإنتظار تلك الحبيبة ، هيفاء ، أو ربما هيفاء أخرى تحبه ويحبها " وبإنتظار ذلك الحب البعيد ، يلتمس هنا شيئاً من الحب عبر النظرات الغريبة عنه ،وعبر الاسماء التي لا يعرف أصحابها ، وعبر احتضان شوقٍ لغياب طال أمده أو قصر ...
إنها انسانيته التي تستيقظ حين يرى ذلك الحب ، إنها كرامته التي تصمت بألم حين يجلس يرسم لوحاته مقابل بعضاً من الفرنكات ، إنها غربته التي تجعله يرى الوجود بعيون الغريب أينما إلتفت بنظراته الوحيدة ، وإنها أيضاً انتماءه لكل شعوب الأرض ، وأنه انسان قبل أن يكون عراقي ، حين يرى فرح أي شخص سويسري أو حزنه لا يشعر بأنه يختلف عنه لذلك وبأحيان كثيرة لا يشعر بأنه غريب حقاً ، فعلى هذه الأرصفة الباردة يوجد دفء انساني لا محدود ، لذلك ومنذ أن وصل لسويسرا أحب كثيراً محطة القطارات ، لأنها المكان الوجيد الذي يلغي كل الفروق ، كل النزاعات ، كل العروق وكل الانتماءات ، لا يتبقى سوى رغبة بالرحيل أو العودة ، لا يتبقى سوى شعور انساني بالحب أو الكره ، بالهروب أو الانتماء.
هنا ، في هذه المحطة المترامية الأطراف ، يمسك ريشته ، لأول مرة يرغب بأن يرسم مشاعره الانسانية وليست مشاعره العراقية العربية ، اليوم يريد أن يتحرر من هويته وانتماءه وألا يكون سوى انسان وضعه القدر على رصيف هذا القطار القادم من جنيف . رسمت ريشته القطار القادم أحمر اللون ، وأشخاص يقفون ينتظرون وقوف الركاب لإستقبال القادمين ، يرسم وجوه سعيدة ووجوه حزينة ، متعبة أو متشوقة ، يرسم أرواح لم تعد تعني لها الحياة سوى طقوس يومية ثقيلة ، أو فرح عميق بأن تكون على قيد الحياة دون رتوش ومع القليل من الماديات ، يرسم رغبة بالهروب من الآخر ، أو إلتصاق بالآخر ، يرسم خيانة ، أو إخلاص ، يرسم حب حقيقي أو حب زائف وزائل ...نظر للوحته التي لم تكتمل بعد ، وشعر بسعاده عميقة لأنه رسم وكأنه لا يرسم بل يلتقط الصور للأرواح وللوجود ، لأول مرة تتجول ريشته بين الألوان والأشكال دون جهد ودون رغبة بإستحضار الذاكرة ، ولأول مرة يشعر بأنه تحرر من بغداد ، تحرر من جذوره دون أن يقتلعها ، شعر بحرية غريبة تسري بيده وبريشته ، وبدأ ينظر لكل ما حوله بنظرة جديدة ، ليست نظرة الغريب بل نظرة من ينتمي لكل ما يدور في هذا المكان البارد ، أيقن بهذه اللحظات ان الغربة قيد ذاتي يقيد الانسان ذاته بها بإرادته المحضة قبل أن تكون قيداً خارجياً ، إنها تدور هنا في أعماق شعوره وتفكيره ، وكان لابد أن يكسر قيده لدقائق كي يشعر بمعنى جديد لوجوده في سويسرا ...
أطل وجه كريستا المبتسم من بعيد ، إقتربت منه ونظرت إلى لوحته بإنبهار وقالت:
_ آه بسام...هذه بالتأكيد ليست بغداد ، إنها هذه المحطة ، كم هي جميلة ، أسمع أريد أن أشتريها هل تعرف لماذا؟
ضحك كمال وقال:
_ لأنك سويسرية وهذه محطة قطارات سويسرية..
_ لا ..لا.. كمال..أنا لست منحازة لبلدي ولكن لأنك شرقي ورسمت هذه اللوحه الغربية ، هناك شيء ما بها شرقي لا أدري ما هو ، دعني أفكر قليلاً وأنظر لها ...
نظرت إلى اللوحة لدقائق ، ثم تأملت بسام ، بقي بسام جالساً بمكانه بهدوء يرغب بالضحك ولكنه منع نفسه للجدية التي بدت على ملامحها ، أتت امرأة أخرى شقراء وجميلة ووقفت تنظر إلى اللوحة بصمت ، أو تسترق النظر إليها من خلف كتفي كريستا ، ألتقت نظراتها بنظرات بسام ثم إبتسمت ، أقتربت منه وقالت بهدوء:
_ تعجبني هذه اللوحة ، هل هي للبيع ؟
لم يجيب بسام للحظات ، شعرت بالمفاجأة ونظر إلى وجهها الجميل ، كان يريد أن يقول لها بأنه يرغب برسم وجهها الجميل ولكن نظراته سجلت ملامح ذلك الوجه الخاص بعينيها الخضراوين الواسعتين وبشرتها البيضاء الصافية وخصلات شعرها الشقراء المنسدله على كتفيها وظهرها ، شيئاً ما بها ذكره بهيفاء ، إنها هيفاء السويسرية الشقراء ، هناك شيء ما بنظراتها تشبه هيفاء إلى حد التطابق ، نظرت إليه بإستغراب وهو يراقب ملامحها ، وأدرك بأنه لابد أن يُبعد نظراته عنها كي لا تعتقد أن به شيء ما ، لأنهم هنا يخشون من هذه النظرات المتفحصة ، فأجابها دون تفكير:
_ لا أدري ...
نظرت إليه بإستغراب وقبل أن تجيب قالت كريستا بصوت منفعل :
_ كمال ، أعرف الآن ماذا يجذبني بهذه اللوحة ، إنها لوحة لمحطة قطارات سويسرية ولكن روحها شرقية ، أنظر إلى عيون الناس، إنك ودون أن تدرك ذلك رسمت لهم عيون شرقية ونظرات شرقية ، بل إن حركات أجسادهم الجامدة تبدو شرقية كأنهم بإنتظار حلم ما وليس قطار سريع ، لو أن شخص غربي رسم هذه اللوحة فسوف يرسم حركة سريعة للأجساد والقطارات ، وسوف يرسم عيون ضيقة ومستعجلة ومتوترة ، ولكن أنت ودون أن تدري جعلت روح هذه اللوحة شرقية ، لذلك أعجبتني ، ولهذا أريد أن أشتريها منك ...
فقالت لها المرأة الشقراء بإبتسامة لطيفة:
_ أعتذر منك ولكنني طلبت ان أشتريها منه قبلك ، لقد أعجبتني فعلاً ، وأنت محقه بما قلت له..
نظرت إليها كريستا للحظات ، إعتقد بسام بأنها ستغضب ولكنها قالت بسعادة :
_ آه ، جميل أنت تفكرين كما أفكر ، هذا رائع ، يعني أنني محقة .
_ أجل ، أنت محقة ...ولكنني أحببت أن أشتريها منه بسبب ألوانها وليس بسبب ما قلته فقط رغم أن ما قلته كان صحيح وجميل ...أنظري إلى هذه الألوان الشرقية بالطبع لا يوجد شمس هنا ولكن توجد ملابس من كل الألوان وخطوط تنم عن حياة نابضة بأعماق الرسام ...
عادت كريستا لتنظر إليها ، ثم قالت فجاة :
_ أنت ...أنت ...أنا أعرفك ، أنت الممثلة جوليانا ..
ضحكت المرأة وقالت :
_ ماذا لو لم أكن أنا هي ؟
_ سوف أحزن ، لأنني أحب تمثيلك كثيراً ، وأحضر جميع أفلامك والكثير من مسرحياتك..
ضحكت وبدا جمالها أكثر إشراقاً :
_ أجل ، أنا هي ، والآن هل توافقين على أن أشتري اللوحة منه ؟
ضحكت كريستا وقالت :
_ لابد أن تسأليه هو إن كان يريد بيعها ، فهو لا يبيع أي لوحه يرسمها ، أحياناً كثيرة يرسم لنفسه فقط .
نظرت إليه جوليانا الجميلة ، وبصعوبة إنتبه من شروده وقال:
_ أرغب بأن أهديك إياها ، فأنت تذكرينني بإنسانة عزيزة جداً على قلبي .
نظرت إليه للحظات ، وقالت بضع كلمات موضحة بأنها لا تستطيع أن تأخذها دون دفع ثمنها ، ولم يستمع هو لأي من كلماتها ، وقال لها بهدوء:
_ سوف أشعر بالسعادة إن أنت أخذتها كهدية مني ...
صمتت ، ولمحت الساعة المعلقة على الحائط ، فقالت بسرعة :
_ ياإلهي ..سوف يغادر القطار ، لقد تأخرت ...حسناً ، سوف آخذها وأشكرك للهدية ، ولكنني لابد أن أراك مرة أخرى ...
سألته وهي تركض حاملة اللوحة ومتجهه نحو القطار:
_ هل تأتي دائماً إلى هنا؟
أجابتها كريستا بصوتٍ مرتفع :
_ أجل ، أجل تعالى في المساء سوف يكون هنا ...
نظر إليها بسام مندهشاً وقال:
_ كريستا ...لماذا قلت لها في المساء ، أنت تعلمين أنني آتي إلى هنا كل يوم في الساعة العاشرة!
_ أجل ..ولكنك غداً سوف تذهب لعملك في الصباح الباكر ، ولن تتمكن أن تأتي في الصباح ، لقد وافق المدير في مكان عملي على أن تعمل كامل تنظيف للشركة التي أعمل بها ، وسوف تعمل من الساعة السابعة صباحاً حتى الساعة الرابعة مساءً ..ما رأيك؟
قال بدهشة:
_ ماذا ؟ أعتقدت بأنك كنت تمزحين حين تحدثت عن العمل ! بالطبع سوف آتي وأعمل ، وسوف تعرفين بأنني لست كسول ، أشكرك يا كريستا ، أشكرك..
_ ألا تريد أن تعرف كم سيكون راتبك؟
_ لا يهم ، المهم أن أعمل،هذا رائع...
ضحكت كريستا وقالت :
_ هذا جيد ، ولكنني أريد مقابل هذه الخدمة أن ترسم لي لوحة جميلة ..
_ هل تريدين أن أرسم لك لوحة سويسرية أم عراقية ؟
_ بل سويسرية وعراقية بنفس الوقت...
_ إتفقنا..
وقف أمام المدير الذي عرفه على نفسه وكان وجهه جاد وهاديء ، نظر إليه من خلف نظاراته الشفافة وقال له مباشرة:
_ مرحبا يا بسام ، أخبرتني كريستا عنك كل شيء ، وأعلم أنك عراقي ، هل لديك إقامة قانونية في سويسرا ؟
_ أجل ، لأنني حضرت إلى هنا بعد تقديم طلب لجوء سياسي .
_ حسناً ، لأنني لا أسمح لأحد ليس لديه إقامة قانونية أن يعمل هنا . أعتقد أن ربيكا أخبرتك بطبيعة عملك هنا ، سوف تنظف المكان وغرف الحمام وكذلك المصعد ، نحن شعب يعشق النظافة ، سوف تكون تحت التجربة لمدة شهر من هذا التاريخ ، إن لم يعجبني عملك سوف أخبرك ، وإن أعجبني سوف تستمر معنا وأرتب جميع أوراقك القانونية لتنضم لشركتنا .

أمسك بأداوات التنظيف ، شعر بفرحة كبيرة لأنه أخيراً وجد عمل مستقر أو يتمنى أن يكون مستقر ، بدأ بتنظيف دورات المياة وأخبرته كريستا بأن يكون دقيق بعمله وأن يكون كل شيء لامع ونظيف ، حين إنتهى من تنظيف دورات المياة ، توقف للحظات ، وشعر بحزن جارف يجتاح روحه ، لقد أصبح أقصى طموحه أن يُجيد تنظيف دورات المياة ليقبل المدير به في العمل ، بعد أن كان أقصى طموحه أن يُجيد تلاميذه حفظ الشعر العربي القديم ، وإتقان الإعراب والنحو البلاغة ، نظر إلى نفسه في وسط دورات المياه هذه وتذكر نفسه وهو يقف أمام الصفوف الدراسية يكتب الكلمات ويوجه الأسئلة ويتلقى التحيات من الطلاب والأهالي . للحظات رغب بأن يرمي بكل شيء في الأرض وأن يخرج راكضاً ويذهب لأي مكان حتى ولو كان لملاقاة الموت وإنهاء هذا الذل والهوان . وفي وسط تلك اللحظات المشحونة بالألم ، أتت كرسيتا بإبتسامتها الدائمة ولكنها حين رأت تعابير وجهه إختفت الإبتسامه عن وجهها وسألته بإهتمام:
_ بسام ، ماذا بك ؟
لم يرد ، لقد كانت الدموع تملأ عيناه ، نظر إليها ولم يُخفي دموعه ولم يستطيع الإجابة فقالت بقلق:
_ أخبرني ، أرجوك هل هو المدير ؟ سوف أذهب وأقول له بأنه عنصري بغيض..
أشار لها بسام بالنفي ، وبعد لحظات من الصمت تمالك نفسه وقال :
_ ليس المدير يا كريستا ، على العكس لقد كان لطيف معي ، إنه ..إنه شعوري بالهوان ، لقد كنت مدرس لغة عربية في وطني ولي قيمتي بين الناس والآن وهنا ، أصبحت أنظف...أرجوك يا كريستا لا تًسيئي فهمي ، فأنا لا أقصد بأنني أحتقر هذا العمل ...ولكنني أشعر الآن وبشكل مأساوي مدى بمدى إقتلاعي من جذوري ..هل تفهمين؟
أومأت براسها وقالت:
_ بالطبع يا بسام أفهم ، كوني سويسرية لا يعني أنني لا أفهم المشاعر الانسانية لأي جنسية أخرى ، معك حق . ولكن لابد أن تعيش وتتأقلم ، حاول أن تنسى أو أن تتناسى ...
_ سوف أخبرك بشيء لم أقوله لأحد ، الرسم فقط منعني من الرغبة بالموت ...إن وطني هناك إلى أن أستطيع استيعاب أن سويسرا هي وطني ، أما أن أنسى أو أتناسى فهذا صعب جداً كأنك تطلبين مني أن أفقد الذاكرة وياليتني أفقدها...ربما نتحدث مرة أخرى يا كريستا ، لا أريد أن أعطلك عن العمل ، ولا أريد أن يأخذ عني صاحب العمل فكرة سيئة ، لا أعرف كيف أشكرك..
قاطعته بإبتسامتها :
_ إبتسم ، هذه شكرك لي ، لابد أن تعلم يا بسام بأن الإبتسامة مهمة هنا ، مهما كانت مشاكلك لابد أن تحرص على الابتسامة لأنه لا شأن للآخرين بمشاكلك ، هذا جزء من ثقافتنا هنا ، هل تفهم ما اقول؟
_ أجل ، لقد أحببت سويسرا لأجل هذه الابتسامة التي تتجاهل الألم وكأنه ذرة مفقودة في الوجود.

8
اليوم عيد ميلاد نادية ابنة كمال ، أصبح عمرها سبعة عشر عاماً ، شعر كمال بالسعادة لأن ابنته اصبحت شابة جميلة أمامه ولكن قلق خفي بدأ يتشكل بأعماقه ، لقد حاول بكل جهده أن يراقب تصرفات أولاده وسلوكهم، وحاول طوال سنوات أن يتجنب أي خلاف مع زوجته رغم الجفاء الذي يسيطر على علاقتهما، فهو لم ينسى ولا ينسى خيانتها له؛ لم يستطيع أن يحصل على دليل مادي لخيانتها، ولكنها تلك المكالمات الليلة مع زميلها رالف وغيابها المتكرر عن البيت، كان يشعر بأنها تخونه ولكنه تجاهل كل شكوكه بل ويقينه بخيانتها لأجل أولاده؛ ولكنه اليوم ينظر إلى ابنته التي أصبحت شديدة الجاذبية بملامحها المختلطة بين الشرق والغرب ، بخصلات شعرها الكستنائية وعيونها الخضراء الواسعة وبشرتها البيضاء المشرقة ، إحتضنها وشعر بالقلق لأجلها فهو اليوم بمواجهة امرأة شابة جميلة وسوف تلتحق خلال أسابيع بجامعتها في جنيف ، أي سوف تبتعد عنه وعن أسرتها ولا يدري كيف ستكون حياتها هناك ، لن يستطيع أن يراقبها وحتى لو لم يعجبه أي من تصرفاتها فلن يمتلك أي قرار يفرضه عليها ، اليوم أصبحت امرأة حرة مثلما هو متعارف عليه في سويسرا ، أما في الشرق فاليوم اصبحت امرأة جاهزة للإرتباط ولابد من أن تكون متحفظة وحريصة بكل تصرفاتها وأن يتولى أمرها والدها بكل التفاصيل إلى أن تلتحق ببيت زوجها .
ورغم شعوره بأن ذهاب ابنته للجامعة وبدأها لحياة خاصة بها سيحرره نوعاً ما من علاقته مع زوجته، فلطالما تمنى أن يكبر أولاده ثم ينفصل عنها. كانت مشاعره متناقضة ومتضابة فهو لأول مرة منذ وصوله إلى سويسرا يقف عاجزاً أمام ثقافة تفرض نفسها عليه كشرقي شاء أم أبى رغم رغبته القوية بأن يكبر أولاده ويستقلوا بحياتهم ، كان خوفه أن تحب ابنته رجل سويسري وتتزوجه حتى ولو رفض هو ذلك ، والأسوء أن تعيش معه دون زواج ، لأنه هنا في سويسرا وهذه هي حياة كل فتاة سويسرية ، لقد كان يفرض رقابته عليها في السابق بدافع حمايتها ورعايتها لأنها صغيرة بالسن ، ولكنها الآن اصبحت تمتلك حياتها ولا يستطيع أن يملي عليها أي قرار لا ترغب به . جلس في زاوية من الصالة الكبيرة يراقبها وهي تتنقل بين الضيوف سعيدة وجميلة ، تمنى لو أنه بهذه اللحظة في فلسطين مع أهله ، يشعر بالإطمئنان والسعادة لأجل ابنته التي كبرت ولا يشعر بالقلق والخوف مما سيأتي ، شعر بأن غربته الآن تأخذ أبعاداً أخرى وأنها تتجاوز حدود المعاناة النفسية لتمس كل جزء من وجوده أو أهم جزء من وجوده وهو اولاده ، ثم انتقلت نظراته إلى ابنه جاد الذي سوف ينتهي من المدرسة بدوره بعد سنتين ويبدأ حياته هو أيضاً ، لأول مرة منذ أن رزقه الله بالأولاد يسأل نفسه إن كانوا عرب أم سويسريين ؟ أبعد ذلك السؤال فوراً عن تفكيره لأنه أجابه لذاته مئات المرات بأنهم عرب وبنفس الوقت سويسريون فلا يمكن إنكار حقيقة أن والدتهم سويسرية ، ولكنه هو من رسم هذه الصورة لهم ، فترى أي صورة سوف يرسمون هم لأنفسهم؟
وقرر أن ينسى كل تلك الأفكار حول الإنتماء وحول الغربة وأن يعود ليكون سويسري وينسى مشاعر الغربة اللعينة هذه والتي تُفسد عليه لحظات كثيرة من السعادة ، وعاد من جديد ليتجاهل تلك المشاعر ، وليتناول الحلوى ويُمسك يد ابنته نادية ليرقص معها .
وفي الصباح الباكر يقف من جديد على رصيف محطة القطارات ، ينتظر القطار الذي سيقله إلى بازل ، تذكرها فجأة ، إنتابه شعور جميل كأنه بإنتظار شيء ما يحبه ، جلس في القطار ينظر عبر النافذة لكل شيء ولا يرى شيء سوى خصلات شعر فاحم السواد ووجه شرقي أسمر، بدأت صورتها ترتسم على الزجاج الشفاف وجلس يراقبها كأنها أمامه . ساد الصمت في أعماقه ، وشعر بالتوتر ، لماذا يهتم بها ؟ لماذا يفكر بها؟ وهو لا يعرفها ، لا يعرف سوى أن اسمها ليلى ، ربما لأنها نسمة دافئة من الأرض السمراء ، ربما لأنه يحتاج لأن يشعر بمشاعر شرقية تُدفيء قلبه الغارق بالبرد منذ سنين ...لم ينتبه إلى ما يدور من حوله وهو غارق بأفكاره توقف القطار مُعلن الوصول إلى بازل ، نزل من القطار مسرعاً ومتناسياً كل أفكاره عنها ، وفجأة رآها على الرصيف المقابل له فركض بإتجاه الرصيف ، مصمماً على الحديث معها ، إقترب منها وهي لا تزال تجر أدوات التنظيف ، سار بشكل موازٍ لها وقال بلطف بلغته العربية:
_ صباح الخير.
توقفت بذهول ونظرت إليه ، لقد كان هو ، كانت على وشك أن ترد بعفوية كأنها لا تزال في بلد عربي وتقول له صباح النور ، ولكنها وقفت للحظات تنظر إليه ، وتوالت الصور في ذهنها ، دمشق ، أهلها ، أصدقائها ، اللغة العربية ، حبها المدفون لوطن يحترق ، نظرت إليه وقررت ألا ترد بالعربية ، لم تكن تريد أن تعرف أحد يثير كل تلك الذكريات ، شعرت بالخوف رغم رغبتها القوية بالحديث معه ورغم مراقبتها له لأسابيع ، فأجابته بالألمانية بأنها لا تفهم ما
يقول ، وقف مستغرباً بأنها ليست عربية ، أو ربما حزيناً فأجابها بالألمانية:
_ أعتذر منك ، أعتقدت أنك عربية ، فأنا عربي من فلسطين ، ملامحك عربية وكذلك اسمك ، لا تستغربي لقد سمعت تلك المرأة السويسرية تنادي على اسمك الأسبوع الماضي ، نادتك باسم ليلى..
أجابت وهي تتجنب نظراته :
_ أجل ، اسمي ليلى ولكني لست عربية ، أنا سويسرية ، والآن أعتذر منك ، لابد أن أعود لعملي.
وقف بصمت وخيبة أمل يراقبها تبتعد ، وشعور دفين بأعماقه يقول له بأنها عربية ، وفكر للحظات أن يبحث عن تلك المرأة التي كانت تناديها ويسألها عنها ، ولكن نظراته وقعت على الساعة المعلقة على الرصيف ، فركض مسرعاً لأنه تأخر عن عمله ، لقد كانت تلك المرة الأولى يتأخر بها عن عمله ، لقد منح جاك اليوم الفرصة لإنتقاده وربما لطرده ...أسرع راكضا بإتجاه الترام الذي يقله إلى مركز المدينة . أما ليلى فوقفت في زاوية ما من المحطة تراقبه وهو يركض خارجاً من محطة القطارات ، أرادت أن تلحق به وتقول له بأنها عربية ولكنها خافت من الذكريات ، من الحنين ، من الألم ، فتسمرت قدماها في أرض المحطة ، وإنسابت دموعها بصمت ، فحتى الشعور بالإنتماء أصبح مؤلم ، كان لابد أن تنسى جذورها لكي تحيا ، لابد أن ترى الكون عبر عيون سويسرية وأن تغلق عيونها العربية كي تتمكن من الحياة.
وقف جاك أمامه بوجةٍ عابس ، قال له بنظرة حادة:
_ هذه هي المرة الأولى التي تتأخر بها ، أنت تعلم أن الدقة بالمواعيد مقدسة بهذا العمل ، أنت لست في الشرق الأوسط هنا ، في المرة القادمة إذا تأخرت لن تستمر بالعمل وسوف أُبلغ الإدارة بذلك .
نظر إليه كمال ، وكتم غضبه الطويل والصامت مرة أخرى ، وقال دون أن ينظر إليه:
_ حسناً ، سوف تكون هذه آخر مرة .
شعر كمال بأن غضب جاك إزداد حدة بسبب تجاهله له فتعمد أن يتجاهله بشكل أكبر ، قال له جاك:
_ كنت أود سؤالك دائماً ، لماذا لم تعود لبلدك هناك ؟
أجاب كمال ولأول مرة كما يرغب وشعر بأنه لم يعد يستطيع أن يسيطر على غضبه فقال محاولاً مرة أخرى أن يبدو هادئاً:
_ لا يحق لك أن تسألني هذا السؤال ولن أجيب عليه ، يمكنك أن تسألني عن أي شيء يخص عملي ، ما عدا ذلك لا أسمح لك ..
_ كيف تتحدث معي بهذه الطريقة !
_ أتحدث معك بأدب ، ويمكنك إخبار الإدارة حول سؤالك هذا وهم يجيبوك إن كان يحق لك سؤالي أم لا ، والآن أعتذر منك ، فلدي الكثير من العمل.
بدا وجه جاك مشتعلاً من الغضب ، إستدار وخرج بعصبية من المكتب ، نظرت جانيت لكمال وقالت:
_ لم أسمعك تتحدث معه بهذه الطريقة من قبل ، ماذا بك؟
_ لا شيء ، ولكنني تعبت من مجاملة شخص عنصري مثله ، وسوف أتحدث معه من الآن فصاعداً بهذه الطريقة مهما كانت النتائج ، لقد تعبت منه ومن أمراضه النفسية .
_ ولكن إحذر يا كمال ، فهو يستطيع أن يؤذيك فعلاً ويتسبب بطردك من العمل ..
_ لم يعد يهمني ، لدي ما يكفي من الخبرة لأعمل حيث أشاء ، في البداية كنت أصمت لأنني كنت بحاجة لشهادة خبرة ، والآن لدي هذه الخبرة ..
_ ولكنه قد يرفض منحك الشهادة بهذه الطريقة ..
_ لا تهمني الشهادة ، فخبرتي موجودة في عقلي ، يستطيع أن يحارب لوني أو جنسيتي ولكنه لا يستطيع أن يحارب ذكائي ، والآن جانيت ، لابد أن أعمل كي لا يجد أي مبرر لإزعاجي ، وأخبرك بأنني سوف أعمل بوقت إضافي أيضاً ولن يستطيع مجاراتي لأنني أصبحت متمكن من عملي ، سوف أُريه هذا الشخص القادم من الشرق الأوسط ماذا يستطيع أن يعمل ، سوف أصمم هذا الشهر أفضل برنامج كمبيوتر لواحدة من أكبر الشركات السويسرية ، ومقابل تسليمه لابد أن يتم تسميته باسمي وليس باسم الشركة وإلا سوف أقدم استقالتي .
نظرت إليه باستغراب وقالت:
_ ما هذه التغييرات يا كمال ، كأنني لا أعرفك!
_ أسمعي جانيت ، في البداية كنت خائف ومرتبك ، والآن أكتسبت ثقة بنفسي وبعملي ، قبل يومين كان لي لقاء مع تلك الشركة وأعجبوا كثيراً بعملي ، سوف أنفذ أوامر مدير الشركة ولكن البرامج التي أصممها لابد أن تحمل أسمي وإلا سأنسحب وأؤسس شركة صغيرة خاصة بي .
هل تعلمين جانيت ، أصعب شيء في الحياة في الغرب هو ألا يمتلك الأجنبي العلم والخبرة ، وأن يكسب ماله فقط من تعب جسده ، وأنا تعلمت أن أكسب المال من تعب عقلي وليس جسدي ولن أتوقف ، أشخاص مثل جاك منحوني كل التحدي لأصل لما أريد ، لقد أستعملت عنصريته كي أصل وأتعلم ، لم أخبرك بأنني طوال السنوات التي مرت لم أكتفِ بأن أنفذ ما يُطلب مني ، بل كنت أبقى ساعات إضافية أدرس البرامج التي تصممها الشركة وأكتسب كل خبرة ممكنة، والآن أعتذر منك ، لابد أن أبدأ بالعمل.
نظرت إليه بتفحص ، وتمنت لو أنها تستطيع الحصول على هذا الرجل العنيد رغم جذوره العربية ، لا تشعر بأنها عنصرية ولكنها كانت تتحفظ حول جنسيته العربية ، ولكنها بهذه اللحظات وأمام ذكائه وتحديه نسيت جذوره وصممت أن تحاول مرة أخرى لكسب وده .
إنسحب كمال خلف جهاز الحاسوب ، ورغم إستغراقه في عمله إلا أن صورتها لا تزال تترائى له وكأنها موجودة معه في مكتبه ، هل كانت هي سبب جرأته أمام جاك ؟ هل كانت خيبة أمله من كونها ليست عربية هي التي جعلت غضبه المكتوم يظهر إلى السطح دون أن يكترث بالنتائج ؟ لقد توصل بالفعل إلى برمجه برنامج مميز لشركة كبيرة ، وأصبحت لديه كفاءة عالية حتى جاك لا يعلم عنها الكثير فلقد حاول طوال السنوات الماضية أن يتعلم بصمت دون أن يشعر جاك بذلك كي لا يمنعه من التعلم بطريقة مؤدبة وغير ملموسة ، ولكنها هي التي دفعته لهذه الجرأة ، ربما هو غضبه ، ربما هي خيبة أمله ، وربما هو...الحب ، كرر هذه الكلمة عدة مرات ، وتوقف للحظات عن العمل ليراقب الشارع التجاري امامه ، ربما هو الحب ...حب بعد عشر سنوات من اللاشعور ، من دفن العواطف ومن تمثيلها لزوجته سوزان فقط لأنها زوجته ، عشر سنوات من الجفاف والتصحر في وسط سويسرا الخضراء ، عشر سنوات من العطش العاطفي الذي لا يرتوي والذي دفنه بين مكتبه وبين بيته ، بين زوجته وبين أولاده ، عشر سنوات من الحنين لحبٍ شرقي ، لأرض سمراء ...إنها خصلات الشعر السوداء التي أيقظت كل ذلك الحنين ، إنتبه إلى أن جانيت تراقبه ولم يرغب بأن يبدأ بحديث آخر معها ، فعاد إلى عمله ولكنه لم يكن يعمل بل رسم على الشاشة تلك الخصلات والملامح الشرقية السمراء .
نظر إلى تلك الخصلات السوداء ، ثم رسم ملامحها على جهاز الحاسوب ولكنه توقف حين بدأ برسم عيونها ، وتذكر بأنها ليست عربية ، أدرك بأن روحها لن تكون شرقية حتى ولو كانت ملامحها شرقية ، شيء ما انطفأ في قلبه ن لم يعد لصدى اسمها أي رنين في نفسه ، فما الفرق بينها وبين مئات النساء اللواتي يراهن بكل يوم ، فقط أن ملامحها شرقية ، ولكن عقلها وروحها وقلبها غربي الإنتماء والمنشأ . وفي ثوانٍ قليلة عاد ذلك التصحر والجفاف ، عاد العطش أشد حدة ولكنه أخف وطأة ، عاد إلى شاشة الحاسوب ، هذا الشيء المادي الذي يستجيب لكل طلباته
بل هو الشيء الوحيد الذس يستجيب لمطالبه منذ وصوله إلى سويسرا ، لذا وحين يشتد ألمه يعكف عليه ليس للعمل فقط بل ليشعر بأنه لا يزال موجود بالنسبة لأحدٍ ما حتى ولو كان جهاز الحاسوب. في لحظاتٍ من الغربة والوحدة يتمنى لو أنه لم يأخذ ذلك التكسي الذي أقله لجسر اللنبي ثم إلى جسر الملك حسين ، يتمنى لو أنه لم يأخذ الفيزا ويأتي إلى سويسرا للدارسة، يتمنى لو أنه بقى ذلك الشاب الفلسطيني البسيط الذي يتزوج ويعمل ويلقي بالحجارة على جيش الإحتلال الإسرائيلي ثم يعود في المساء ليخبر أهله عن بطولاته الحقيقي منها والمُتخيل ، يتمنى لو أنه لم يغادر مكانه تحت شجرة الجميز في بيت جدته ولو أنه بقي هناك العمر كله في ساعات العصر حين تخف حدة الحر ويجلسوا جميعاً لتناول الشاي يالنعنع ، يتمنى لو أن كل وجوده كان بيت أهله وزوجة وأولاد وشجرة الجميز والفجر في فلسطين . ولكنه يستيقظ دائماً من أحلام يقظته على صوت جانيت أو جاك يتحدثون معه بالألمانية فتسري القشعريرة في جسده تماماً مثل القشعريرة التي سرت بجسده حين وصل لأول مرة لسويسرا وكأنه لم يعيش منذ سنوات هنا ، كأنه لم يشتري المعاطف الدافئة ولا الأحذية الجلدية الواقية من الثلج والبرد ، في كل مرة حين يستيقظ من أحلام يقظته الآتية من فلسطين يعود لنقطة البداية ، لنقطة الوصول والبرد والألم والوحدة والمعاناة ، لماذا لا يستطيع أن ينسى تلك الأوقات الصعبة ؟ لماذا تبدأ أحلام يقظته بفلسطين وتنتهي ببرد سويسرا ، ومن جديد يحتضن ذلك الذي يستجيب له دائماً ، يحتضن جهاز الحاسوب البارد وتنشأ في كل مرة علاقة ألفة ومناجاه بينه وبين هذا الذي يُقال له جماد ، ولربما هذه العلاقة الحميمة بينه وبين جهازه جعلته أكثر مهارة ودراية ببرمجة الحاسوب فهو عالمه الوحيد الحقيقي في غربة بدأت ولا تنتهي؛ كل ما حوله يقول له بأنه لم يعد غريب وأنه سويسري منذ سنوات طويلة ، وأن زوجته سويسرية وأولاده كذلك وعمله وحقوقه وكل ما يوجد بحياته ، ولكن هناك بأعماق روحه الدفينة هناك إدراك حزين بأنه كان وسيبقى وسيرحل غريباً عن هذه الأرض ، إعتاد على حبس دموعه ، فأتقنت روحه فن إخفائها بعيداً عن الآخرين ، لا يعلم أحد بأنه يبكي غربته سوى هو وروحه التي تشاركه ذلك البكاء الصامت.

***
راقبته من بعيد وهو جالس بصمت في مقعده كالعادة في كل يوم ، لثوانٍ قليلة إلتقت نظراتهما، فألتفت بوجهها إلى الناحية الأخرى ، كانت ترغب أن تراقبه دون أن ينتبه لها ، أن تراقب ملامحه الشرقية وفي كل يوم كأنها تراه لأول مرة ، للحظات شعرت بالندم لأنها لم تتحدث إليه حين تقدم للحديث معها ، والآن يبدو أنه لم يعد يهتم لأمرها ، لا يراقب وصولها أو حركاتها ، يجلس بصمت وجمود في مكانه ، حتى حين ألتقت نظراتهما نظر إليها ببرود ثم عاد إلى أفكاره.
للحظات ، رغبت أن تتوجه إليه وأن تقول له بالعربية : صباح الخير ، ولكنها تسمرت مكانها ، كانت قد أخذت قرار منذ وصولها إلى سويسرا أن تنسى كل ما يذكرها بوطنها المحترق هناك ، فحتى الأماكن التي كانت تعشقها لم تعد موجودة ، لقد أختفى الأشخاص من حياتها والأماكن من ذاكرتها ، لا تريد أي شيء يذكرها بأنها مبتورة الجذور ، ولذلك عكفت لأيام ولليالٍ طويلة على دراسة اللغة الألمانية ، لأنها وبكل وجودها ترغب بأن تنسى وأن تكون بالفعل سويسرية ، ولكنه ذلك الحنين الرابض بصمت في أعماقها ، ذلك الجنين الذي يجعلها تسترق النظر إليه ، ترى من خلال نظراته دفء الشرق ، ولكنها تعود من جديد لتنغلق على ذاتها كي تنسى الألم ، كي تستطيع دفنه في مكانٍ ما من روحها . تعود من جديد إلى أدوات التنظيف ، تُلقي التحية بتحفظ على زملائها في العمل وتتابع عملها كأنها ليست سوى جهاز آلي لابد أن ينفذ الأوامر.
كانت تعلم بأنهم يعلمون بأنها فقدت جميع أفراد عائلتها ,لكنها كانت تتجنب الحديث معهم حول هذا الموضوع ، لا تريد أن تتحول علاقتها معهم إلى شفقة ، ولا تريد أن تتذكر ، تريد أن تحيا فقط دون ذكرى ، دون أمل ودون حنين.
رن هاتفها الخلوي ، أتى صوت ناعم على الطرف الآخر ، إنه داني ابن ربيكا ، ولأول مرة منذ وصولها لسويسرا تشعر بالسعادة لأول إتصال هاتفي لها ، لقد أحبت داني كثيرا وكانت سعيدة لسماع صوته ، أخبرها بأنه يدعوها لحضور معرض لصور إلتقطتها في رحلة له في جبال الألب ، وافقت على الفور.
كان اللقاء ودياً ودافئاً بربيكا وأفراد أسرتها ، خصوصاً داني ، الذي أقبل مسرعاً ليسلم على ليلى ، قال لها بحماس:
_ قبل أن تدخلي إلى المعرض ، توجد مفاجأة لك ..
إبتسمت وقالت :
_ لن تخبرني بما أنها مفاجأة .
_ بل سوف أخبرك كي تحضري نفسك لها. المعرض لصور إلتقطتها بجبال الألب ولكن توجد صورة واحدة مختلفة عن كل الصور ، إنها صورة فتاة شرقية وشعرها أسود...هل تعرفين
من هي ؟
لم تدري بماذا تجيب ، شعرت لوهلة بأنه يتحدث عنها ، ولكنها أبعدت الفكرة فلماذا سوف يضع صورة لها . تابع قائلاً:
_ إنها صورة لك ياليلى ، أحببت أن أضعها في المعرض لأنني وجدت أنها جميلة جداً وأن الناس سوف يحبون رؤيتها .
المفاجأة جعلتها لا تستطيع أن تتحدث ، وقبل أن ترد أمسك يدها واصطحبها لداخل المعرض ، لتجد صورتها معروضة وسط لوحات المعرض ، اللوحات جميعها كانت لمناظر طبيعية خلابة وصورتها هي تبدو شديدة الغرابة بين هذه الصور ، لم تدرِ ماذا تقول أو كيف تتصرف ، فجميع من كانوا في المعرض بدؤوا بالنظر إليها لأنهم عرفوا بأنها هي ، شعرت بالخجل ، ورغبت بالمغادرة ولكن ربيكا فهمت شعورها ، فأمسكت بيدها وقالت لها بلاطفتها المعهودة:
_ أريد أن تتعرفي على شاب عراقي ، إنه رسام ، تعرفت عليه حين كنت مسافرة برحلة إلى بيرن، كان يرسم في محطة القطارات هناك، تبادلنا أطراف الحديث وأخبرته أن ابني يحب الفن كثيراً، ثم إالتقى بداني في بعض المعارض التي يحضرها أحياناً. تصوري لقد أتى من بيرن كي يشاهد المعرض ، بالطبع هو رسام ليس مشهور ولكنه يتشارك مع داني بحب الفن...هيا تعالى سوف أعرفك عليه..
تسمرت مكانها ، ولم تتحرك ، نظرت إليها ربيكا باستغراب:
_ ماذا بكِ ؟
_ لا أريد التعرف عليه ...
_ لماذا ؟
_ لأنني ..لأنني أخذت قرار منذ وصولي ألا أتعرف على أي عربي لا أريد أن أتذكر وأتألم .
صمتت ربيكا ولم تعرف بماذا تجيب ، ولكن إقتراب بسام لم يدع لهما مجال لمتابعة الحديث
إقترب وهو يبتسم ووجه الحديث لليلى بالعربية :
_ هذه أنت ، لقد عرفتك من الصورة ، صورة جميلة فعلاً ، أخبرني داني بأنك سورية ..
تجمدت مكانها للحظات ، ثم قالت ربيكا لتخفف من ثقل الموقف :
_ لا أفهم العربية ولكن يمكنني أن أخمن ما تقوله لها ، أجل إنها هي ، اسمها ليلى...
تعمدت ربيكا أن تستأذن وأن تتركهما معاً في محاولة منها للضغط على ليلى للحديث معه.
نظرت إليه ليلى وشعرت بأنها لابد أن ترد ، فقالت ببرود:
_ أجل ، إنها أنا ، ولكنني لم أرغب بأن يعلق صورتي هنا .
_ لماذا ؟ فصورتك جميلة وأضفت جواً جميلاً على المعرض .
_ أشكرك ، أنت رسام عراقي أليس كذلك؟
_ أجل ...وأعمل أيضاً كعامل تنظيف بأحد الشركات ..
حين أخبرها بأنه يعمل كعامل تنظيف ، شعرت بأنه يوجد شيء مشترك بينهما عدا كونهما عرب ، فقالت له:
_ أنا أيضاً ، أعمل عاملة تنظيف في محطة قطارات بازل .
_ لابد أنه عمل متعب..
_ أجل ، ولكن أنا مرتاحة به ولا شيء يضايقني.
نظرت حولها في محاولة للتوقف عن الحديث ، ولكن نظراته كانت تراقبها بهدوء ، ثم قال مبتسماً :
_ يبدو أنك تشعرين بالضجر هنا !
صمتت للحظات ثم قالت دون أن تنظر إليه:
_ لا أشعر بالضجر ولكني لا أستطيع أن أتأخر ، فموعد آخر ترام بعد ساعة من الآن ، ولا أحب أن أتأخر ليلاً .
_ هل تشعرين بالخوف وحدك في بازل ؟
نظرت إليه فجأة وقرأت ما يريد أن يقول ، لم ترغب بالرد ، بل رغبت بالهروب لأنها فعلاً تشعر بالخوف وحدها في بازل خصوصاً في الليل ، فقط رجل عربي يستطيع أن يفهم هذا الشعور أو يخمنه ، لم ترد لأن أي إجابة سوف تفضح خوفها وقلقها وتوترها ، قالت بسرعة:
_ أعتذر منك ، لابد أن أبحث عن داني وأن أسلم عليه قبل أن أغادر . فرصة سعيدة ، وداعاً.
لم يتحرك من مكانه وبقي يراقبها تبتعد ، ثم نظر إلى صورتها المعلقة وسط القاعة بجمالها الشرقي الهاديء . تأمل لدقائق صورتها الشفافة، وكان يرغب أن تنطبع كل ملامحها في ذاكرته ليس لأنها شرقية فقط بل لأنها جزء من تلك الأرض هناك التي يحبها ويشتاق لها . فجأة عادت إليه نسمات بغداد الصيفية وعادت معها صورة هيفاء ، صورتها أعادت له كل ذكرياته الشرقية دون بكاء ودون حزن ، إنه الحنين ، الشوق والشعور بالضياع من جديد.
وقفت صامتة بوسط الصالة ، تنظر بهدوء للصور قبل أن يأتي أحدٌ ما للحديث معها ، نظرت إلى الصور الكبيرة لجبال الألب بقممها البيضاء والسوداء والخضراء ، بتلك القرى المتناثرة بين الجبال وفي الوديان ، بشرفات البيوت المزينة بأحواض الورود الحمراء والصفراء ، والجداول الصغير والكبيرة التي تخترق الجبال ، وقمم الجبال الشاهقة الإرتفاع التي تكسوها الثلوج ، وضباب ناصع البياض يغطي تلك القمم الشاهقة ؛ وحين يأتي الصيف تبقى تلك الثلوج في المرتفعات وتتحول المنحدارت والوديان إلى حدائق خضراء . ذلك اللون الأبيض الناصع يحتل مساحة كل الصور حتى لون الأشجار الأخضر يبدو باهتاً بجانب عمق اللون الأبيض . وشجرة وحيدة تقف دون أوراق بين الصخور البيضاء ، من زرع تلك الشجرة الوحيدة هناك بين الصخور؟ وكيف صمدت ولا أشجار أخرى حولها ، تتسلل عبر أغصانها أشعة شمس الغروب فتبدو الشجرة الوحيدة أجمل ما في تلك الصور ؛ إنها وحدتها وتفردها ثم مقدرتها على الحياة والبقاء ، لا بل تمتعها بالحياة والبقاء ، تبدو سعيدة فخورة بأن تكون هناك بين الصخور وبين مساحات الثلج التي لا تنتهي ، أحبت تلك الشجرة بوحدتها وبصمتها وبتآلفها مع الصمت والبرد . نظرت بتأمل لتلك لها وشعرت بهدوء ناعم يتسلل لكل قطرة دم بجسدها ، شعرت بحب دافق لتلك الجبال ولذلك اللون الأبيض الذي يبدو كأنه يناديها ، كأنه يهمس لها بأن تنسى الألم وأن تنسى الذكريات ، وأدركت ما هو الرابط الذي شعرته حين رأت هذه الجبال لأول مرة ، لقد كان ذلك اللون الأبيض ، أن تكون لها ذاكرة بمثل هذا اللون الناصع البياض ، هذا اللون غير المختلط بأي ذكرى أو صورة قديمة ، شعرت بأن هذا اللون يغلف روحها ورغبت أن تنظر لتلك الصور لساعات وساعات ، لأن هذه الصور فقط جعلت الذكرى المؤلمة تخفُت في أعماقها ، وكأن هذه الجبال تداوي ألمها وشوقها وحنينها ، أستسلمت للون الأبيض ونسيت وجودها في الصالة ، وشعرت لأول مرة منذ وصولها لسويسرا بأن هناك ما يربطها بسويسرا ، إنها هذه الجبال التي لم تكن غريبة عن روحها ومشاعرها رغم قساوة مظهرها ولكنها مفعمة بالشعور والإنتماء لشيء أعمق من المكان ، لشيء انساني يجعلها تنسى كونها غريبة ، فالنظر لهذه الجبال أزال ولو للحظات شعورها بالغربة ؛ فمكثت أمام الصور صامتة ومذهولة ونسيت وجودها في صالة المعرض ؛ نظر إليها بعض الأشخاص الذين حضروا لمشاهدة المعرض ، وشعروا بغرابة نظراتها ، تهامسوا بكلمات قليلة ، لاحظت ربيكا نظراتهم وأسرعت بإتجاه ليلى قائلة لها:
_ ليلى ، أحضرت لك فنجان من القهوة..
نظرت إليها ليلى بدهشة وكأنها تستيقظ من حلم عميق وقالت بهدوء:
_ أشكرك يا سيدتي ...أنا سعيدة بمشاهدة هذه الصور ، داني سيكون فنان مشهور يوماً ما ..
_ لابد أن تتوقفي عن مناداتي بالسيدة ، نادني من الآن فصاعداً بربيكا ...رأيك هذا سوف يسعد داني كثيراً . ما الذي أعجبك بهذه الصور؟
_ داني لم يصور المكان فقط ، ولكنه نقل لنا روح المكان أيضاً ؛ هل تعلمين أن للأماكن أرواح أيضاً !
إبتسمت ربيكا وقالت:
_ لا ، لا أعلم ، يبدو أن الشرق يمنح الروح لكل شيء ...
أجابت ليلى وكأنها ليست موجودة في تلك الصالة ببازل :
_ أجل ، لابد أنه الشرق ، هناك كل شيء له روح ، حتى المائدة الصغيرة التي كنا نشرب عليها القهوة أنا وأمي كان لها روح ، روح دافئة حنونة جميلة ، وهنا ...
توقفت ربيكا عن الابتسام وشعرت بحزن ليلى وقالت :
_ وهنا الغرب ...
_ أجل هنا الغرب ، من يمتلك الأروح البشر فقط وربما هذا هو الفرق بين الشرق والغرب..

قبل أن تتابعا الحوار اقترب داني من ليلى ، ومدت يدها لتصافحه ، فأقترب منها وطبع قبله على خدها ، شعرت بالحرج الشديد ، فقال لها وهو يضحك:
_ أعلم أن هذا ممنوع في العالم العربي ، لقد قرأت عن ثقافتكم ، ولكنني لست رجلاً بعد ولا مانع أن أقبلك إلى حين سن البلوغ .
ومن خلال نظراتها التائهه ضحكت وإقتربت منه لتقبله بدورها وقالت وهي تبتسم:
_ أجل يا داني ، إلى أن تصبح رجل يمكنك تقبيلي ...سوف تصبح فنان مشهور. وحينذاك هل يمكنك أن تصطحبني برحلة إلى جبال الألب؟
إبتسم بسعادة فائقة وقال :
_ ربما سأكون مشهور بفضل صورتك الجميلة...وسوف أصطحبك لجبال الألب قبل أن أصبح مشهور ، يمكننا أن نذهب مع أمي وأبي في العطلة المدرسية المقبلة ...
هزت رأسها مبتسمة، أقترب مارك منها وكأنه يرغب بتقبيلها ، فإبتعدت كي يفهم انها لا تريد ذلك ، كانت تشعر بإعجاب مارك بها وتتجاهل ذلك الإعجاب ، فقال ليتجاهل الموقف الذي تعرض له:
_ هل فكرت يا ليلى بأن تدرسي هندسة عمارة ؟ لقد قلت لك أنني سوف أساعدك بذلك...
_ لم أفكر بعد ، ولكنني أعدك بأنني سوف أفكر لأنها فكرة جيدة .
شربت ما تبقى لها في فنجان القهوة ، واستأذنت تريد المغادرة ، ولكن مارك تدخل من جديد ليعرض عليها أن يوصلها إلى بيتها ، رفضت بحجة ضرورة وجودة مع داني في المعرض ، ألقت عليهم التحية ، وقبل أن تغادر وقفت قليلاً تنظر إلى صورتها ثم تنظر إلى جبال الألب ، لابد أن رابطٍ ما سيربطها بهذه الجبال ، ربما هو القدر ، وربما أن حياتها ستكون وعرة مثل هذه الجبال ، ربما أشياء كثيرة ولكن الشعور بالتنافر الذي إنتابها حين وصلت ولدى رؤيتها لصورتها بين هذه الجبال تلاشى وحل محله شعور بالانسجام والألفة ، لقد أحبت صورتها المعلقة بين هذه الجبال ، إبتسمت لنفسها قبل أن تغادر وشعرت بشيء من السعادة تسري بعروقها.
جلست في المقعد الأخير من الترام ، لقد كان آخر ترام سيمر ببيتها هذه الليلة ، لم يكن في الترام سوى عدد قليل من الركاب ، شعرت بالخوف ، فهذه المرة الأولى التي تستقل بها الترام وحيدة بساعة متأخرة من الليل . أنكمشت في مقعدها تنظر حولها بقلق وتعد الدقائق إلى أن تصل إلى بيتها ، رأت صورة وجهها الخائف تنعكس على زجاج النافذة المعتمة ثم تصبح واضحة حين تمر بأضواء الشوارع ، فترى صورتها تارة ثم تختفي تارة أخرى ، ولكن الخوف لا يختفي ، لم تعد تستطيع أن تفكر بالمعرض وبأي شيء آخر ، سوى رغبتها بالعودة بسرعة لغرفتها . أصبح كل الوجود هو هذه العودة الآمنة للبيت . وحين وصل الترام نزلت مسرعة وركضت بإتجاه سكنها ، نظر إليها من في الترام بإستغراب ، لم تلتفت لنظراتهم وتابعت ركضها نحو غرفتها.
بين الأغطية الدافئة إسترجعت الصور التي رأتها ، وتذكرت الرسام العراقي وتذكرت أن اسمه كان بسام ، لم تتذكره لأنه عربي ، بل تذكرته لأنه علم بأنها ستكون خائفة بطريق العودة ، وشعرت بنسمة شرقية تسري بعروقها ، تلك النسمة لم تحمل لها السعادة بل شعور جارح بالغربة ، وهو جعلها تتذكر كم هي وحيدة وخائفة وغريبة .... ومن جديد أغرقت نفسها بنومٍ من النسيان ودفن المشاعر كي تستطيع أن تستمر على قيد الحياة.

***
جلس بسام على المقعد البارد في محطة قطارات بازل منتظراً وصول القطار الذي سيستقله بإتجاه بيرن . في كل مرة يكون دون ألوانه وريشته يشعر بهذه الوحدة العميقة ، ولكن هذه الوحدة تمنحه فرصة تأمل الآخرين والأماكن من حوله ، لذا لم يشعر بالضجر . جلس هناك يتأمل رواد المحطة من مغادرين ومن أشخاص يترجلون من القطارات . إنها الساعة العاشرة ليلاً ، ينظر له شرطي من بعيد وبعيون متشككة ، كأنه يود أن يسأله ماذا يفعل هنا ولكنه ينتظر فرصة ما أو خطأ ما يصدر من بسام . نهض بسام كي يقطع على الشرطي شكوكه واشترى أول صحيفة وقعت تحت يديه كي يدفن رأسه في صفحاتها دون أن يهتم فعلاً بما سيقرأه ، رغب فقط أن يتجنب نظرات الشرطي . ولكن فضول الشرطي ازداد حين رآه يقرأ الجريدة ؛ فوقف يراقب بسام بعناية أكبر.
شعر بسام بنظراته ، فوضع الجريدة جانباً ، وتجاهل نظرات الشرطي ، بد بمراقبة الناس والمكان من جديد ، محطة قطارات بازل ليست كبيرة مثل محطة قطارات بيرن ، فمحطة قطارات بازل تبدو قديمة وأصغر من المحطة في بيرن ، ولا تمنحه سعة الخيال والتجوال في الوجوه والجنسيات مثل بيرن ، لذا شعر بالإرتياح لأنه أختار البقاء في بيرن ولكن نظرات ذلك الشرطي كانت تشوش أفكاره. نظر إلى ساعته ، تبقى نصف ساعة لحين وصول القطار الأخير الذي سيقله إلى بيرن. قرر أن يتجاهل الشرطي وأن يغمض عينيه في انتظار وصول القطار . وصل القطار أخيراً ، صعد بسام للقطار وتنفس الصعداء ، أخيراً سوف يتخلص من نظرات الشرطي المتشككة وسوف يشعر بالهدوء بطريق العودة إلى بيته في بيرن ، أصبحت بيرن وطن ثاني بالنسبة له بعد بغداد.
جلس بهدوء في القطار كأنه يجلس في بيته ، فتواجده الدائم في محطة قطارات بيرن أوجدت ألفة غريبة ما بينه وبين القطارات ، كأنها بيت ثاني له . الآن فقط يمكنه أن يستعيد أنفاسه وأن يفكر بهذه السهرة التي قضاها في بازل ، ويفكر بتلك الفتاة السورية غريبة الأطوار ، إنها جميلة ولكن لم يكن في قلبه مكان سوى لهيفاء ، ولكنه شعر بتعاطف غريب تجاهها ، ورغب أن يوصلها إلى بيتها لأنه شعر بخوفها من العودة وحيدة لبيتها في الليل ، ولكنه خشي ان تُسيء فهمه ، للحظات تمنى لو أنها تعيش في بيرن ليتمكن من السؤال عنها ومساعدتها إن أحتاجت لذلك . ثم تذكر كيف تعرف على ربيكا ، التي كانت في زيارة لبيرن وتوقفت لتننظر إلى لوحاته وأخبرته أن لديها ابن يحب التصوير كثيراً ، ومنذ ذلك الوقت نشأت بينهما علاقة صداقة كان داني هو سببها ومحركها ، ففي كل مرة يتصل داني ببسام ليسأله عن الرسم والتصوير ، ويدعوه لأي معرض يوجد في بازل ، يتمكن أحياناً بسام من الذهاب وأحياناً أخرى لا يستطيع ذلك ؛ ولكنه هذه الليلة كان مرتبك بسبب وجود ليلى الفتاة السورية ، شعر بالمسؤولية تجاهها ، وشعر بأنها وحيدة وخائفة . إنتابه الضيق لأجلها ، ففتاة عربية بسنها لابد أن تكون مع أسرتها التي تحميها وتمنحها الأمن والدفء ؛ ولكن هذه الفتاة الشابة والجميلة تبدو خائفة وحزينة بل وممزقه . لم يسمح الوقت له أن يسأل ربيكا عنها ، لأنها كانت مشغولة بالحديث مع اصدقائها وأصدقاء داني ، لذا قرر أن يتصل بها لاحقاً كي يعرف تفاصيل أكثر عن ليلى.
لم يكن يستطيع أن يرى شيئاً من خلال النافذة ، لم ير سوى إنعكاس وجهه المتعب على الزجاج الأسود ، شعر بالنعاس ، فأغلق عينيه ليستسلم للنوم . لم يكن يوجد أي صوت سوى صوت القطار وهو يسير مسرعاً على القضبان الحديدية ، عدد قليل من الركاب كانوا يجلسون بصمت.
رغب فعلاً أن يصل لبيته وأن يكون بسريره الدافيء ، وشعر بالإرتياح لأن يوم الغد يوم سبت وهو يوم عطلة له ، لقد إشتاق للوحاته وألوانه ، فهو لم يرسم منذ أن بدأ العمل في الشركة ، ورغم تعبه يشعر بالسعادة لأنه أخيراً أصبح يستلم أجر شهري ، فقط كان في السابق ينتظر أن يشتري أحد ما لوحة من لوحاته ، وأحياناً كانت تمر أيام دون أن يتمكن من بيع لوحة واحدة ، أما الآن فهو يرسم برغبة حقيقة ودون خوف ، لأنه لديه دخل ثابت وقد صمم على إتقان عمله وألا يرتكب أي خطأ مهما كان صغير . الآن فقط يستطيع أن يرسم دون خوف ، الشوق ملأ روحه ليوم الغد ، فهو اليوم الأول له في محطة القطارات منذ أن إستلم عمله ، لم يذهب للمحطة لمدة ثلاثة أسابيع وهو يعد الدقائق ليبدأ بالرسم غداً صباحاً.
توقف القطار معلناً وصوله إلى بيرن ، وبسرعة نزل من عربة القطار متوجهاً نحو الباص الذي سيقله لبيته . أخيراً إستلقى على سريره ولم يفكر بأي شيء سوى بالنوم العميق ، حتى هيفاء لم تخطر على باله بهذه الليلة المليئة بالأحداث وبالتعب ، غداً سيكون له كل الوقت للتفكير والشعرو ربما الحلم أيضاً.
تسلل خيوط النور الخجولة عبر النافذة المُحكمة الإغلاق ، تذكر بسام أن اليوم هو السبت ، شعر بسعادة غامرة لأنه سوف يذهب اليوم إلى محطة القطارات ليرسم أو يبيع لوحاته ؛ لقد أصبحت محطة القطارات بيت ثانٍ له . لكنه اليوم قرر أن يتجول قليلاً في شوارع بيرن القديمة قبل أن يبدأ الرسم في المحطة . وشعر بسعادة أكبر لأنه يوجد لديه ما يكفي من المال لأكل الكرواسون الساخن مع القهوة السويسرية اللذيذة بجانب المحطة ؛ لقد كانت هذه القهوة حلم بالنسبة له فيما مضي ، المرة الوحيدة التي أكل بها الكرواسون الساخن كانت مع كريستا التي دعته إلى ذلك المقهى الدافيء والجميل ، بمقاعده الأنيقة وبأرضيته الرخامية اللامعه.
لأول مرة يمتلك الجرأة على دخول المقهى الأنيق ، فقد أصبح لديه ما يكفي من النقود ليتمتع بإفطار ساخن. جلس في المقهى الدافيء يراقب الناس الذين يسيرون من خلف النافذة ، ولأول مرة منذ وصوله لسويسرا يشعر بإرتباط رقيق يربطه بهذا البلد . الأشياء التي يحبها هنا ومشاعره تجاه هذا المكان بدأت تشكل روابط خفية وصامتة بينه وبين هذه الأرض الغريبة عن جذوره . اليوم فقط يمكنه أن يشعر بأنه سويسري بعض الشيء ، لأنه يجلس في مقهى دافيء ، يتأمل بهدوء ودون إستعجال المارة من خلف النافذة ، لديه ما يكفي من النقود ؛ اليوم يمكنه أن يرسم بصورة مختلفة . وفجأة أتت صورة ليلى الخائفة إلى تفكيره ، لم تكن تبدو خائفة بالنسبة لمن حولها في ذلك المعرض ولكنه الوحيد الذي شعر بخوفها ، شعور داخلي غريب جعله يشعر بالقلق لأجلها ، كيف تعيش وأين تعيش ، ليس أهتماماً عاطفياً ولكنه فعلاً شعر بمدى خوفها ووحدتها. فكر بأنه يمكن أن يحبها ، ولكن هناك هيفاء ، ثم آتاه السؤال الدائم : إلى متى ستنتظر انسانه قد تكون ميتة ، قد تكون أشياء كثيرة ولكنها حتماً لن تكون في سويسرا ؛ لذا أعاد التفكير بليلى ، ولما لا فهي جميلة ، ثم تردد قليلاً وقرر أخيراً ألا يفكر بهذا الموضوع نهائياً على الأقل خلال هذه الأشهر ، لأنه لابد أن يركز في عمله وفي رسوماته ، وأن يستمتع الآن بهدوءه المالي بعد فترات طويلة من التعب والفقر .
تذكر بأنه لابد أن يرى الإيميل الخاص به في قهوة النت المقابلة لمحطة القطارات ، دفع الحساب وخرج لمقهى النت ، وكالعادة لم يكن هناك سوى إيميل من كريستا تخبره بأنها ستمر لرؤيته في المساء ، وإيميل آخر وهو الذي ينتظره دائماً من صديقة منصور في عمان . فمنصور يعيش في عمان منذ الحرب على العراق ، وهو تاجر وضعه المالي ممتاز ولم يرغب ولو للحظة بأن يعيش في أوروبا رغم أنه يحمل الجنسية البريطانية ، وهو من ساعد بسام على القدوم إلى سويسرا ودفع له تكاليف الرحلة ، وطلب من أصدقاء له في بيرن أن يقدموا له المساعدة .
كان ينتظر شيء واحد من منصور ، أي أخبار عن هيفاء ، لأن منصور لديه علاقات واسعه من العراقيين في الأردن ، لذا كان أمله الوحيد أن يخبره أنه وجد هيفاء أو عرف بأنها على الأقل على قيد الحياة . وكالعادة يفتح الإيميل ويقرأ أخبار منصور ، ولكن لا شيء ، حتى أن منصور بدأ يتجنب أن يكتب اسم هيفاء ، لقد قال له في الإيميل السابق بأن ينساها ويبحث عن انسانه أخرى حتى ولو كانت أجنبية وأن يبدأ حياة جديدة . فأجابه بسام بأن معه حق ، ولكنه سيمنح نفسه فرصة أخيرة خلال هذا العام ، فإن لم يعثر عليها أو لم تصله اي أخبار عنها سوف يبدأ حياة جديدة خصوصاً وأنه قد وجد عمل حالياً. أغلق الحاسوب ، وحمل ريشته ولوحاته وأتجه نحو المحطة أو بالأحرى نحو بيته الثاني في زاويته الدافئة المفضلة ، جلس على مقعده الصغير ، ورتب لوحاته وألوانه ، وجلس قليلاً يراقب المحطة الضخمة ، القطارات التي تأتي والتي تغادر ، المسافرون القادمون والمغادرون ، الأقدام السريعة أو البطيئة ، الهادئة او المتوترة ، التعيسة أو الحزينة ، كل منهم لديه حياة ولديه قصة ، وكل منهم يعتقد بأنه مركز هذا الكون ، فقط بسام لا يعتقد بأنه مركز هذا الكون ، بل مجرد عراقي رمته الأقدار على هذه الأرض السويسرية ، لذا يرسم بصفاء ونقاء داخلي ، لأنه ليس سوى انسان يريد أن يعيش حياة بسيطة هادئة وإذا أمكن أن تكون هذه الحياة مع هيفاء .
دون تفكير ، حضرت صورة ليلى الجميلة والخائفة إلى أفكاره ، ليس لأنه شعر بمشاعر ما تجاهها ولكنه ذلك الشعور بالتعاطف لأجلها ، لأنها عربية شابة ووحيدة ، لم تكن مشاعره لأجل ليلى بالتحديد بل لأجل اي عربية إضطرت أن ترحل إلى بلاد أخرى وحيدة ودون أهل . قرر أن يترك للريشة الخيار فيما ترغب أن ترسمه وألا تتدخل أفكاره بما سترسم . بهدوء خطت الريشة وجه ليلى ، وخصلات شعرها السوداء ، رسمتها تسير وحيدة في شوارع بازل ، ورسمت عيونها الخائفة ووجها النحيل الذي ينظر بقلق لكل الأماكن و الوجوه ، ثم رسم يديها اللتان تشدان معطفها حول جسدها الذي يشعر بشدة البرد ، تبدو بشرتها شاحبة لذلك البرد القارس ، وقدماها تسيران بصعوبة بمواجهة الهواء البارد والثلج الذي يتساقط بصمت وهدوء ، وفي زاوية أخرى من الصورة تبدو ذاكرة ليلى هناك ، حيث توجد شمس صغيرة أختبئت خلف جدران البيوت السويسرية ، ليلى تسير في طرقات بازل في اللوحة ولكنها تنظر لتلك الشمس الموجودة هناك عميقاً في ذاكرتها وتتابع المسير كي لا ترى الشمس من جديد.
غرق من جديد في لوحته ، وحين إستيقظ ليرى ما خطته ريشته ، نظر بتأمل لتلك اللوحة وشعر بأنها أجمل ما رسم ، وقبل أن يتابع تأمله بلوحته ، أنتبه لرجل عجوز ينظر للوحته ، سأله الرجل إن كانت هذه اللوحة للبيع ، أجابه بسام بالنفي وأنه لا يرغب ببيعها ، ولكن الرجل لم يتحرك من مكانه ، وبقي ينظر إلى اللوحة ، ثم عاد من جديد يطلب من بسام بيعها وبالسعر الذي يريده وقبل أن يجيبه بسام ، رأى جوليانا تأتي من بعيد ، خفق قلبه قليلاً لأنها تذكره بهيفاء ، وأدار وجهه ربما لا تتذكره فهي ممثلة مشهورة ولابد أن يكون متحفظ معها. ولكنها كانت قادمة بإتجاهه ، قالت مبتسمة:
_ مرحباً ، لقد نسيت اسمك ولكنني لم أنسى وجهك ومكان جلوسك ، لقد حضرت لأراك اليوم.
نظر لها بسام بإستغراب وقال :
_ ماذا ! أتيت لتريني ...ولكن لماذا ؟ ماذا هناك ؟
_ لاتقلق ، كل ما في الأمر هو أن صديق لي رأى اللوحة التي أهديتني أياها ، وهو مُعجب كثيراً بها ويريد لوحة مثلها تماماً وأخبرني...
وقبل أن تتابع لاحظت اللوحة التي كان يرسمها بسام فقالت بدهشة:
_ ما أجمل هذه اللوحة ، أريد أن أشتريها ، إنها رائعة ، رائعة ، كم ثمنها ؟
أجاب بسام بتردد وهو ينظر إلى الرجل الذي لا يزال واقفاً والذي يبدو أنه سمع أن جوليانا تريد شرائها، فسألني مرة أخرى إن رغبت ببيعها ، ولكنني عدت وأخبرته بأنني لن ابيعها ، بدا الضيق واضحاً على وجهه. نظر إلى جوليانا وقال لها شيء ما لم أسمعه وحين إنتهى نظرت لي جوليانا بهدوء وقالت :
_ إنه يرجوك أن تبيعه اللوحة بالثمن الذي تريد ، الفتاة التي رسمتها تشبه تماماً ابنته التي ماتت قبل عامين ، وهو مستعد لأن يدفع المبلغ الذي تريد ...
نظرت إليها ولم أدر ماذا أقول، وبتردد قلت لها:
_ ولكنك تريدين أن تشتريها أيضاً !
_ أجل ، ولكن أعتقد بأنه أحق مني بشرائها ، ثم يمكنك أن ترسم لوحة مثلها لي .
_ لم يسبق لي أن رسمت لوحة مرتين ، ولا أستطيع أن أرسمها بذات التفاصيل ، لابد أن أحتفظ باللوحة الأصلية لأتمكن من رسمها مرة أخرى ...حسناً ، سأبيعه اللوحة
نظر إليه بسام وقال:
_ عليك أن تأخذها يوم السبت القادم ، لأتمكن من رسمها مرة أخرى .
وافق على الفور ، ثم قال لها شيء ما ، وأجابته وهي تهز رأسها ، نظرت إلى بسام وقالت:
_ لقد سألني إن كنت أثق بأنك ستكون هنا يوم السبت القادم وأخبرته أنه يمكن أن يثق بك.
والآن ، هل يمكن أن نشرب القهوة معاً..
نظر بسام إليها والدهشة تملأ أفكاره ، كيف سيشرب القهوة مع هذه المرأة الجميلة والمشهورة ، ثم لماذا تهتم بأن تدعوه للقهوة ، رغب أن يرفض دعوتها ولكنه تردد ، ثم قال :
_ حسناً ، ولكن لدي شرط وهو أن أدفع أنا الحساب ، فأنا شرقي ولست سويسري .
ضحكت وهزت رأسها بالموافقة.
ومن جديد عاد معها إلى المقهى الدافيء ، تحدثا طويلاً عن العراق وعن الرسم ، وأين تعلم الرسم ، لقد كانت مهتمة بطريقته في الرسم وبثقافته الشرقية لأنها لم تزور من قبل أي بلد عربي . وحين أنتهيا من شرب القهوة ، عادا إلى محطة القطارات ، أعطته جوليانا رقم هاتفها وأخبرته أنها ستدعوه لمشاهدة أحد العروض المسرحية التي تشارك بها. ثم ودعته وانصرفت ؛ ألتفت بسام لينظر إليها وهي تغادر بقامتها الطويلة وبشعرها الأشقر الجميل ، وبلحظة خاطفة التفتت هي أيضاً لتنظر إليه بذات الفضول ، ألتقت نظراتهما ، وإبتسما . وعاد بسام ليرسم ليلى من جديد، ولحسن الحظ أنه إحتفظ باللوحة الأصلية وإلا لأمتزجت ملامح ليلى بملامح جوليانا الجميلة . تابع الرسم بهدوء على صوت القطارات وهي تغادر أن تصل للمحطة ، وتحت نظر المارة الذين يتوقفون لتأمل اللوحة التي يرسمها ، وقبل أن يسأله أحد منهم أي سؤال كتب على ورقة كبيرة ، أن لا يزعجه أحد بالحديث وهو يرسم . لذلك كانوا يقفون بصمت يراقبونه اللوحة ويراقبون إنهماكه في الرسم ؛ وتحولت محطة القطارات إلى مرسمه المفضل ، يجد به هدوءه النفسي رغم الضجيج ، ويجد جمهوره رغم أنه غير مشهور ، نظر حوله إلى محطة القطارات الواسعة وشعر بأنه يحب سويسرا فعلاً .
وفي يوم السبت أتى الرجل الذي يريد شراء اللوحة، نظر الرجل إلى اللوحة وقال لبسام :
_ هل رسمت هذه الفتاة من خيالك أم أنها موجودة فعلاً؟
_ هي...إنها موجودة ، ولكنني بالكاد أعرفها.
_ أرجوك ، هل يمكن أن أتعرف عليها ؟
_ لا أدري ، فهي غريبة الأطوار قليلاً ، وربما لن تفهم ماذا تريد منها ...
_ أرجوك ، سوف أوضح لها ما أريد ، اريد فقط أن أراها وأستمع لصوتها.
_ ولكنها ليست سويسرية بل عربية!
_ لا يهم ، المهم أن أراها.
صمت بسام قليلاً ثم أجاب:
_ حسناً ، ربما يمكن أن تراها في محطة قطارات بازل ، لأنها تعمل هناك...
_ هل يمكن أن تأتي معي ، سوف أدفع كل تكاليف الرحلة.
تردد بسام ، ولكنه شعر بمدى حاجة ذلك الرجل العجوز لرؤيتها ، فأجاب بعد تفكير:
_ أنتظر قليلاً ، سوف أتصل بصديقة لي تعرفها جيداً.
أتصل بهاتفه الخلوي بربيكا وأخبرها عن اللوحة وعن رغبة الرجل برؤية ليلى ، أستغربت كثيراً ، فاشار له الرجل بأنه يريد الحديث معها ، تناول الهاتف وتحدث معها مطولاً، ثم أعاد الهاتف لبسام ، قالت له ربيكا :
_ لا أعتقد بأن هذا قد يضر ليلى سوف أتحدث معها وأخبرها ، وفي كل الأحوال يمكنك الحضور معه يوم الجمعة القادم لأنها لا تعمل يوم السبت ، وهذا يعني أنك ستتغيب عن عملك ، ربما تكون هذه المقابلة جيدة لها ، ولابد أن تحضر اللوحة معك ، ربما سيزعجها أنك رسمتها ولكنك يمكن أن تبرر لها ذلك بنفسك .
إنتهت المكالمة وقال له الرجل العجوز على الفور:
_ سوف أدفع لك كل تكاليف الرحلة وكذلك مبلغ من المال لمساعدتك لي والثمن الذي تريده لهذه اللوحة.
_ أتفقنا ، إلى اللقاء يوم الجمعة القادم ، الساعة التاسعة هنا.
***
لم يعد كمال يسعى للحديث مع ليلى، بل أكتفى بأن يراقبها من خلال نافذة القطار وهي تنظف ما تبقى من المقاعد ثم ترحل. حتى أنه اليوم أشاح بوجهه عنها لأنه لم يعد يهتم لها حيث أنها ليست عربية. وبدأ بالتفكير بالعرض الذي قدمته له أحد شركات الكمبيوتر في بازل، فكر بأنه عرض جيد ولكنه سوف يضطر للغياب عن أسرته فترات أطول بسبب ساعات العمل الطويلة، ولكن الأجر مغري كما أنه سيتخلص من جاك وعنصريته، وتمنى للحظات لو أنه يستطيع أن يؤسس شركته الخاصة وأنه لابد أن يفعل ذلك يوماً ما .
ولكنه تردد لأن أجرة السكن رخيصة في مدينة موتنز حيث يعيش مع أسرته الصغيرة وكان لابد أن يقرر خلال أسبوع. عاد للنظر إلى ليلى وإلتقت نظراتهما للحظات ثم أدارت ظهرها، لم يهتم لتصرفها فلم يعد لها أهمية بالنسبة له كالسابق ؛ وفكر بأنه لم يراها إذا بدأ عمله الجديد لأنه لن يضطر للحضور لمحطة القطارات. شعر بإرتياح لأن صفحة أخرى تنطوي من حياته كان يمكن أن تمتليء بالمشاعر والحنين الذي لم يكن لديه الوقت أو الطاقة له، لذا قرر وفي مقعده في القطار أن يستلم عمله الجديد وأن يُنهي كل أوراقه لدى الشركة حيث يعمل جاك.
أستقبلته جانيت بإبتسامتها المعهودة ، نظرت إليه من طرف عينها وقالت:
_ أرى أنك منزعج ، هل هناك مشكلة ما؟
_ لا ، ولكنني قررت أن أترك هذه الشركة وأن أقبل العرض في شركة أخرى.
أجابته والدهشة تملأ ملامحها، ليس الدهشة فقط بل والغضب أيضاً:
_ ماذا ؟ لماذا تغادر هذه الشركة ؟ لقد أعتاد جاك على وجودك هنا، ثم أن راتبك اصبح أعلى من السابق...ثم أنني ...
نظر إليها دون أن يرغب بسماع المزيد، ثم قال ببرود:
_ أجل ، أعرف كل هذا ولكنني بحاجة لإكتساب خبرة جديدة ، لقد قررت أن أكون من أفضل مهندسي الكمبيوتر في بازل والفضل بذلك يعود لجاك .
أجابت دون تفكير:
_ ولكن ماذا سأفعل بدونك؟ أنا معتادة على وجودك ، بل إنني...
صمت ولم يرغب بالرد ، ولكن نظراتها كانت واضحة ، حتى أن الدموع بدأت تلتمع بعينيها ، فإضطر للحديث:
_ جانيت ، لا تكوني عاطفية أكثر من الازم ، نحن زملاء في العمل ، وسوف نبقى أصدقاء ، يمكننا شرب القهوة معاً مع زوجتي من حين لآخر مثل أي أصدقاء...
قاطعته بعصبية:
_ لا تهمني زوجتك ، أنت لا تفهم ..
_ بل أفهم ، ولأنني أفهم لابد أن أغادر هذه الشركة ، أنا متزوج يا جانيت ، ولا أستطيع أن أخون زوجتي حتى ولو بأفكاري ، وأنت امرأة جميلة أي رجل سيرغب بالزواج بك فلماذا..
قاطعته بغضب وقالت:
_ لا أريد أن تخبرني بما هو صحيح أو خطأ ، ولا يهمني أنك متزوج ، لدي مشاعر تجاهك وهذا ما يهمني ، لا أدري كيف أعبر لك عن هذه المشاعر ، والأسوء أنها أتت دون أن أتوقع ذلك ، لم أتخيل بأي وقت أن أحمل مشاعر لرجل شرقي غريب عن ثقافتي ، ولكن هذه هي الحقيقة ، أنت تعلم بأنني لست عنصرية ، ولكنني لا أفهم كيف أحببتك .
ساد الصمت ، ولم يعد يدري ماذا يقول لها ، دخل جاك فجأة وشعر بالإرتياح لأن دخول جاك جعل الحديث يتوقف، نظر إليه جاك غاضباً:
_ أنت متأخر مرة أخرى ...
قاطعه كمال :
_ أجل أنا متأخر ، وأريد تقديم إستقالتي .
_ ماذا ؟ هل نسيت شرط إنذار الشركة قبل أربعة شهور إن رغبت بالإستقالة؟
_ يبدو أنك أنت من نسيت ذلك ، وبسبب عنصريتك رفضت إدراج هذا الشرط في عقدي المؤقت بهذه الشركة ، كي تتمكن من طردي بأي وقت ، وكي تكون إستقالتي سريعة ...
نظر إليه جاك بدهشة وبحنق شديد:
_ أجل ، أجل ، ولكنني لست عنصرياً ولا أسمح لك بأن تقول هذا..
_ أعتذر ، طبعاً أنت لست عنصرياً ..المهم الآن هو أنني أريد سحب ملفي من الشركة ومنحي شهادة خبرة عن الفترة التي قضيتها معكم.
_ أي شهادة خبرة، لا أستطيع منحك شهادة خبرة ، فأنت لم تكن موظف بعقد دائم ، ثم إنك..
أجابه كمال بهدوء:
_ أستمع جيداً لي، لقد صبرت كثيراً على تصرفاتك معي ، إن لم تمنحني شهادة الخبرة سوف أذهب للمحكمة وأرفع شكوى ضدك بكل تصرفاتك معي ، وأنت تعلم كم سيُكلفك هذا وأخبرهم أيضاً برفضك منحي لشهادة الخبرة . لا تعتقد بأنني جاهل بالقوانين لأنني أجنبي ، لم أمارس حقوقي من قبل لأنني لم أجد عمل أفضل من هذا أما الآن فالأمور مختلفة ولابد أن تكون حذر معي.
نظر إليه جاك بغيظ وقال:
_ حسناً، حسناً ، غداً سوف تكون جميع أوراقك جاهزة.
خرج كمال من الغرفة قبل أن يغادر جاك كي يتجنب الحديث مع جانيت ، خرج من الشركة وتنفس الصعداء ، أخيراً وبعد سنوات من القهر والإهانة يسترجع حريته وكرامته. لم يركب الترام فلديه متسع من الوقت ليفعل ما يشاء ، جلس على المقهى العام في الساحة الرئيسية في بازل ، طلب فنجان من القهوة وجلس ينظر لكل تفاصيل الحياة من حوله؛ إنتابته الدهشة، فهو منذ سنوات لم يتأمل هذه المدينة بهدوء مثل اليوم، منذ سنوات يركض بين القطار والترام ليصل قبل موعد وصول جاك كي لا يستمع لأي ملاحظات منه، منذ سنوات كان يعيش تحت وطأة ترأس جاك له في العمل وخوفه منه ، لقد أمتزج خوفه بالقلق والشعور بالدونية وأنه مهما فعل لن يرُضي شخص عنصري يمقت الأجانب، لأول مرة يشعر بأنه يتحرر من عنصرية جاك، لم يشعر بوطأة وثقل هذا الشعور من قبل، فقط حين جلس بهدوء في هذا المقهى، طفت كل مشاعره إلى السطح وأدرك أن العنصرية جريمة بشعه لأنها لا تقتصر على الألفاظ والأفكار بل تسمم وجود من يحملها ومن يتلقاها؛ نظر من حوله للوجوه والخطوات والأماكن، لم يشعر بأنه غريب عن هذه المدينة، فهو هنا منذ سنوات، ويشبه الكثير من الأشخاص السويسريين الذي يمرون في الشارع، تأمل المحلات التجارية المحيطة بالمقهى، وببناية البريد القديمة خمرية اللون وجدرانها المنقوشة بنقوش ذهبية لامعه، وراقب الناس الذين يصعدون أو ينزلون من الترام. منذ أن وصل إلى سويسرا لم ينتابه هذا الشعور، لقد شعر ولأول مرة بأنه سويسري فعلاً، لأنه يمارس حياة تماماً كالسويسريين، وقد كان خطأه هو شعوره طوال الوقت بأنه أجنبي.
ثم قرر أن يكون سويسري في عمله الجديد وألا يسمح لأي شخص كان أن يمارس عنصريته عليه بعد الآن؛ الساعة التي قضاها بشرب القهوة بهدوء، غيرت كل تفكيره، لابد أن يحيا من الآن فصاعداً كسويسري وإلا بقي عربي فلسطيني إلى أن يموت. قرر أن هويته العربية لابد أن تبقى مدفونه في صدره مثلما جواز سفره الفلسطيني المُخبأ منذ سنوات في خزانته، وأن يحيا فعلاً ومن الآن حياة سويسرية لا حياة نصفها سويسري والآخر عربي.
نهض من مكانه وتوجه نحو محطة القطارات للعودة إلى منزله، إتجه نحو القطار وكان لا يزال أمامه نصف ساعة لينتظر إقلاع القطار، جلس على المقعد المقابل لرصيف القطار يقرأ الجريدة اليومية بإنتظار موعد القطار. وخلال ثوانٍ قليلة، سمع كلمات عربية يتحدث بها شخصٌ ما، ثم سمع صوت إمرأة ترد بالعربية أيضاً، إلتفت ليعرف مصدر الصوت، وكانت مفاجأة كبيرة ؛ لقد كانت ليلى تقف مع بسام العراقي، تتحدث معه ومع الرجل العجوز الذي رغب بالتعرف عليها وربيكا أيضاً. تسمر مكانه يريد أن يتأكد بأنها تتحدث العربية، سمعها تقول للرجل العربي الذي كان معها وهو بسام:
_ لا أفهم لماذا يريد أن يتعرف علي؟
_ لقد أخبرني بأنك تشبهين ابنته ورغب فقط برؤيتك. وكما أخبرتك بأنني رسمت صورة لك، فهل هذا يزعجك؟
صمتت قليلاً ثم أجابت:
_ هذا يعتمد على اللوحة، هل يمكنني رؤيتها؟
أخبر الرجل العجوز بأنها ترغب برؤية اللوحة، إبتسم وقال:
_ لقد توقعت أن تطلب ذلك.
نظرت بذهول إلى اللوحة ثم قالت:
_ أنت فنان مُبدع، وأفهم لماذا رغب برؤيتي...
أستمع كمال لحديثهم دون أن يلتفت كي لا تراه، وتأكد بأنها عربية بل وسورية أيضاً، أما الرجل الآخر فقد عرف أنه عراقي من لهجته. إقترب القطار الذي يجب أن يصعد إليه ولكنه لم يصعد إليه، بل توجه نحوهم دون تفكير ، ألقى بالتحية عليهم وتوجه بالحديث إلى بسام:
_ أنت عراقي أليس كذلك؟
وحين رأته ليلى شعرت بالصدمة، رغبت بالإنسحاب ولكن لم يكن ذلك ممكناً ، فقد دعاهم الرجل العجوز إلى الغذاء معاً.
إعتذر كمال لمقاطعتهم، ثم تابع حديثه مع بسام:
_ أنا فلسطيني، اسمي كمال، أعيش منذ سنوات في سويسرا. حين سمعتكم تتحدثون العربية رغبت بالتعرف عليكم .
مد بسام يده ليصافحه ثم قال له:
_ اسمى بسام، أنا رسام، وأعرفك على ليلى، ليلى سورية ..
نظر إليها كمال، ومد يده ليصافحها، شعرت بالحرج الشديد، فمدت يدها أيضاً لمصافحته دون أن تتكلم، أدرك كمال مدى حرجها فقال بلطف:
_ أنا سعيد بالتعرف عليك.
قال له بسام :
_ لابد لنا أن نذهب مع أصدقاؤنا ، فنحن أتينا من بيرن لمقابلة ليلى أنا والسيد روسلان، وأعرفك على صديقة لنا السيدة ربيكا وهي مديرة عمل ليلى. هذا رقم هاتفي، إن أتيت لبيرن تسعدني رؤيتك ، أنا أعمل في الصباح، وأذهب لمحطة القطارات للرسم في المساء.
صافح كمال ربيكا ثم نظر إلى ليلى وأدرك بأنها لا ترغب بأن تعطيه رقم هاتفها ، لم ينزعج، ففرحته كانت كبيرة بأنها عربية حتى ولو كذبت عليه سابقاً. صافح بسام وأعطاه كرته الخاص، وألقى التحية عليهم وغادر ليلحق بالقطار التالي. جلس خلف النافذة يراقبها من بعيد، إلتقت نظراتهم للحظات، شعر بسعادة غامرة، لقد كان حدسه في محله، فطوال الوقت كان يشعر بأنها عربية. إنطلق القطار، ورغب أن يأتي صباح يوم الإثنين سريعاً كي يراها ويتحدث معها، حتى ولو رفضت الحديث معه سيكفيه أن يراها كل صباح.

***
جلسوا جميعاً في المطعم الأنيق الذي دعاهم إليه السيد روسلان، جلست ليلى بجانب بسام متجبنة الجلوس بقرب السيد روسلان، فهي لا تزال لا تفهم سبب إهتمامه بها حتى ولو كانت تشبه إبنته، وجلست على الطرف الآخر ربيكا التي كانت تتحدث بلطافة شديدة مع السيد روسلان، فقد شعرت بتعاطف شديد معه لموت إبنته الشابة التي تشبه ليلى.
تناولوا الطعام بهدوء، ثم بدأوا بشرب القهوة، نظر السيد روسلان لليلى وقال:
_ أعتذر منك إن كنت قد ألححت عليك وضايقتك بأن طلبت رؤيتك، ولكنني وبعد رؤيتك أرى الشبه الغريب أكثر فأكثر بينك وبين ابنتي.
نظرت إليه ليلى للحظات، وشعرت بالفضول لتعرف أكثر عن تلك الفتاة التي تُشبهها لهذا الحد، فسألته:
_ هل توجد صورة لديك لها؟
_ بالطبع، صورتها دائماً معي.
ناولها الصورة الصغيرة، نظرت إليها بدهشة، فتلك الفتاة تشبهها تماماً وكأنها توأم لها، قالت بدهشة:
_ معك حق، إنها تُشبهني، ما اسمها؟
_ اسمها روبرتا، والدتها من أختارت لها هذا الأسم ، فوالدتها كانت إيطالية.
سألته ربيكا بخجل:
_ هل لا تزال زوجتك معك؟
نظر لفنجان القهوة بحزن وقال:
_ لا، للأسف، فزوجتي توفت بعد موت روتانا بسنتين، لم تحتمل الحزن لفراق روبرتا.
ساد الصمت قليلاً، وأختلست ليلى النظر إليه لتتفحص ملامحه، لقد كان رجل بحدود الخامسة والستين من عمره، لا يزال بصحة جيدة، ويبدو أنه من طبقة راقية لأنهم دعاهم لهذا المطعم الراقي، وحديثه أيضاً يبدو هاديء وينم عن أدب جم. ثم شعرت بالحزن لأجله، بل بالتشابة ما بينه وبينها، فهي أيضاً فقدت كل أسرتها، فسألته دون تفكير:
_ مع من تعيش الآن؟
_ أعيش وحدي، لقد كنت دكتور في جامعة بيرن ثم تقاعدت، لدى عدة مؤلفات حول التاريخ الأوروبي، لذلك لفتت نظري لوحة بسام، لأنها مزيج بين الشرق والغرب، كما وأنني أهتم كثيراً بالثقافة الشرقية، فالفن الأوروبي تأثر كثيراً بالثقافة الشرقية.
قالت له ليلى بشيء من التحفظ:
_ هل لي أن أسألك لماذا رغبت أن تراني؟ أعلم أنك ستقول بأنني أشبه إبنتك ومعك حق، ولكن هل يوجد سبب آخر؟
صمت قليلاً، نظر لثوانٍ إلى النافذة القريبة من ليلى، وأجاب بهدوء:
_ أجل، يوجد سبب آخر، ابنتي لم تمت بسبب طبيعي، لقد إنتحرت، تناولت حبوب منومة وإنتحرت، وتركت لنا رسالة بأنها غير سعيدة بحياتها وتشعر بالوحدة، وربما كانت تلك الرسالة هي سبب موت زوجتي حزناً ، لأنها كانت تسألني طوال الوقت وتبكي، لماذا كانت وحيدة؟ ماذا أخطأنا بحقها؟ لماذا كانت غير سعيدة؟ لماذا؟ لو أن ابنتي ماتت بصورة طبيعية لما طلبت أن أراك، كونها إنتحرت يجعلني أشعر بأنها لا تزال على قيد الحياة، وأنها أنهت حياتها ولكن حياتها لم تنتهي. في كل يوم أفكر بها وأسأل نفسي نفس الأسئلة التي كانت تسألها زوجتي، ولا أجد الإجابة . لذلك وحين رأيت اللوحة التي يرسمها بسام شعرت بأن هناك رسالة من السماء تخبرني بشيءٍ ما أبحث عنه طويلاً. وقد كانت هذه الرسالة هي أن أرى صورة ابنتي من جديد.
لم يستطيع أحد منهم الحديث، فدموع صغيرة تلألأت بعيون السيد روسلان، ثم قال لليلى:
_ لقد أزعجتك كثيراً ، وسببت لكم الحزن، أعتذر لكم، لابد أن أغادر الآن، ولكن يا آنسه ليلى، هذا رقم هاتفي، بأي وقت تحتاجين به أي شيء سوف أكون جاهزاً لمساعدتك، مهما كان هذا الشيء. وأدعوكم جميعاً لزيارتي في مزرعتي الصغيرة في بيرن حيث اعيش مع حيواناتي الأليفة. وأنت يا بسام، لا أدري كيف أشكرك وأرجو أن تأتي معهم بأي وقت لزيارتي.
أجابه بسام وهو يبتسم:
_ بالطبع، سوف يُسعدني ذلك. سوف أتصل بربيكا وليلى ونرتب هذه الرحلة قريباً.
نهضوا جميعاً، وساروا بهدوء في الشارع العريض بإتجاه محطة القطارات حيث سيغادر بسام مع السيد روسلان بإتجاه بيرن. وحين وصلوا لمحطة القطارات مد يده لمصافحة ليلى، فمدت يدها لمصافحته وإقتربت منه وقالت بصوتٍ هاديء:
_ سيد روسلان، أشكرك، وأرجو أن تعتبرني صديقة لك دائماً. لقد سعدت كثيراً بلقائنا.
بدت السعادة الغامرة على وجهه، فقد شعر طوال الوقت بأنه ربما يُزعجها، فقال بإنشراح:
_ أشكرك، أشكرك ياآنسة ليلى ، هذا يُسعدني..
قاطعته قائلة:
_ وقبل كل شيء لابد أن تناديني ليلى..
_ حسناً يا ليلى...أتمنى أن نلتقي قريباً.
أستقلا القطار وبقيت ربيكا وليلى تراقبا القطار وهو يغادر، قالت لها ربيكا:
_ أنا سعيدة لأنك أخيراً تفهمت مشاعره، لقد خشيت في البداية من برودك تجاهه، أنت تعلمين نحن في سويسرا لا ننجب الكثير من الأبناء، وحين نفقد ابن أو ابنه تصبح الحياة مأساوية وصعبة ولا ننسى أبداً من فقدنا ، لذلك تعاطفت معه منذ البداية.
_ أجل ، أفهم ذلك، ولكنني شعرت أيضاً بأنه بلا عائلة ووحيد مثلي، فكان لابد أن أعبر له عن تعاطفي الشديد. وأشكرك لأنك أتيت معنا، فأنا أعلم كم أنت مشغولة.
_ لا تشكريني لقد أسعدني هذا اللقاء. آه، لقد تذكرت، يسألك مارك إن كنت تريدين أن تدرسي في الجامعة أم لا؟ هل فكرت بهذا الموضوع؟
_ أجل، ولكن ربما لا أستطيع توفير مصاريف الجامعة ، ولا أستطيع أن أدرس نهاراً بسبب عملي.
_ لا تقلقي للمصاريف الجامعية، يمكنك الحصول على قرض تسددينه بعد تخرجك من عملك، أما الدراسة نهاراً فلا مشكلة ، يمكنك الدراسة في الفترة المسائية . فكري بالموضوع وأخبريني، مارك مستعد لمساعدتك في التسجيل.
_ حسناً ، والآن لابد أن أغادر، أراك غداً ، إلى اللقاء
_ إلى اللقاء.
أستقلت الترام المتجه لمنزلها، وفكرت بالدراسة، وشعرت بأنها ترغب بذلك فعلاً، ولكنها تشعر بالخوف من أن تفشل في الدراسة بجامعة سويسرية. تركت التفكير بموضوع الدراسة وعادت صورة روبرتا تطفو على أفكارها، فما الذي جعل فتاة بسنها وبوضعها الإجتماعي الممتاز أن تنتحر. تمددت تحت الأغطية الدافئة تراقب تساقط الأمطار عبر النافذة، ولا تزال صورة روبرتا تسيطر على أفكارها، فضول غريب جعلها تفكر بها، لماذا إنتحرت؟ كيف كانت تعيش؟ هل كان لديها أصدقاء؟ ألم تكن تحب عائلتها؟ لطالما عجزت عن فهم الغرب وفهم تفكير بعض أفراده، ولكنها أمام الإنتحار تبدو بعجز كامل عن الفهم ، فكيف لفتاة شابة جميلة ان تختار الموت وأن تترك من تحب ومن يحبونها بهذه القسوة؛ للحظات تمنت لو أنها لم تقابل هذا الرجل العجوز، لأنه أضاف شخص جديد لحياتها، شخص آخر في قائمة الأموات عدا عن أهلها ومن تحب، سرت القشعريرة بجسدها وإنتابها شيء من الخوف، ماذا لو كان قدرها أن يموت من تحب وأن تقابل الموتى حتى بعد رحيلهم. وفي خضم كل تلك الأفكار السوداء المتناقضة والمترابطة كان يجب أن تهجر تفكيرها الذي لا ينتهي بأهلها والآن إنضمت روبرتا إليهم. لقد إختارت عمل مُرهق ولا يتوقف كي تنسى ولا تفكر ولكنها ورغم عملها المُتعب ورغم تجاهلها لمشاعرها تفكر بهم بكل لحظة بل بكل دقيقة؛ وأدركت فجأة أنها أشغلت جسدها ولكنها لم تُشغل تفكيرها، أضاءت النور من جديد، ونظرت حولها، ورأت أن غرفتها خاوية سوى من بعض الأثاث الرخيص وخزانة ملابسها القليلة ، ثم التلفاز. لم يكن يوجد أي شيء عدا ذلك. وضعت رأسها بين يديها وقالت:
_ لن أستطيع ان أحيا هكذا، لا أستطيع أن أحيا بين غرفتي الضيقة وبين محطة القطارات، ربما يكون قدري مثل قدر روبرتا، فأنا لن أحتمل هذه الحياة الباردة الوحيدة كثيراً...ماذا أفعل يا إلهي..
أطفأت النور، ومكثت صامتة في سريرها، لم تستطع أن تمنع الدموع التي ملأت وسادتها، وشعرت أن الموت أخف وطأة من حياتها الوحيدة والغريبة في مدينة باردة وبعيدة عن مدينتها هناك حيث الشمس والقمر والياسمين؛ غرقت بدموعها دون مقاومة ، فالحزن كان أعمق من أن تتحايل عليه مثل كل ليلة ، فتركته يعبث بأفكارها ومشاعرها ، لا لم يكن يعبث بهما بل ينهشهما؛ غافلها النوم دون أن تمسح تلك الدموع لأنها هنا دائما بصدرها وقلبها وعيونها.

***
دخل إلى مقهى الإنترنت، وفتح إيميله بملل، فلا يوجد أي أخبار جديدة كالعادة، دائماً كريستا ترسل له إيميل تطمئن عليه أو تخبره أنها ستمر لزيارته ، أو ترسل له صورة بنها الذي يعمل مدرساً في كولومبيا ولا يريد أن يتزوج رغم بلوغه الثالثة والثلاثين ، تكتب لبسام عن مشاعرها الحزينة لذلك وكم ترغب بأن يتزوج وأن ترى ابناءه ولكنه يرفض الزواج ويتنقل من بلد لآخر.
ثم منصور الذي يرسل له إيميل من حين لآخر ويقول له بكل مرة بأنه للأسف لم يجد أي أخبار عن هيفاء؛ يفتح صندوق الإيميل ويشعر بالخواء لأنه يعرف مسبقاً بأنه لن يكون هناك شيء آخر، ولكنه ورغم كل شيء يحتفظ ولو بأمل بسيط بأن يصله خبر مفاجيء وغير متوقع. وإلى أن يفتح صندوق الإيميلات فكر بأنه سوف ينتظر أخبار عن هيفاء هذه السنة فقط وبعد ذلك سوف يحرر نفسه من طيفها وينساها ، لابد أن يبدأ حياة جديدة بعد هذه السنة وأن ينسلخ عن الذكريات التي أصبحت ليست فقط جزء من الماضي بل حتى لم يعد لها أي وجود على أرض الواقع، فحتى الأماكنت التي ضمت ذكرياته الجميلة مع هيفاء تدمرت ولم تعد موجودة في الواقعن أي أنه يحيا بذكري خيالية أكثر من أن تكون واقعية.
فتح الإيميل القادم من كريستا، كتبت له عن ابنها من جديد، وأنه يحب امرأة من كولومبيا وهي لا تحب أن يرتبط من امرأة من هناك ولكنها ورغم كل شيء تتمنى أن يتزوج من أي امرأة المهم أن يتزوج. ثم كتبت له عبارة حزينة: " بسام، أنت عربي وأجنبي، ولكنك تهتم بي وتسأل عني اكثر من ابني ، أشكرك كثيراً، أنت صديق عزيز جداً، لايوجد في حياتي سوى أنت وقطتي الصغيرة صوفي، صوفي فقط تفتقدني ، وتحبني وتحزن عند غيابي، أخشى يا بسام أن أنتهي وحيدة في إحدى دور العجزة وأن ينساني ابني. أعتذر منك فأنا اليوم أشعر بالكآبة. سوف أمر لرؤيتك خلال الأيام القادمة ، مع تحياتي"
أغلق الإيميل، وفكر بحزن كريستا وأنها رغم كونها سويسرية فهي تشعر بالوحدة بل وبالغربة عن نفسها وعن ابنها، كتب لها: " أنت أيضاً صديقتي الوحيدة هنا، ولا أدري ماذا كنت سأفعل لولا مساعدتك لي ولطفك الدائم معي، صحيح أنا أجنبي ولكني انسان قبل أن توجد لي أية هوية أخرى؛ بأي وقت شعرت بالحزن، أرجو أن تمري لزيارتي في المحطة وسوف نذهب لشرب القهوة معاً ، لقد أصبح لدي المال الآن لكي أدعوك في ذلك المقهى الجميل قرب المحطة، لا ، بل أدعوك الآن ، بعد غد الساعة السادسة نلتقي في المحطة ونشرب القهوة معاً، يمكنك إحضار صوفي معك، أرغب بان أراها، لقد رأيت أشخاص آخرين في المقهى يحضرون القطط معهم ".
ثم فتح الإيميل القادم من منصور، منذ أول كلمة قرأها قفز من مكانه من المفاجأة:" لقد وجدت هيفاء" قفز من مكانه ليذهب إلى أول تليفون عمومي يجده أمامه، لقد كان يتصل بمنصور للضرورة حين كان يجب أن يُتمم إجراءات الإقامة بسويسرا بمساعدة أصدقاءه، ولكن الآن لم ينتظر أن يقرأ بقية الكلمات في الإيميل، قرأها بسرعة البرق وكان لابد أن يتكلم مع منصور.
أجابه منصور على الطرف الاخر:
_ أجل يا بسام، لقد وجدتها..
_ أين وكيف واين هي ، ماذا تفعل...
إنهالت اسئلته، ولا يزال منصور صامتاً على الطرف الآخر من الهاتف:
_ إهدأ يا بسام، ربما تكون هيفاء قد تغيرت، هي تعمل كمغنية في أحد النوادي الليلة بعمان.
إعترى الذهول بسام، فمكث للحظات لا يستطيع الرد، ثم قال بعد أن ستعاد هدوءه وافاق من صدمته:
_ ماذا تقول؟
_ أسمع يا بسام، أغلق السماعة، سوف أتصل بك، لا أريد أن تنفق نقودك على الهاتف فأنا أعلم أن هذا يُكلفك كثيراً
_ لا...لا ..فأنا أعمل...
لم ينتظر منصور وأغلق السماعة، وخلال ثوانٍ عاد للإتصال:
_ بسام، لقد تحدثت معها، هي مقتنعة بما تفعل وترغب بأن تكون مغنية مشهورة، وهي بالفعل لديها صوت جميل، ولكنها ربما ليست هيفاء التي كنت تعرفها، فهي تعيش بوسط كله فنانين وراقصات ايضاً؛ لا أدري إن كانت تغيرت من داخلها أم لا ، عموماً لقد أخذت رقم هاتفها، ولم أخبرها بأنني أعرفك كي تفكر بالموضوع قبل الإتصال بها.
كتب الرقم على كف يده وأغلق سماعة الهاتف ووقف للحظات لا يدري بماذا يفكر، توالت صور هيفاء الجميلة والبريئة في افكاره لتحل محلها صور هيفاء التي تغني في نادٍ ما ليلي أمام رجال ونساء غرباء. فكر بأنه من الأفضل أن ينساها، ولكن حبه لها لم يكن عابراً ولا سهلاً، لقد أحبها بكل كيانه، بكل ما روحه من حياة. أمسك سماعة الهاتف من جديد وضغط على الأرقام التي كتبها في كف يده:
سمع صوتها الناعم:
_ آلو...من يتحدث؟
صمت للحظة ، ثم قال بتردد:
_ أنا بسام..
_ من بسام؟
رغب بأن يُغلق السماعة لكنه قال بعناء:
_ بسام عبد الوهاب... من العراق...هل نسيتني؟
ساد الصمت لثوانٍ ، ثم قالت بصوتٍ مبتهج:
_ بسام...بسام...هذا أنت؛ من أين تتحدث معي؟
_ من سويسرا، كيف حالك يا هيفاء؟
_ أنا..أنا..أنا بخير، وأنت، لقد سألت عنك كثيراً ولكن لم يعرف أحد عنك شيء.
_ وأنا بحثت عنك كثيراً وسألت عنك منذ أن غادرت العراق.
_ كيف عثرت على رقم هاتفي..
_ صديق لي بحث عنه وأحضره لي..ماذا تفعلين في الأردن؟
صمتت قليلاً ثم قالت بهدوء:
_ أنا فنانة الآن، أغني ولي جمهور كبير مُعجب بصوتي، أتذكر، لقد كان صوتي جميل...
_ أجل كان صوتك جميل، ولكن أين تعملين؟
عادت للصمت ثم قالت:
_ لا أعمل بمكان محدد، أسجل أغاني لي في بعض المحطات الفضائية وأبيع بعض التسجيلات..
كان يعلم بأنها تكذب ولا تريد أن تخبره أين تعمل، ولم يقول لها بأنها تكذب.
_ هيفاء، سوف أرسل لك على رقمك هذا الإيميل الخاص بي، لأنني لا أستطيع أن أتصل بك دائماً. أرجو أن تكتبي لي وان نبقى على إتصال.
_ حسناً، هذا جيد وسوف ترد علي حين أرسل لك أول رسالة.
_ بالتأكيد.
صمت لبُرهة ثم قال:
_ هيفاء، أنا لم أنساك طوال هذا الوقت، لقد كنت دائماً معي.
صمتت ، ثم قالت بلطف:
_ وأنا أيضاً لم أنساك يا بسام. لقد حصلت أمور كثيرة وسوف أكتب لك عنها.
لأول مرة تبتسم الشوارع في بيرن، ليس فقط الشوارع بل كل ما في الوجود، لقد عادت هيفاء لحياته، ومهما كان ما حصل معها ، المهم أنه يستطيع سماع صوتها، الحبيبة الدائمة والتي لم ينساها أبداً. إتجه نحو محطة القطارات وجلس في مكانه المُعتاد، ولأول مرة يستطيع أن يرسم هيفاء، لم يتمكن في السابق من رسمها لشدة الألم الذي كان يعتصر قلبه حين يتذكرها وحين يفكر بأنها ربما تكون ميتة، وكان رسمها وكأنه وداع لها، ولكنه الآن يستطيع أن يرسمها بكل جمالها وملامحها وروحها الشفافة وعيونها الشرقية الواسعة.
أمسك بفرشاته وإنتقل لعالم آخر لا يعيش به سوى هو، وحيداً مع أفكاره وألوانه وذكرياته، عالم لا يوجد به إلا من يرغب بأن يكون موجود، لقد كان هناك شوارع بغداد، النخيل، الماء الدافق الألحان الشرقية المنبعثة من الشرفات القديمة ، نساء يلتفحن اللون الأسود ولكنهن أجمل النساء ورجال بملامح شرقية قديمة وشوارع تمتد إلى ما لا نهاية، ثم بغداد في الليل بأضوائها التي لا تنطفيء، وشط دجلة الذي لا يعرف الوحدة، ثم هيفاء تمشى على خجل في الشارع الذي جمع بينهما. رسم ملامحها الشرقية وشعرها فاحم السواد ونظرتها الحالمة والتي ترنو إلى عوالم أخرى خفية وغير مرئية، ثم رسم أشجار النخيل المتقابلة والمتلاصقة بلا نهاية ، وهيفاء تطل من بعيد لتصبح جزء من كل تلك الأشجار ومن تلك الأرض السمراء. لم يتذكر كم مر من الوقت وهو يرسم لوحة هيفاء، وحين إنتهى كان عدد كبير من الناس قد تجمعوا حول اللوحة، ومن بينهم يقف رجل يدخن الغليون. إقترب منه الرجل وقال:
_ أنت عراقي.
نظر إليه كأنه يستيقظ من حلم بعيد، ثم اجاب ببرود:
_ أجل...
_ أنت ترسم بشكل مذهل...هل يمكنني أن أرى جميع لوحاتك..
_ لا أريد أن أبيع اي لوحات خصوصاً هذه..
_ لم أطلب منك أن أشتريها، بل أن أراها.
أجابه بسام بملل:
_ ولماذا تريد رؤيتها؟
_ أنا صاحب أتيليه كبير في بيرن، جميع اللوحات المعروضة عندي من الفن الغربي الحديث وبعضها قديم، لا يوجد لدي قسم للوحات شرقية، لقد لفت نظري طريقتك في الرسم لأنك لا ترسم لأجل المال، أنت ترسم لأنك تحب ذلك، بالأحرى ترسم لنفسك ، وأنا أبحث عن فنانين بهذه الصفة، لا يرسمون لهدفٍ ما بل لأنهم بحاجة نفسية وعاطفية للرسم. إن أعجبتني لوحاتك سوف أعمل معرض لك، ويصبح للوحاتك مكان في الأتيليه الخاص بي.
لم يعرف بسام بماذا يرد لشدة ذهوله، وبعد ثوانٍ أجاب:
_ وإن لم تعجبك لوحاتي؟
_ لا يوجد ضرر لك أو لي ، ربما في المستقبل تعجبني ، ولكن إن كانت لوحاتك بمستوى ما ترسمه الآن فحتماً سوف تعجبني.
_ حسناً، يمكننا أن نلتقي غداً الساعة السادسة مساء، نذهب لبيتي وترى جميع لوحاتي.
_ إتفقنا، إلى اللقاء.
ثم إتصل بكرستا، وأخبرها بما حصل بينه وبين ذلك الرجل، وقال لها بسعادة:
_ كريستا، لقد أتصلت بك وحددت الموعد الساعة السادسة غداً لأني أريد أن تكوني معي حين يأتي لبيتي، وبعد ذلك نشرب القهوة معاً. هل هذا يناسبك؟
أجابت بسرور بالغ:
_ بالطبع بابسام، وسوف تأتي صوفي معنا، سوف أحضر بيتها الصغير معي . إلى اللقاء غداً.
تقابلا جميعاً في محطة القطارات في اليوم التالي، وإصطحبهم ذلك الرجل إلى سيارته الفخمة، وقبل أن تركب كريستا السيارة سألت الرجل بخجل:
_ هل يزعجك أن أصطحب قطتي؟ يمكنني إنتظار بسام إلى أن يعود.
أجابها وهو يبتسم:
_ لا أبداً، أنا أحب القطط كثيراً. ما اسمها؟
_ اسمها صوفي.
جلس بسام بجانب هذا الرجل الغريب والذي يبدو أنه ثري جداً بسبب سيارته الفارهه، لاحظ الرجل خجل بسام ، فأبتسم وقال:
_ لقد نسيت أن أعرفكم على نفسي، أسمي ميشيل، أنا في الأصل رسام ، ولكنني إخترت أن أتاجر باللوحات الفنية بجانب رسمي للوحاتي الخاصة؛ فلوحاتي تُعجب نوع خاص من الناس، ولكني أحب جميع أنواع الفنون، لذلك أخترت أن افتح أتيليه خاص بي. اسمك بسام كما أخبرتني
ما معنى اسم بسام؟
_ معناه المبتسم.
_ هذا جميل، وهذا شيء مميز في الأسماء العربية التي لابد أن يكون لها معنى خاص، لقد قرأت كثيراً عن الثقافة العربية، وتعجبني أشياء كثيرة بها ، ولأكون صريح لا يعجبني بها الجزء المتعلق بالدين. أجد أن الدين الإسلامي دين متطرف ومتعصب؛ أرجو ألا تنزعج من كلامي هذا!
صمت بسام للحظات، وبعد تفكير سريع قال بهدوء:
_ سيد ميشيل، لكل انسان الحرية ان يفكر كما يشاء، بالنسبة لي أنا أحب ديني كثيراً ولكن لا أسمح لنفسي ان أفرضه على أي انسان أو أن أكره أي انسان لأنه لا يحب ديني، كريستا وأنا أصدقاء منذ فترة طويلة ولم نتحدث أبداً عن الدين ، يمكنك أن تسألها...أما عن الدين الإسلامي فهو دين تسامح ومحبه ، وإن كان يوجد من أستعمل الدين لأغراض سياسية أو مالية فهذا ليس ذنب كل المسلمون، ولابد أن تعلم بأننا عانينا من التطرف الديني في بلادنا كثيراً. عموماً هذا موضوع يطول الحديث به، وأنا أحب الحديث عن الفن والرسم.
قالت كريستا :
_ لا أجد أي أهمية للدين بأي نقاش أو أي علاقة، المهم الإحترام المتبادل والمحبة الصادقة، وبالفعل بسام صديقي منذ فترة طويلة ولم نتحدث عن الدين.
نظر ميشيل لبسام وهز رأسه بالإيجاب:
_ معك حق، وأرجو ألا تعتقد بأنني عنصري، لأنه يوجد الكثير من الأشخاص العنصريين في سويسرا.
_ لا أفكر بهذه الطريقة، سويسرا إستقبلتني وأنا بأصعب فترة بحياتي، وأنا ممتن لها، وحتى لو ووجد أشخاص عنصريين فهذا طبيعي ، فهناك فعلاً من لا يحبون وجود الأجانب في بلادهم، وبعض الأشخاص في بلدي لا يحبون الأجانب. المهم يا سيد ميشيل هو أن نتفق على الفن والجمال، أما المواضيع الأخرى فهي لا تهمني فعلاً، سعادتي تكمن في لوحاتي .
يمكنك التوقف هنا لقد وصلنا إلى بيتي، بيتي متواضع، وهو عبارة عن غرفة ومطبخ لذا..
قاطعه السيد أنطوان قائلاً:
_ هذا لا يهمني ، هيا لننزل معاً.
وقف وسط الغرفة لينظر إلى لوحات بسام اللوحة تلو الأخرى ويهز رأسه بصمت، ثم قال بهدوء:
_ أجل ، هذا ما كنت أبحث عنه...
_ ماذا تعني؟ ماالذي كنت تبحث عنه؟
_ سوف تفهم حين نذهب إلى الأتيلية الخاص بي. وأنت مدعوه كذلك سيدة كريستا وصوفي أيضاً.

وقف بسام وكريستا وسط الأتيلية الضخم، إعترى الذهول بسام أمام هذه اللوحات الفخمة الكبير منها والصغير، بعضها مرسوم بألوان زيتية وبعضها بألوان مائية، ولكنها جميعها تعبر عن الفن الأوروبي الخاص ولا علاقة للشرق به، بألوانها وبملابس أشخاصها ، بتعابير وجوههم ، بالأماكن القديمة والغامضة . توقف عن الكلام وهو ينظر لكل تلك اللوحات التي تبدو باهظة الثمن، ثم إستدار فجأة وسأل ميشيل:
_ سيد ميشيل، من الواضح أنك رجل ثري، وهذه لوحات باهظة الثمن، فلماذا تهتم برسام متواضع وأجنبي مثلي؟ كما أن ما أرسمه شديد البعد عن إهتماماتك الفنية؟
_ سوف تعرف السبب حين نذهب إلى القسم الخاص بلوحاتي.
إصطحبهم نحو صالة أخرى مدهونه باللون الأخضر، ومُعلق على جدرانها لوحات إطارها ذهبي لامع، ولكن اللوحات لم تكن لوحات لأشخاص أو أماكن بل مزيج معقد من الألوان والأشكال الفينة صعبة التركيب والفهم، ولكن الجميل بها حدة الألوان ونقائها.
_ هذه هي لوحاتي، لقد وجدت صعوبة دائماً برسم الأماكن والأشخاص، ربما لأنني لا أحب مواجهة عالم المشاعر، حتى الأماكن تبدو لي جزء من المشاعر، لذا إخترت الألوان والأشكال الغامضة وغير المقرؤة، هي ليست مقرؤة ليس لأنني اريد ذلك ، بل لأنني لا أستطيع أن ارسم سوى ذلك. لقد بحثت كثيراً عن فنان ينطلق بمشاعره عبر الأماكن أو الصور أو الوجوه، ويبدو أننا في الغرب نبتعد تدريجياً عن هذا الإنطلاق في المشاعر، فرغم كل الحرية التي نتمتع بها إلا أننا وفي أعماقنا نبدو مكبلين روحياً، نجد حرج بالتعبير عن هذه المشاعر، وحرية التعبير هذه لا علاقة لها بالحرية الفردية أو الشخصية، حرية المشاعر شيء آخر ، فهي قبل كل شيء ألا تخجل من مشاعرك أو ضعفك ، ولقد رأيت أنك لا تخجل من مشاعرك ولا من حنينك لوطنك، فلوحتك تبكي ذلك الحنين وتتوق لذلك الوطن، لقد بحثت عن رسام يرسم مشاعره قبل أن يُتقن رسم الأماكن أو الوجوه...أرجو أن تكون فهمت قصدي.
_ لقد فهمت ما تقصد فيما يتعلق بأنني أرسم مشاعري، ربما لأنني شرقي، ولأن كل تفاصيل حياتنا في الشرق تدور حول المشاعر، حتى الشعر والأدب بل حتى حياتنا اليومية تبدو ممتزجة بكل تفاصيلها بالمشاعر وأنا جزء من تلك الثقافة حتى ولو عشت هنا عشرات السنين. أما عن لوحاتك أنت ، فهو فن خاص بك، بل اجد أنه جميل جداً لأنه يمنح الألوان كل الجمال والإشراق، أحب هذه اللوحات فعلاً.
مد السيد ميشيل يده ليصافح بسام وقال :
_ لقد إتفقنا إذاً، لن نجعل السيدة كريستا تضجر اكثر من هذا، سوف تمر في الأسبوع القادم لتوقع العقد معي ونتفق على جميع التفاصيل.
جلست كريستا في المقهى المقابل لمحطة القطارات، وكانت سعيدة لأجل بسام، وضعت القطة صوفي بحضنها وقالت بسرور:
_ أنا فعلاً سعيدة لأجلك، لقد كنت مقتنعة دائماً بأنك فنان مميز، هل سوف تترك عملك إن وقعت العقد معه؟
_ لا لن أترك عملي، ولن أترك محطة القطارات ، لن يتغير شيء في حياتي، ثم أنني لا أعرف ما هي شروطه، أنا يا كريستا لا أسعى للمال، أحب الحياة البسيطة، والآن عندي عمل وأعيش بكرامة ولكن لو شعرت بأنني سوف أكون تحت ضغطٍ ما ربما لن أستطيع أن أرسم، أحتاج للشعور بالحرية، وهذه المحطة هي الأتيلية الخاص بي حيث أشعر بكل الحرية التي أريد.
داعب صوفيا قليلاً وقال لكريستا:
_ قطتك جميلة جداً، ماذا يمكن أن نقدم لها ، ربما قطعة بسكويت صغيرة.
_ قطعة صغيرة جداً لأن السكر يضر بصحتها. هل تعلم يا بسام ، صوفي تعيش معي منذ خمس سنوات وابني ترك البيت منذ خمس سنوات، لم يتبق لي سواها، وحين أعود للبيت من العمل تقفز من الفرح وتنام في حضني، لماذا تبدو الحيوانات أكثر رقة وحناناً من بعض البشر؟
ربما هو سؤال سخيف ، ولكنني أفكر بذلك حين تنظر لي بكل هذا الحب والدفء.
_ أجل يا كريستا، توجد حيوانات أكثر حناناً من البشر ، والبشر يرتكبون جرائم لا ترتكبها الحيوانات، أفهم مدى حبك لها، وأتمنى أن يعود ابنك ويقدر قيمة محبة الأم، ولكن أعذريني هذه هي ثقافة الغرب ، ابناء يكبرون ويغادرون..
_ أجل ، هذا صحيح ، ولكنهم لا يتحدثون بوسائل الإعلام والمجلات والروايات عن ألم الآباء حين يغادر الأبناء بل حين ينسون حتى وجود آباءهم، لم أفكر بكل هذا حين كنت صغيرة في السن، ولكنني الآن أتقدم بالعمر وأخاف من الوحدة وأن أنتهي ببيت من بيوت العجزة، ثم لا يفكر ابني بزيارتي ولو مرة في السنة...
أمتلأت عيناها بالدموع، أمسك بسام يدها وقال:
_ كريستا، لقد فقدت أمي بعد أن غادرنا بغداد، توفت في عمان خلال وجودي هنا، لم أتمكن من وداعها لأنني لم أكن أستطيع مغادرة سويسرا بذلك الوقت، كنت أريدها أن تأتي لتعيش معي بعد إتمام أوراقي هنا، ولكن القدر لم يمنحنا هذه الفرصة، وها أنا وحيد بهذه الحياة. لا تفكري كثيراً بالمستقبل ، ربما ستقابلي شخص لطيف وتتزوجيه وتعيشي حياة سعيدة رغم بعد ابنك عنك...عموماً تأكدي بأننا سنكون دائما أصدقاء.
ابتسمت بإمتنان وقالت:
_ كم أنت لطيف يا بسام، أنت فنان حقيقي. دعنا نحتفل الآن ، ونشرب القهوة اللذيذة معاً، أنا سعيدة جداً لأجلك وصوفي أيضاً، ألا ترى كيف تنظر إليك بسعادة خصوصاً بعد أن قدمت لها قطعة البسكويت، هي تعلم بأنك صديقي.
_ أجل، وعيونها جميلة جداً.

***
كان يوماً بارداً جداً، تساقطت الثلوج بغزارة، ولكن في سويسرا هذا شيء عادي ولابد من الذهاب للعمل. وقفت ليلى في محطة الترام القريبة من بيتها، تلبس معطفها الأسود وقبعتها الصوفية واللفحة الحمراء التي تلف رقبتها. شعرت بأن أطرافها تتجمد تحت وطأة البرد، وشعرت برغبة شديدة بالبكاء، فهل هذه حياتها؟ هل ستحيا طوال عمرها تركض من بيتها لعلمها بهذا البرد القارس وبهذه الغربة القاتلة، للحظات تمنت لو أنها تُلقي بنفسها تحت عجلات الترام وتنتهي حياتها، فلن يتذكرها أحد، لأنه لا أحد تبقى لها بهذه الحياة. لم تمنع دموعها الدافئة فلا أحد يقف بجانبها في المحطة المعزولة بعيداً عن شوارع بازل الرئيسية، كان لابد أن تجد غرفة رخيصة في منطقة بعيدة عن المركز التجاري. وقفت تنتظر الترام والدموع تنحدر على وجنتيها، لم تمسح دموعها لأنها كانت تدفيء وجهها البارد، نظرت إلى الطريق الفارغ من المارة بمثل هذا الوقت من اليوم، الساعة الآن الخامسة والنصف ولابد أن تكون بمحطة القطارات في الساعة السادسة. وقبل أن يأتي الترام حضر رجل طويل القامة ليقف بجانبها، بدأ بالنظر إليها فأشاحت بوجهها عنه، لم يتوقف عن التحديق بها، إنتابها الخوف الشديد، وبدأت تدعو الله بأن يصل الترام سريعاً لخوفها الشديد من هذا الرجل الغريب. إقترب منها خطوة أخرى، وشعرت بالرعب، وفكرت بأنها لابد أن تهرب من المكان، ولكن الشارع فارغ، فحتى لو هربت سوف يلحق بها، وفكرت بأنه من الأفضل إنتظار الترام، لأنه لن يتجرأ على إيذائها بوجود السائق. ولكنها وقبل أن تسترسل بأفكارها، كان الرجل قد إنقض عليها وسحبها بقوة لمكانٍ معزول بعيد عن محطة الترام، حيث كان يوجد نفق مهجور ومُعتم؛ صرخت بشكل جنوني، وبدأت تشتمه باللغة العربية، لم يرد عليها وبدأ بنزع ملابسها، غرزت أظافرها بوجهه وبعيونه، فتركها لدقائق لشدة الألم، هربت بأقصى سرعة، ثم عاد من جديد ليركض خلفها ويعيدها بشراسة أكبر للنفق وهو يشتمها بكلمات ألمانية بذيئة، بدأ يُسرع بنزع ملابسها، وأصبحت تصرخ بصوتٍ هستيري وتتلوى بين يديه وتستغيث بالله...وقبل أن يمزق ملابسها الداخلية، سمعت صوت أقدام تأتي مسرعة
إزداد صراخها وطلبت النجدة باللغة الألمانية، أتى رجل يلبس ملابس سوداء، ضرب الرجل الذي كان يهجمها على رأسه بعصا غليظة كانت بيده، وقع أرضاً فاقداً للوعي.
إقترب منها الرجل وناولها ملابسها الممزقة، أرتدت ملابسها الممزقة وغطت جسدها بمعطفها الأسود ويداها ترتجفان برداً وخوفاً. وحين إنتهت من إرتداء ملابسها، حاولت النهوض، ولكنها لم تستطيع، فكل جسدها يرتجف تحت وطأة الألم والخوف، مد يده الرجل الذي أنقذها ليساعدها، ترددت في بداية الأمر ثم أمسكت بيده، استندت على ذراعه لتتمكن من السير. نظرت إليه وتعرفت عليه في الحال، لقد كان سائق الترام.
سألها بصوتٍ هاديء:
_ هل أتصل بالإسعاف؟ هل أنت على ما يرام؟
هزت رأسها ونظرت إليه بضعف شديد:
_ أنا بخير، لا تتصل بالإسعاف...لم يتمكن من...
ساد الصمت قليلاً ثم سألها:
_ أين تسكنين سوف أصطحبك لبيتك؟ لن تستطيعي الذهاب للعمل اليوم.
لم تتمكن من الرد لشدة البكاء، فأشارت للبناية حيث تسكن؛ إصطحبها إلى غرفتها الصغيرة، فتحت الباب بصعوبة، قالت له بصعوبة:
_ كيف وجدتني؟
_ كل يوم تكوني أنت الراكبة الوحيدة معي، أوصلك إلى محطة قطارات بازل، ,وصلت اليوم ولم أجدك، فتوقفت قليلاً لأنظر من حيث الإتجاه الذي تأتين منه، وخلال توقفي سمعت كل ذلك الصراخ الحاد ، فنزلت سريعاً لأرى ماذا هناك،ثم رأيت كل شيء، فأسرعت لنجدتك؛ بالطبع لقد قمت على الفور بالإتصال بالشرطة والتي قد تكون الآن قد ألقت القبض عليه.
_ لا أدري كيف أشكرك، لقد كدت أموت بين يديه، لقد ارسلك الله لي.
_ لا بأس، ولكن عليك أن تشتري جهاز كهربائي صاعق كي تحمي نفسك، فيوجد أشخاص مجرمين بأي مكان . والآن، لابد أن أغادر.
_ أعتذر منك، لابد أنك تأخرت عن عملك..
_ هذا هاتفي إذا احتجت لأي مساعدة، وسوف أخبرك إن تم إلقاء القبض عليه. إلى اللقاء.
أغلقت الباب، وتأكدت بأنه محكم الإغلاق، ألقت بنفسها على السرير باكية بصوتٍ مرتفع، ثم تذكرت كل ما حصل فنهضت بإعياء ودخلت مسرعة إلى الحمام لتغتسل المرة بعد المرة وكأنها قذرة منذ سنوات، وألقت ملابسها الممزقة في القمامة، لأنها لا تريد أن تتذكر أي شيء عن تلك الحادثة. إرتدت ملابسها وإندست في فراشها ترتعش خوفاً وحزناً، نادت أمها ووالدها وأجابها الصمت، ونظرت عبر النافذة إلى السماء الرمادية الملبدة بالغيوم وقالت بكل الحزن والأسى:
_ أرغب بالموت باإلهي ، لا مكان لي هنا، ولا عودة لي إلى دمشق التي تحترق، حتى ولو عدت لم يعد لي أحد هناك..ماذا أفعل ؟ كيف سأحيا؟ أنا خائفة، خائفة....
وفجأة رن هاتفها الخلوي، لقد كانت ربيكا تسأل عن سبب غيابها ، قالت بصوتٍ متهدج وباكٍ:
_ ربيكا، لقد حاول أحدهم إغتصابي، ولولا تدخل سائق الترام، ربما كنت ميتة الآن..أنا..
لم تستطع أن تتابع كلامها، فقالت لها ربيكا بصوتٍ قلق:
_ ليلى، لا تخافي ، سوف آتي لزيارتك الآن..
_ لا...لا...أرجوك لا تأتي، لن أستطيع أن أقابل أحد وأنا بهذه الحالة، وأعتقد بأنني لن استطيع أن أعود لهذا العمل مرة أخرى، أخاف أن يتكرر هذا مرة أخرى، فأنا دائماً وحيدة في محطة الترام هذه...لا أدري ماذا سأفعل يا ربيكا..أنا..
لم تتوقف عن البكاء، وأغلقت سماعة الهاتف دون أن ترد على ربيكا. وخلال نصف ساعة كانت ربيكا تطرق الباب، ولكن ليلى لم ترد، بقيت متسمرة في سريرها غير قادرة على الحركة، فقط صورة ذلك الرجل وسحبه لها وتمزيقه لثيابها كانت تسيطر على كل أفكارها، ثم صوره والديها وذلك الأمن البعيد الذي كانت تشعربه يوماً ما هناك في وطنها سوريا، في الشوارع والحقول والمدن والأسواق، والآن، تخاف أن تخرج من باب هذه الغرفة الصغيرة، كل ما تمنته هو أن تستيقظ وتجد نفسها قد غادرت هذا العالم الغريب والبارد. لم تعد تستمع لطرقات الباب ولا لصوت ربيكا الذي يتحدث إليها، كل ما سمعته هو كلمات ذلك الرجل البذيئة وجسدها المتجمد المكشوف أمامه، وأظافرها التي إنغرست بوجهه والتي نظفتها عشرات المرات ولا تزال تشعر بأنها ملوثة بدمه القذر. وفي خضم كل تلك الأفكار والصور والمشاعر والخوف، غافلها النوم، لتحلم بأنها تسير بشوارع بازل خائفة وتركض بكل إتجاه، ثم تعود لدمشق لتسير بين أزهار الياسمين وتبتسم ولكنها تركض مرتعبة حين تستمع لصوت طلقات النيران وصوت البنايات تنهار ...إستيقظت والعرق يتصبب من جبينها؛ نظرت بذعر حولها كأنها ترى ذلك الرجل يقتحم غرفتها، كان الظلام قد خيم على المكان، جلست في سريرها تُحملق في الظلام، ثم تذكرت شيء ما كانت قد نسيته، لقد تذكرت القرآن الكريم الذي وضعته في حقيبتها قبل أن تغادر دمشق، لقد كان القرآن الكريم الذي كانت تقرأ به والدتها بكل ليلة، قفزت من فراشها وأشعلت النور، وبحثت في حقيبتها الموجودة تحت سريرها، كانت مرتعبة بأن تكون قد فقدته أو نسيته، ولكنه كان هناك، بين أشياءها العزيزة على قلبها والتي أحضرتها معها قبل مجيئها لسويسرا، لقد خبأت تلك الأشياء التي تحب بعيداً عن نظراتها لأنها لم ترغب بأن تتذكر، لم ترغب بمزيد من الألم ولكنها اليوم وبهذه اللحظات بأشد الحاجة للقرآن الكريم. أمسكت به بيديها المرتجفتين وبدأت بقراءة بعض الآيات؛ أمتلأت عيناها بالدموع، وشعرت بالسكينة تعود إليها، إستلقت على سريرها بهدوء، وخلال ثوانٍ قليلة كانت تغفو كطفلٍ صغير.
إستيقظت من غيبويتها على صوت رنين هاتفها الخلوي، لقد كانت ربيكا:
_ ليلى، أنا قلقة عليك، إن لم تردي سوف آتي مع الإسعاف لبيتك.
أجابتها ليلي بصوتٍ خافت:
_ ربيكا، أنا بخير، حين أتيت كنت نائمة ولم أتمكن من الإستيقاظ، أنا متعبة، ولكن لا حاجة لأن تأتي مع الإسعاف، سوف أتصل بك حين تتحسن صحتي.
_ ليلي، أنا قلقة جداً، سوف آتي لزيارتك مع مارك هذا المساء.
_ حسناً ، ربيكا، أشكرك.
وفي المساء أتت ربيكا مع مارك، جلسا بصمت قرب سرير ليلي، كانت نظرات ليلى تائهة ولا تستقر بأي مكان وتحتضن القرآن الكريم، شعرت ربيكا بأنها لن تستطيع أن تساعدها، سألتها وهي تنظر للكتاب التي تمسك به بقوة:
_ ما هذا الكتاب يا ليلى؟
نظرت إليها ليلى بتعب وقالت بكلمات متلعثمة:
_ إنه القرآن...القرآن الكريم...كتاب المسلمون مثلي...
فكرت ربيكا قليلاً ونظرت إلى مارك بحيرة، فهمس مارك بأذن والدته بكلمات لم تسمعها ليلى ، هزت رأسها ثم قالت لليلى:
_ ليلى، ربما تريدين أن تتحدثي مع أحد يتكلم اللغة العربية بهذه الظروف. هل تعرفين أحد هنا من بلدك أو يتحدث اللغة العربية.
فجاة نظرت إليها ليلى وقالت:
_ أجل ، ربما أحتاج لأن أتحدث باللغة العربية...ولكني لا أعرف أحد..
فكرت ربيكا قليلاً ، ثم قالت:
_ ليلى، هل تتذكرين بسام، ذلك الرسام العراقي صديق داني الذي أتى من بيرن مع السيد روسلان، لقد أعطاني رقم هاتفه...وأيضاً هناك ذلك الرجل الذي تحدث مع الشاب العراقي حين كنا معاً وأعطاه رقم هاتفه، أعتقد أنه كان فلسطيني .
نظرت إليها ليلى بشرود وقالت:
_ أجل أتذكر ، ولكنني لم أحتفظ برقم أي منهما.
_ لا تقلقي، لقد أحتفظت برقم بسام العراقي، سوف أتصل به اليوم...
هوت رأسها ليلى وعادت للصمت. أشارت ربيكا لمارك بأنهم لابد أن يغادروا، وقبل أن يذهب مع والدته، أراد أن يضع يده على كتف ليلى ليعبر عن تعاطفه، فصرخت ليلى دون تفكيروبخوف شديد:
_ لا تلمسني ، لا أريد أن يلمسني أي انسان...لا اريد...
عادت ربيكا لتهدئتها، ولم تتركها قبل أن تعود للنوم. ثم غادرت بصمت هي ومارك.
وبعد قليل من الوقت، سمعت طرقات خفيفة على الباب، قفزت من سريرها بخوف، إتجهت نحو الباب وقالت بصوتٍ مرتجف:
_ من؟...من....من هناك؟
كان رجل ما يقف خلف الباب، أجاب بهدوء قائلاً:
_ لا تخافي آنستي، أنا سائق الباص ...
فتحت الباب بسرعة وقالت له:
_ أرجوك ، تفضل، تفضل، لم أتمكن من شكرك اليوم...
_ عفواً، لست وحدي، الشرطة معي.
شعرت بالدوار، ولكنها تماسكت، ونظرت للشرطيين اللذان كانا يرافقا سائق الباص، قال أحدهما:
_ نعتذر منك، ولكن أردنا إخبارك بأن تم القبض على ذلك المعتدي.
نظرت إليه دون تركيز وقالت:
_ ماذا؟ هل قبضتم عليه؟
_ أجل، لقد قبضنا عليه، المشكلة ليست هنا...بل ...
_ بل ماذا؟ أخبرني ، أعتذر منك، لا أستطيع أن اقف لابد أن أجلس...
جلست على الكرسي الصغير قرب سريرها، ودخل خلفها تاركاً الباب مفتوحاً، ثم قال بتردد:
_ آنستي، الرجل الذي هاجمك ....إنه مصاب بمرض الإيدذ...
شعرت بأن الأرض تميد بها، سقطت فجأة على الأرض، ولم تشعر بما يدور حولها. وخلال دقائق كانوا قد إتصلوا بالإسعاف.
إستيقظت في المستشفى، نظرت حولها لتجد نفسها في مكانٍ غريب، مُحاطة بأشخاص غرباء يلبسون الأبيض أو الأزرق، وفجأة تذكرت كل شيء، بدأت بالصراخ ، وأرادت أن تغادر سريرها، ولكنها وقعت أرضاً بسبب ضعفها الشديد، عادت الممرضات لحملها من جديد ووضعها على الفراش؛ ثم عاد سائق الباص مع الطبيب، قال لها بهدوء:
_ آنسة ليلى، هذا الطبيب هو المشرف على حالتك، لقد رغبت الشرطة بالحضور لأخذ المعلومات منك، لأن ذلك الرجل سوف يتحول للمحاكمة. سوف يقوم الطبيب بإجراء كل الفحوصات اللازمة لك وبصورة مجانية...
قاطعته قائلة:
_ لكنه لم يتمكن من إغتصابي...كيف يمكن أن ينتقل الفيروس لي؟
_ المشكلة هي أنك غرزت أظافرك في وجهه وسالت دمائه.
نظر إليها الطبيب وقال:
_ هناك إحتمال واحد لأن تكون العدوى قد إنتقلت إليك، وهي أن يكون هناك جرح ما بيدك، لأن هذا الفيروس ينتقل عبر الدم أو الإتصال الجنسي، لذا أنصحك بالهدوء وأن تنتظري نتيجة الفحص، ربما يكون العناية الإلهية قد أنقذتك.
لم تتمالك نفسها، وبدأت بالبكاء الشديد، قال لها السائق:
_ هل يمكنني أن أتصل بأي أصدقاء لك ، لأنني لابد أن أعود لعملي.
_ أجل هناك صديقة أسمها ربيكا، وهذا هو رقمها.
_ سوف أتصل بها بصديقتك.
_ أريد أن اشكرك، لقد أنقذتني ولن أنسى ذلك...أشكرك...
_ لا داعي لشكري، هذا واجبي، وأتمنى أن تكون نتيجة الفحص غداً سلبية. إلى اللقاء.
وخلال ساعة كانت ربيكا قد وصلت، رأت ليلى وهي تبكي دون توقف، إحتضنتها وقالت:
_ ليلى، لقد إتصلت ببسام، الرسام العراقي، لا يستطيع الحضور لأنه لابد أن يوقع عقد عمل هام بالنسبة له ، ووعدني بالحضور بمجرد أن ينتهي من توقيع العقد، ولكنه أعطاني رقم هاتف شخص آخر يعيش قريباً من بازل، إنه ذلك الرجل العربي الذي تحدث معنا حين كنا معاً في مقابلة السيد روسلان، لقد أخبرني بسام بأنه فلسطيني واسمه كمال. لقد إتصلت به، وقد كان قلقاً جداً عليك، وأخبرني بأنه سيحضر غداً، ولكن حين علم بأنك في المستشفى أصر على الحضور اليوم، ربما سيصل بأي وقت الآن، أعذريني بأنني تصرفت من تلقاء نفسي دون سؤالك، لكن أعتقد أنك فعلاً بحاجة للحديث مع شخص ما يتحدث بلغتك...
نظرت إليها ليلى من بين دموعها وقالت:
_ أفعلي ما ترينه مناسب يا ربيكا، هذه الليلة لن أنام، لأنني أنتظر فحص الإيدذ، الرجل الذي حاول إغتصابي كان مصاب بالفيروس، لم يعد يهم أي شيء الآن، أرغب فعلاً بالموت.
وضعت ربيكا يدها على فمها لتخنق صرخة الصدمة ولكنها تمالكت نفسها وقالت:
_ إهدئي يا ليلى، ربما تكون نتيجة الفحص سلبية...ربما..
لم تعد ليلى تستمع لما تقول، فقد بدأ المهديء الذي تم حقنها به يأخذ مفعوله، كانت تستمع بهدوء لما تقول ربيكا ودون أن ترد، ثم قالت لها ببطء شديد:
_ ربيكا، أنت لطيفة معي، أرجوك أن تعودي لبيتك، أسرتك بحاجة لك، وربما يصل ذلك الشخص الذي لا أعرف حتى اسمه، وعموماً أنا بخير هنا، إذا إحتجت لأي شيء سوف أتصل بك، أشعر بالنعاس، وربما سأغفو إلى أن يأتي الصباح وأعرف ما نتيجة ذلك الفحص. أشكرك كثيراً.
أمسكت ربيكا بيد ليلى بدفء وقالت:
_ إن أحتجت لأي شيء أتصلي فوراً، فنحن جميعاً قلقون لأجلك، سوف آتي مع مارك وداني غداً صباحاً.
_ أشكرك...إلى اللقاء.

***

_ أنا مضطر للذهاب إلى بازل.
نظرت سوزان زوجة كمال إليه بإستغراب وقالت:
_ ماذا؟ بهذه الساعة! لماذا؟
_ يوجد صديق لي لديه مشكلة، وهو في المستشفى ولا يعرف أحد غيري في بازل.
_ هل يقيم بصورة غير مشروعة، إن كان كذلك فلا أنصحك بالذهاب أو التدخل بأموره.
_ لا، لا، أوراقه قانونية ولكنه بحاجة لمساعدتي.
_ بماذا ستساعده؟
_ لا أدري بعد يا سوزان، لقد أخبرني بذلك، حين أعود سوف أخبرك..
_ أنت تعلم بأنني لا أحب العلاقات مع العرب ، فلديهم كثير من المشاكل..
_ سوزان، هذا ليس وقت الإنتقادات، أعلم رأيك بالعرب، وانت تنسين دائماً بأنك متزوجة من عربي.
_ أنت مختلف عنهم...
_ أجل ، ربما، والآن لابد أن أذهب، ربما سأضطر للنوم في بازل إذا تأخر الوقت كثيراً.
_ ماذا؟ لا أحب ذهابك هذا، لا أشعر بالإرتياح..
_ لم أخرج بهذا الوقت المتأخر منذ زواجنا، هذه أول مرة وصديقي هذا بحاجة لي، لذا أرجوك يكفي كل هذه التعليقاتن لابد أن أذهب..
نظرت إليه بإرتياب وقالت:
_ كمال، إذا علمت أن هناك إمرأة غيري فلن أسامحك، وسوف ينتهي ما بيننا، أنت تعلم بأنني أكره الخيانة.
نظر إليها بطرف عينه وقال:
_ أنت آخر من يتحدث عن الخيانة، هل نسيت رالف زميلك في العمل.
قالت بغضب:
_ أنت لا تنسى ابداً، لم أخنك، لقد كان مجرد صداقة عادية، أم نسيت إهمالك لي ولمشاعري بتلك الفترة.
_ لا ، لم أنسى، وكما قلت بتلك الفترة، أي موضوع إنتهى، والآن لابد أن أغادر القطار سيصل خلال نصف ساعة. وإذا خفت من خيانتي، فأنا سأكون في مستشفى الجامعة ببازل. إلى اللقاء
جلس في القطار، يراقب قطرات المطر التي لم تتوقف عن الهطول، رأى صورة وجهه تنعكس على الزجاج الشفاف، رأى رجلاً وحيداً وغريباً يذهب إلى انسانه أخرى أشد وحدة منه وأشد تعاسة. تذكر العلاقة التي كانت بين زوجته وصديقها رالف، والتي كانت تنكرها طوال الوقت بذريعة أنه مجرد زميل عمل وأن الصداقة شيء عادي في المجتمع الغربي؛ إضطر للصمت لأجل أولاده ولكنه كان يعلم بأنها كانت تخونه، لأنه كان يستمع لمكالماتها معه، وقد راقبها عدة مرات ورأى بأنه تصعد لشقته وتغيب لساعات ثم تعود للبيت. لم تكن تريد الطلاق لأنها لم تكن متأكدة بأن رالف سوف يبقى معها. تذكر تلك الفترة من حياته حيث شعر بالضعف والعجز عن فعل أي شيء، حتى أنه قبل بالعمل في الشركة المسؤول عنها جاك وتحمل عنصريته كي يخرج من البيت ولا يتواجد معها؛ لقد تحول الكمبيوتر إلى وسيلة هروب من واقع لا يستطيع تغيره ولا الهروب منه. ولقد كانت محطة خطيرة بحياته حيث أدرك بأنه لم يتزوج زوجته السويسرية فقط بل تزوج ثقافتها وكل القوانين التي تحميها حتى ولو أخطأت بمواجهة عربي آتٍ من مجتمع متخلف، تبدو كل القوانين ضده، بل حتى أولاده يمكن أن يتحولوا لأعداء له، وأدرك وقتها فقط ما الفرق بين الزواج بعربية والزواج بغربية، ليس لأن أي منهما أفضل من الأخرى، ولكن لأن المرأة العربية تخاف من الخيانة ولا تلجأ إليها إلا إذا إنهارت كل قيمها الأخلاقية، كما وأن المجتمع العربي يمنحه كل المبررات بأن يطلقها ويأخذ أولاده؛ ولكن هنا الأمور مختلفة، لذلك قرر الصمت، وألا يرى أو يسمع. ولم ينسى بأن علاقتها مع رالف لم تنتهي لأجله بل لأن رالف وجد امرأة أخرى أصغر وأجمل منها؛ وعرف ذلك حين عادت من العمل يوماً ما غاضبة وبمنتهى العصبية، أعتقدت بأنه ليس موجود بالبيت، فسمعها تشتمه وتقول له بأنه خائن، وأنها رأته مع تلك الشقراء الشابة، أغلق الخط بوجهها فرمت الهاتف بالأرض لتتناثر قطعه في أرجاء الصالون. ومنذ ذلك الحين، لم تعد علاقتهما كالسابق، وأصر على ألا يُنجب أي أطفال آخرين منها.
واليوم، يرى وجه ليلى الحزين، ويشعر بالغضب العارم لما حصل لها لأنها امرأة عربية وليس لأنها ليلى فقط، ولأنه يعمل مدى براءتها وخوفها من كل ما يدور حولها، شعر بالألم الشديد لأجلها، لا ليس لأجلها فقط بل لأجله هو أيضاً، فهو الغريب الذي يسير على الأرض الغريبة وحيداً مع قدره ومع ما إختاره لتكون حياته، وهاهو يواجه وبكل يوم البيت الكرتوني الواهن الذي بناه بيديه، ويشعر بأنه يمكن بأي لحظة أن ينهار أمام أي عاصفة. اليوم يشعر بالحب والحنين يملأ صدره لوجه شرقي، يريد أن يضمه طويلاً لصدره ليس حباً فقط بل حنيناً لأرض الشمس والقمر والنجوم.
لقد شعر بالغضب والألم لأجل ليلى، ولكنه وبنفس الوقت شعر بسعادة دفينة مكتومة، لأنه أخيراً سيتمكن من الحديث معها، خصوصاً وهي بحالة الضعف التي تمر بها، ربما ستقبل أن تتحدث معه وتقبل صداقته وربما مشاعره أيضاً.
وصل للمستشفى، وسأل عن رقم غرفتها ، طلب من الممرضة التي تُشرف على ليلى أن تخبرها بوجوده. غابت للحظات، ثم طلبت منه أن يدخل. وقف وسط الغرفة لا يجد الكلمات، كانت مستلقية على السرير، ضعيفة وشديدة النحول كأنها خسرت كل وزنها خلال ساعات من الحادث، كانت الدموع تملأ عينيها، ولم تتوقف عن البكاء حتى حين نظرت إليه. ولأول مرة منذ وصوله لسويسرا يعرف معنى آخر للغربة، معنى قاتل مُدمر أشد قسوة من الموت، إنه ذلك الإنكسار والهوان، وهو يعلم ماذا تعني كلمة الشرف في مجتمعه الشرقي. قالت له بصوتٍ ضعيف وكأنها تقرأ أفكاره:
_ لم يتمكن من....من إغتصابي، لقد دافعت عن نفسي، وقد أنقذني سائق الباص.
_ لم أسألك عن هذا، كل ما يهمني هو أنك على قيد الحياة ...
_ ربما سأكون على قيد الحياة لفترة ما ثم...
_ ماذا تقصدين؟
_ ذلك المجرم يحمل فيروس الإيدز، وأنا غرزت أظافري بوجهه، أنتظر نتائج الفحص غداً لمعرفة إن كنت قد أُصبت بالعدوى...لا أدري..
ثم أجهشت بالبكاء، وقف مذهولاً لا يدري ماذا يقول، ثم نظرت إليه وقالت:
_ إن كنت خائفاً مني يمكنك أن تغادر.
لم يكن هناك أي مجال لكلمات المجاملة أمام صعوبة الموقف، تجاوزا كل كلمات التعارف لأن الألم كان أكبر من كل الكلمات الشكلية والتي لا معنى لها؛ إقترب منها، ثم جلس على الكرسي بجانب سريرها وقال بهدوء:
_ ليلى، لقد تمنيت أن أتحدث إليك منذ شهور، شيء ما في قلبي كان يخبرني بأنك عربية، وحين عرفت بأنك عربية ملأت السعادة كل كياني، مهما حصل معك لن أتخلى عنك، وإن لم تقبليني كصديق، فأرجو أن تعتبريني أخ لك، يهمه أمرك.
إنهالت الدموع من عينيها دون أن تنظر إليه، ثم قال لها:
_ هل يمكنني أن أمسك يدك...
صمتت ، فمد يده وأمسك بيدها الصغيرة وقال:
_ أنا أعلم يا ليلى ماذا يعني أن يكون الانسان غريباً ووحيداً ، ولكن حين تكون المرأة غريبة ووحيدة هذا شيء أصعب ...
هزت رأسها بصمت، نظرت إليه وقالت:
_ هل يمكنني أن أطلب منك شيء ما!
_ بالطبع.
_ أرجوك، إذهب لمكان سكني، سوف أكتب لك العنوان وأحضر لي القرآن الكريم الموجود على سريري، أنا أعلم بأنني لن أنام الليلة، أنا بحاجة للقرآن أرجوك...
_ بالطبع يا ليلى، أعطني المفتاح وسوف أكتب العنوان.
وخلال ثوانٍ كان قد غادر الغرفة. شعرت بالسكينة تعود لها، وتذكرت مارك، كيف أدرك بأنها بحاجة لمن يتحدث لغتها الأم، كانت تود لو تراه وتشكره، لقد كان محقاً، فحديثها مع كمال خفف كثيراً من معاناتها. نظرت إلى جسدها الذي قد يحمل ذلك الفيروس الفظيع، إنتقلت نظراتها إلى النافذة، وقامت بإطفاء النور لترى خيال الأشجار الأسود الذي يهتز بقوة تحت تأثير الرياح الباردة التي بدأت بالهبوب في الخارج؛ أصغت السمع لصوت الأشجار وحركتها العنيفة، كانت تعشق هذا الصوت حين كانت طفلة وحين كانت لها حياة في دمشق، لقد كانت من أسعد لحظات حياتها، برد الشتاء والأمطار ثم هبوب الرياح الباردة التي تعزف مع الأشجار سمفونية لا تعرف النهايات. أما الآن، وفي غرفة صامتة، بمكانٍ ما في أوروبا، تجلس في سريرها، الدفء يملأ المكان، ولكن قلبها يغرق ببرد الغربة والخوف والألم. إنكمشت في سريرها، لأن الخوف كان أكبر من أن تواجهه؛ ثم أتى السؤال الصعب الذي يرافق الخوف: " ماذا لو كنت مصابة بالفيروس؟ ماذا سأفعل؟ كيف سأعيش؟ ..لا لن أعيش، سوف أنهي حياتي، لأن لا حياة لي مع هذا الفيروس، لن يصدقوا بأنني بريئة منه وأنني مجرد ضحية، سوف يهرب الجميع مني ويخافون من العدوى، ثم سوف أمرض المرة تلو الأخرى إلى أن أتحول لشبح مخيف، ثم من سيعتني بي حين أمرض، من سيأتي معي للمستشفى إن لم أستطع أن أسير، من أين سأشترى الأدوية باهظة الثمن؟ كيف سأمشي وأشتري إحتياجاتي؟ ثم ماذا سأنتظر من حياتي سوى الموت مع الفضيحة! لقد قررت الآن وهنا، إذا كان الفحص إيجابياً سوف أُنهي حياتي، سوف أشتري عدد كبير من الحبوب المنومة، فلدي علبة في غرفتي سأبتلع كل الحبوب الموجودة بها، لقد كنت أنام بعد تناول حبة من هذه الحبوب ولن يختلف الأمر كثيراً، الفرق هو أنني سوف أنام ولن أستيقظ؛ تماماً مثلما رأيت في السينما، ثم أنام إلى أن أموت، أجل هذا ما سأفعله، لن أموت بل سأنام....وأعتقد بأن الله سيسامحني، بل أدعو الله أن يسامحني، ياألهي، سامحني إن إخترت الموت، فأنا لا أحد لدي بهذه المدينة الغريبة، لا أستطيع أن أكون غريبة ومريضة بذات الوقت، وهو ليس مرض يُرجى شفاؤه بل مرض يؤدي حتماً للموت، أرجوك يا إلهي، أريد أن أموت بكرامة، حتى ولو مت لا أدري من سيقوم بدفني، لابد أخبر كمال حين يعود بأن يدفنونني إن مت مع المسلمين. كنت أريد أن أُدفن في دمشق ولكن لابد أن أدفن هنا لأنني لا أريد أن يعلم أحد سبب موتي الحقيقي، وكيف سينقلوا جثماني لدمشق، ثم لا توجد معي أي نقود لأدفع تكاليف ذلك؛ ومن سيستقبلني هناك، حتى المطار ربما يكون قد تدمر الآن؛ من الأفضل أن أُدفن هنا، يمكنهم أن يقولوا بأنني مت من الحزن والغربة والتعب ولكن ليس من الإيدز وسوف يعتقدون بأنه تمكن من إغتصابي، لن يصدقوا بأن الفيروس إنتقل لي عبر اظافري..."
لم يتوقف سيل الأفكار والمشاعر والدموع وهي تقبع بصمت تحت غطائها الأبيض، ثم سمعت صوت طرقات على الباب، أشعلت الضوء، لقد كان كمال، يحمل معه كيس شفاف به القرآن الكريم، تناولته بسرعة من يده وضمته إلى صدرها:
_ أشكرك، أشكرك...
لم يجد أي كلمات يقولها لها وهي بهذه الحالة المأساوية، فدموعها لا تتوقف ولم تنظرإليه وكأنها أصبحت في عالم آخر، لقد كانت بحال أفضل قبل أن يغادر، فجأة نظرت إليه وقالت:
_ كمال...
شعر بالسعادة الغامرة لأنها تناديه لأول مره باسمه، ولأنه يسمع اسمه منها هي، جلس بسرعة بقربها ليوليها كل إهتمامه:
_ إذا مت، أرجوك لا تتركني وحيدة بموتي، لابد أن تكون موجود، وأن يدفنونني في مقبرة المسلمين، وأريد أن تأخذ أنت هذا القرآن الكريم، لقد كان لوالدتي وأحبه كثيراً كانت تقرأ به طوال الوقت..
قاطعها قائلاً:
_ ما هذا الذي تقولينه؟ هذه الوساوس سوف تقتلك وليس أي شيء آخر، حتى – لا قدر الله - لو كنت مصابة بالفيروس فتوجد أدوية متطورة وأصبح مرضى الإيدز يعيشون سنوات طويلة.
_ أنت لم تفهم بعد، لا أستطيع أن أعيش مع هذا الفيروس، لن أحتمل الخزي والعار ، أفضل الموت على أن أحيا هذه الحياة بين سرير ومستشفى....لا ...لا...لا أستطيع
وعادت للبكاء من جديد دون توقف، أخذ القرآن الكريم من بين يديها، وبدأ يقرأ بصوتٍ هاديء
أول آيات سورة البقرة، نظرت إليه وتوقفت عن البكاء، وحين توقف عن القراءة قالت له:
_ أرجوك، تابع القراءة، صوتك جميل، أنت تعرف التجويد؟
_ أجل، لقد علمتني إياه عمتي، لم تتزوج، وكانت متدينة، كرست كل حياتها للدين وخدمة الأيتام.
_ أرجوك، أكمل القراءة، ولا تتوقف، لقد أتعبتك اليوم، سامحني.
نظر إليها بعطف وقال:
_ أنا معك طوال الليل، وسوف اقرأ لك ، فأنا لسنواتٍ طويلة تمنيت أن أقرأ القرآن لشخص يحبه مثلي...أنا سعيد هنا يا ليلى، لن تفهمي مشاعري الآن، ولكن أعلمي إنها مشاعر كانت ميتة منذ سنواتٍ طويلة والآن إستيقظت وملأت وجودي بالدفء، لذا لا تقولي بأنك أتعبتني ، بل أنت أحييتني بعد موتي...
بكت من جديد ولكن ليس بسبب الحزن ولكن بسبب رقة مشاعره ، ألقت برأسها على الوسادة، تستمع بهدوءٍ كامل لتلاوته للقرآن. دخلت الممرضة لتطلب من كمال المغادرة لأن ساعة الزيارة قد إنتهت، نظرت إليها ليلى وقالت:
_ لا ، لا أريد أن يغادر، لا أشعر بأنني متعبة، ولا أستطيع أن أبقى وحدي، اشعر بالخوف وحدي، أرجو أن تدعيه يبقى معي.
ثم نظرت ليلى إلى كمال وقالت:
_ أما إذا رغبت أنت بأن تغادر فلا بأس.
_ قلت لك بأنني لن أتركك بمثل هذا الظرف.
نظرت إليهما الممرضة وقالت:
_ هذا مخالف لقانون المستشفى، ولكن بما أن ليلى تحسنت وهي تحت المراقبة الليلة فقط، سوف أسمح لك بالبقاء على ألا تتحدث معها كثيراً وتتركها تنام قدر الإمكان.
قالت له ليلى:
_ لا أدري كيف أشكرك. أشعر بالنعاس، ولكنني سوف أثقل عليك مرة أخرى، أرجو أن تتابع القراءة.
تابع تلاوة القرآن إلى أن بدأت ليلى تغفو، وحين تأكد بأنها نامت توقف عن القراءة ومكث للحظات يراقب وجهها الجميل والبريء، بملامحها الشرقية والوهن الواضح عليها؛ شعر بالإشفاق لأجلها أكثر من شعوره بالحب؛ وشعر بالقلق أيضاً لأجلها، فماذا سوف تفعل في هذه المدينة الأوروبية الكبيرة. من سيحميها، وكيف ستعيش ؟ شعر بالقلق لأجلها ليس لأنه يحمل المشاعر تجاهها بل لأنها عربية وصغيرة السن ووحيدة بل هي وحيدة في الحياة أيضاً فقد أخبرته ربيكا بأن أهلها جميعهم استشهدوا في سوريا. أصبحت ليلى مسؤوليته، حتى ولو لم تبادله المشاعر، لن يتخلى عنها لأنها بحاجة له. ثم تذكر نتيجة الفحص الذي سيظهر خلال ساعات، إنتابه الخوف لأجلها، وشعر بأنه بحاجه للدعاء لها، تذكر بأنه لم يصلي منذ سنواتٍ بعيدة، وكانت ليلى بأمس الحاجة للدعاء، نهض وتوضأ وقرر أن يصلي حتى ولو نسي بعض الكلمات التي يجب قولها خلال الصلاة. صلى كثيراً لأجلها وتوجه بالدعاء لله تعالى بأن ينقذ ليلى من محنتها؛ ثم عاد للجلوس بقربها، غافله النعاس، فنام على الفور لشدة التعب.

إستيقظت ليلى صباحاً لتجد كمال نائم على الكرسي بجوارها، نظرت إليه بذهول، كيف لهذا الشخص الغريب أن يهتم بها كل هذا الإهتمام، لم تتحرك من مكانها كي لا توقظه، تأملت ملامحه السمراء العربية وخصلات شعره السوداء؛ نومه منحها الفرصة لتتأمل وجهه، فهي لم تنظر إلية بتمعن من قبل، في البداية تجاهلاً له أنه لم تكن تريد الحديث معه، ثم خجلاً منه حين رأته في المحطة والآن خجلاً أيضاً لأنه يهتم بها كل هذا الإهتمام وهو بالكاد يعرفها، للحظات نسيت الفحص الذي تنتظر نتيجته، ونسيت الضعف الذي يعتري جسدهان وشعرت بدفٍ يسري بعروقها لم تعرفه منذ أن مات أهلها، فغربتها لم تبدأ حين وصلت لسويسرا بل حين رأت جميع أفراد أهلها أموات أمامها؛ كانت تلك غربتها الحقيقية في الوجود كله وليس في حياتها فقط، والآن وأمام هذا الغريب، تشعر بنسمة خفيفة حنونة تأتي من والدتها ووالدها، وكأنه يتصل بهم بصورة غريبة وغير مفهومة، كأنه جزء من وجودهم الذي رحل عن حياتها. نظرت إليه مرة أخرى وهمست لها روحها: " هذا الرجل أرسله الله تعالى في طريقي، لأن ما أشعر به أعمق من أي شعور آخر ولا افهم هذا الشعور، ربما الأيام القادمة تجعلني أفهم مشاعري هذا، إنها ليست مشاعر حب ولكنه شيء عميق ودفين لا أستطيع تفسيره".
توقفت عن التفكير وجمدت مشاعرها حين رأت أن كمال يتحرك في مكانه، ثم فتح عينيه، لتقع نظراته عليها وهي تراقبه، إبتسمت بحرج وقالت:
_ لقد ترددت بإيقاظك، فأنت تبدو متعب، أعتذر منك ...
لم تتابع كلماتها بسبب رنين هاتف كمال، لقد كانت زوجته سمعته ليلى يقول :
_ حسناً، حسناً، سوف أعود في المساء.
صمتت ليلى وحين إنتهي من الحديث قال :
_ إنها زوجتي، اسمها سوزان، وهي سويسرية.
شعرت ليلي بالحزن بعتصر قلبها ولم تدري لماذا، فهذا الرجل لم تراه سوى مرات قليلة ولكنه ترك أثر عميق بنفسها، فلماذا تحزن لأنه متزوج، ثم فكرت بأن هذا أفضل كي لا تعيش بأي وهم، ابتسمت وقالت:
_ أعتذر مرة أخرى، فأنا شوشت كل نظام حياتك.
_ لا تقولي هذا، أنا سعيد بمساعدتك.
دخلت الممرضة مع الفطور الخاص بليلى وإستأذن كمال ليتناول فطوره في الكفتيريا. عاد بعد وقتٍ قصير. وجد ليلى بحالة توتر شديد، قالت له بمجرد رؤيتها له:
_ سوف يحضرون نتيجة الفحص الآن. الحمد لله أنك معي ...الحمد لله...
أمسك بيدها وقال:
_ لقد صليت بالأمس ودعوت لك كثيراً.
نظرت إليه من بين الدموع ولم ترد. وخلال دقائق كان الطبيب يطرق الباب ويدخل وهو يبتسم:
_ صباح الخير يا ليلى. أتمنى أن تكوني بخير.
_ أنا ...أنا بخير ، أرجوك أخبرني، لا أريد أن أقرأ أي ورق...أرجوك فوراً...
نظر إليها مبتسماً وقال:
_ كان لابد أن تعرفي الإجابة حين رأيتني أبتسم، الفحص سالب ولم تنتقل لك العدوى، أنت سليمة الجسم. فقط لابد من تغذية جيدة والمزيد من الفيتامينات والراحة...
قفزت من سريرها، لتقبل الطبيب، ثم لتقبل كمال والممرضة، الفرحة ملأت المكان، ووجه ليلى عادت إليه الدماء مجدداً، قالت لكمال بصوتٍ مبتهج:
_ كمال، لقد عدت للحياة، كمال أنا حية، حية....
ثم جلست على سريرها تبكي دون توقف وتقول باللغة العربية: " الحمد الله، الحمد لله ، لقد إستجاب الله لدعائي" وقفوا جميعاً بحيرة لا يدرون ماذا يفعلون، لقد كانت معهم ولكنها في عالم آخر، ثم سألت ربيكا كمال عن معنى كلماتها فترجمها لها وعاد لصمته محاولاًحبس دموعه.
إقترب منها الطبيب بحذر وإنحنى ليتكلم معها:
_ أرجو المعذرة، ولكن الشرطة تريد أن تستمع لأقوالك قبل أن تغادري المستشفى، حين تنتهين من جمع أغراضك سوف يقابلونك ثم غادر بعد تهنئتها.
مسحت دموعها ونظرت لكمال وقالت:
_ لن أنسى ما حييت ما فعلته لأجلي...أنت...
ساد الصمت، ورغب كمال بأن يضمها لصدره، ولكنه منع نفسه من ذلك، فقال لها بلطف:
_ أنا سعيد مثلك لأنك عدت للحياة، فحياتك غالية بالنسبة لي.
لم ترد، وتذكرت بأنه متزوج، فابتسمت وقالت:
_ والآن، يمكننا أن نشرب القهوة معاً ثم أحضر أغراضي لأغادر المستشفى، أشعر بأن حيويتي عادت لي. شربا القهوة معاً، ثم سمعا طرقات خفيفة على الباب ، لقد كانت ربيكا وزوجها ومارك وداني، دخلوا جميعاً ليسلموا بحرارة على ليلى بعد أن عرفوا بأنها لم تصاب بالفيروس، إحتضنت داني طويلاً وقالت لكمال:
_ هذه عائلتي في سويسرا، وهذا صديقي العزيز داني، ومارك أيضاً صديقي، اشكرك كثيراً يا مارك لأنك إقترحت أن يحضر أحد ما لرؤيتي يتحدث العربية، لقد ساعدني هذا كثيراً.
جلسوا جميعاً يتناولوا الحلوى التي أحضرتها ربيكا، ثم قالت لها ربيكا:
_ هل ستعودين للعمل؟
_ لا يا ربيكا، لم أعد أستطيع أن أعمل في محطة القطارات، أشعر بالخوف من ذلك المكان، وأريد تغيير سكني. سوف أبحث في مكتب العمل عن عمل آخر.
قال مارك:
_ يمكنك أن تدرسي في الجامعة!
_ لا ، لا أفكر بهذا الآن، ربما لاحقاً. المهم الآن هو انني بخير وأريد أن اشكر كمال ، لقد ساعدني كثيراً ولولاه ربما كنت ميتة الآن من الخوف.
نظروا إلى كمال وكأنهم يروه لأول مره، ثم قال زوج ربيكا:
_ ليلى، لقد فكرنا بأنك لن ترغبي بالعودة لسكنك القديم، لذا فكرنا بأنك يمكنك الإقامة مع صديقة
لنا متقاعدة وهي سيدو مُسنة تعيش وحيدة في بيت كبير، لقد أخبرتها عنك وهي ترحب بك اسمها السيدة بلانسكي، ولا تريد أي إيجار منك إلى أن تجدي غرفة أخرى، أما إن رغبت بالسكن عندها دائماً فسوف تتفقين معها حول الإيجار ؛ إنها تسكن في مركز المدينة، سوف يعجبك موقع منزلها لأن المنطقة ممتلئة دائما بالناس، وأعتقد أنه من الأفضل لك إستئجار غرفة وسط المدينة حتى ولو كانت أجرتها مرتفعة، فهذا يوفر لك أمان أكثر من المناطق المنعزلة والبعيدة عن مركز المدينة. قبل الذهاب لبيتها، سوف نمر على سكنك القديم، وتأخذين أغراضك ، لقد أخبرنا المؤجر بما حصل معك ولا مانع لديه من أن تغادري بعد أن تدفعي ما تبقى عليك من إيجار.
قال لها كمال:
_ أعتقد أنها فكرة جيدة، وسوف أتصل بك من حين لآخر، وإن وجدت أي عمل لك سأخبركن أعتذر الآن لأنني لابد أن اعود لعملي، هل معك ما يكفي من النقود؟
هزت رأسها بالإيجاب، صافحهم جميعاً، ثم نظر ليلى وقال دون إظهار مشاعره أمامهم:
_ إذا إحتجت أي شيء إتصلي بي ، لديك رقم هاتفي، آه لقد نسيت، لقد أتصل بسام عدة مرات ليسأل عنك وقد طمأنته بأنك بخير وكل أمورك على ما يرام، سوف يتصل بك لاحقاً لأنه مشغول بأمرٍ ما. إلى اللقاء.
قالت لها ربيكا:
_ شاب لطيف. حسناً ليلى، سوف ننتظرك في المقهي ريثما تقابلين المحقق، ربما تريدين أن أكون معك؟
_ لا، أشعر بتحسن، ربما لو كنت أصبت بذلك الفيروس لطلبت أن تبقي معي، ولكن فرحتي بأنني سليمة جعلتني أنسى كل الألم والخوف، سوف أقابلهم وحدي وأقدم الشكوى التي يريدون مني، فذلك الرجل لابد أن ينال عقابه.
_ أجل، بالطبع، سوف ننتظرك في الكافتيريا...

***
جلس بسام أمام السيد ميشيل يشعر بالإرتباك، فهو أول عقد يوقعه يتعلق برسوماته، سأله السيد ميشيل:
_ هل أنت متفرغ للرسم أو أنك تعمل بمجال آخر؟
تردد بسام قليلاً قبل الإجابة، ثم قرر أن يكون صادقاً حتى ولو غير السيد أنطوان رأيه :
_ أنا عامل تنظيف في أحد الشركات في بيرن، أعمل صباحاً وأرسم في بيتي أو محطة القطارات مساءً.
صمت السيد ميشيل قليلاً ثم سأله من جديد:
_ وهل كنت تعمل في العراق قبل أن تأتي هنا؟
_ أجل، لقد كنت مدرس للغة العربية.
_ هذا مثير للإهتمام، كيف إذاً أتقنت فن الرسم؟
_ لقد كان والدي عاشقاً لكل ما هو عربي قديم، الأدب أو الفن، لقد دفعني لتعلم اللغة العربية، وبنفس الوقت كان يصطحبني لأتعلم الرسم، لقد كان صديقاً لفنانين معروفين في بغداد بذلك الوقت؛ والدي كان يحب كل ما هو شرقي.
_ وأين هو الآن؟
نظر بسام للسيد ميشيل مباشرة بعينيه وقال:
_ سيد ميشيل، إن كنت متردد بإبرام هذا العقد معي، فلا بأس، فأنا لم ولن أرسم لأجل مقابل ما، أنا أرسم لحبي للرسم، ثم أنني أعيش بكرامة حتى ولو كنت عامل نظافة، ولا أعتقد بأنك ستسمح لي بأن أسئلك كل هذه الأسئلة لو رغبت أنا بأن نتعاون معاً. أنا أعلم بأنني من جنسية ليست محبوبة بسويسرا، وأعلم أن هناك الكثير من الأوروبيين الذيم يكرهون التواجد الأجنبي خصوصاً العربي في بلادهم، ولكنه قدري ولابد أن أتعايش معه؛ تأكد تماماً بأنني لم أكن لأغادر العراق لولا الأحداث الدامية التي حصلت به. أما عن والدي فقد قُتل في بغداد حين كانت العصابات المجرمة تقتل المثقفين وأساتذة الجامعات وترمي جثثهم على الطرقات، لقد بقيت جثة والدي مُلقاة يومين على الرصيف ولم نتمكن من دفنه إلا حين غادرت تلك العصابات الطريق العام. والآن أرجو أن تشعر بمطلق الحرية بأن نتابع العمل معاً أو أن يبقى الإحترام بيننا .
إبتسم السيد ميشيل وقال:
_ لم أتردد للحظة بالتعاون معك، لأنني علمت منذ أن رأيتك ترسم بأنك لا ترسم لأجل أي مقابل، أما عن أسئلتي فهي بدافع الفضول لأنني لمست في لوحاتك مستوى ثقافي راقي. جميع اللوحات التي تراها معروضة هنا قرأت عن الرسامين الذين رسموها لأنني لابد أن أعرف كل شيء عن هذا الرسام؛ لابد أنك تعلم بأن أي لوحة لأي فنان هي مزيج من ذاته وروحه وثقافته بل وتفكيره أيضاً وكلما إتسعت ثقافته زادت المساحة الإنسانية في لوحته، ولكن هناك بصمة ثقافية متجذرة بكل شخصية وهي تبوح عن نفسها تلقائياً لأنها تشكل هوية الرسام وإنتماءه ولا يستطيع أن ينسلخ عنها؛ ولوحاتك يوجد بها هاذين البعدين، البعد الانساني الشامل والبعد الثقافي الشرقي والعراقي بالتحديد. أعتقد أنني واضح بهذا الخصوص. أما بشأن الأجانب، أعترف لك بأنني لا أحب تواجد الأجانب ببلدي، ولكنني لست عنصرياً، أنا ضد ما يجلبه المشاكل لسويسرا ولكن الأجنبي المتعلم والمثقف والذي يحترم الثقافة السويسرية يشكل إثراء لوطني، فالعنصرية العشوائية تشبه التخلف بعدة نواحي، لأنها تنطلق من تفكير محدود ومنغلق كما وأنها تغلق الأبواب ولا تفتحها، فتزيد من فقر الأجنبي ومن ضعف وضعه حتى في بلد مثل سويسرا، لذلك أعتبرها شعور انساني متدني حتى ولو إفتخر به البعض، وحتى ولو وضعته بعض الأحزاب كشعار لها. والآن فلنعد لموضوعنا الأساسي.
شعر بسام بالإرتياح، وبدأ بمناقشة بنود العقد مع السيد أنطوان، كان الإتفاق أن يدفع له السيد ميشيل مبلغ معين عن كل لوحة يرسمها بشرط أن تكون بمستوى فني رفيع؛ وقبل توقيع العقد قال له بسام:
_ يوجد شرط خاص بي، وهو أن أرسم متى اشاء وألا يكون هناك شرط يتعلق بالوقت، أنا لا أستطيع أن أرسم وأنا أشعر بأنني مُلاحق أو أعد عقارب الساعة، لا أستطيع أن ارسم إلا بحريتي الكاملة.
_ لا بأس وأنا موافق. هناك نقطة أخرى، يوجد بعض الزبائن ممن يختارون هم موضوع اللوحة، فيطلبون مني أن يرسم الرسام اللوحة وفق الموضوع الذي يختاروه هم، وإن لم تعجبهم اللوحة لا يدفعون ثمنها، وهم غالباً زبائن من مستوى ثقافي ومادي رفيع، لذلك إن رفضوا اللوحة لا أناقش ذلك معهم، لأنهم حين تعجبهم أي لوحة يدفعون بسخاء، وهذا النوع من العمل لن يكون ضمن شروط العقد، بل مستقل عنه لأنه قد يطلبوا ذلك عدة مرات في السنة وربما تمر سنة كاملة ولا يطلب أحد هذا النوع من العمل، فهل أنت مستعد لقبول هذا النوع من العمل، لابد أن أشير بأنني لن أدفع لك مقابل مثل هذه اللوحات إن لم تعجبهم لأنها مقيدة بفكرتهم هم ، وهم من يدفعون لك، وهناك ناحية أخرى بهذا الموضوع وهي أن هذه الطبقة الراقية بوابة لك لتكون فعلاً مشهور بسويسرا هذا بحال أعجبهم عملك، أما إن لم يعجبهم فسوف تبقى رسام يبيع لوحاته، لأنهم على إتصال وثيق بجميع المعارض والصالونات الفنية والثقافية ببيرن.
فكر بسام قليلاً، ثم أجاب:
_ ولكن هذه مجازفة، هذا يعني إن لم يعجبهم عملي فسوف أبقى على الغالب مجرد رسام يبيع لوحاته، لا فنان معروف هذا إذا كان لدي الطموح بأن أكون معروف!
_ ألا يوجد لديك الطموح بأن تكون معروف؟
_ لم أسأل نفسي هذا السؤال، أو بالأحرى لم أفكر به، كل ما كنت أفكر به هو أن أعمل وأعيش بكرامة، ولكن هذا السؤال....
_ تأكد بأنك لن تكون مشهور إن لم لديك الطموح لذلك، الطموح له أجنحة فإن لم تفردها بكل إتساعها لن تتمكن من التحليق، في مهنتنا هذه لابد من الحلم ، بل إن كل هذه اللوحات التي حولنا هي أحلام وتحولت للوحات، وكذلك حياتك وحياتي، حلم ترسمه ثم قد تتمكن من تحقيقه وقد لا تتمكن ولكن لابد أن تحلم.
نظر بسام إليه وفكر بأنه سيتعلم الكثير من هذا الرجل الذي يبدو لطيفاً مهذباً ولكنه صاحب ثقافة واسعة ونظرة ثاقبة، فقرر بثانية أن يجعل مصيره كفنان بين يدي هذا الرجل الخبير بما يفعل، فأجابه:
_ سيد ميشيل، أوافق على ما تقترحه عليّ، أنت رجل صاحب خبرة وأنا أريد الإستفادة من هذه الخبرة.
مد السيد ميشيل يده مصافحاً لبسام بعد توقيع العقد، ثم قال له:
_ لم أخبرك بما سأقوله لك الآن من قبل، ولكن بعد توقيع العقد يمكنني إخبارك بذلك، من هذا الأتيلية أصبح العديد من الرسامين معروفين على مستوى سويسرا، وأتمنى لك كل التوفيق، المهم أن تبقى بتطور دائم ولا تكتفي بما لديك، وأن ترسم دائماً وأبداً لأجل متعتك الخاصة وتذوقك الفني وأن تنسى أن هناك من سيرى اللوحة وقد يحبها أو لا يحبها، أرسم كأنك وحيداً تماماً بهذا الوجود. وهذا المبلغ من المال الذي إتفقنا عليه وهو ثمن اللوحات التي أحضرتها معك كما إتفقنا، هل تفضل في المرة القادمة أن أدفع لك نقداً أم أن بشيك .
إرتبك بسام وهو ينظر للنقود، فلم يمتلك مثل هذا المبلغ من قبل، حتى أنه أخطأ بعدها، ثم وضعها بجيبه دون عدها، لاحظ السيد ميشيل إرتباكه فابتسم وقال:
_ أنت تستحق هذه النقود، لوحاتك رائعة، لابد أن تثق بنفسك، فأنا لن أمنحك هذه الثقة دائماً.
_ أشكرك كثيراً وسوف أفكر بكل كلمة قلتها لي، أما بالنسبة لطريقة الدفع، فأفضلها نقداً، فأنا مثل والدي الذي لم يكن يحب الشيكات.
_ إتفقنا. وإلى اللقاء قريباً.
الكلمات لم تكن تكفي ليصف شعوره بالسعادة، وكان أول شخص يفكر به هو هيفاء، لابد أن يتصل بها ويخبرها، أمسك الهاتف كي يتصل بها، أتى صوتها هادئاً وبارداً بعض الشيء:
_مرحباً بسام، كيف حالك؟
صمت بسام متردداً حين سمع نبرتها الباردة، فقال:
_ كيف حالك يا هيفاء؟ رغبت بالإطمئنان عليك.
_ أنا جيدة، لماذا لم ترسل إيميل لي هذا أرخص، المكالمات غالية الثمن.
_ أجل ...ولكن..
وفي لحظةٍ قرر ألا يخبرها، شيء ما بصوتها جعله يشعر بأنها بعيدة عنه بمشاعرها:
_ أجل، ولكن في فترات معينة من اليوم لا تكون غالية كثيراً، عموماً لن نتحدث كثيراً،
أتمنى أن تكوني بخير، أرجو أن تكتبي لي أخبارك في الإيميل.
_ حسناً، أعتن بنفسك. إلى اللقاء
شعر أن فرحته كلها تناثرت في فضاء تلك المكالمة، فبرود هيفاء جعله يتسمر في مكانه، وقف للحظات لا يتحرك من مكانه محاولاً إستجماع مشاعره المشتتة؛ لابد أنها السنوات التي فرقت ما بينهما، ربما أصبحت انسانة أخرى، ربما تحب شخص آخر، ربما لا تهتم به لأنه فقير الحال...ربما أشياء كثيرة، ولكن الحقيقة واحدة وهي أن هيفاء تغيرت. ثم عاد وتذكر فرحته بهذا اليوم، وقرر أنه ورغم كل شيء لابد أن يكون سعيداً بهذا اليوم الجميل. إتجه نحو محطة القطارات، حيث مكانه المعتاد، لم يكن يحمل سوى ريشته وعلبة اللون الأسود وقطعة قماش قديمة أحتفظ بها لأن ملمسها قديم وخشن، لقد تعلم الرسم حتى على قطع القماس الخشن منها أو الناعم، بل كان يحب الرسم على قطع القماش لأنها تحمل دائماً حياة أخرى بداخلها خصوصاًحين تكون قديمة، تتحول الأشكال فوقها إلى ملامح للحياة الحقيقة التي كانت تحملها قطعة القماش القديمة والتي كانت ملك لشخصٍ ما. بدأ بالرسم بريشتة الوحيدة وباللون السود، رسم خطوطاً متناثرة على القطعة الخضراء، خطوط سوداء، متشابكة ومتنافرة في الحجم والشكل، لم يكن يفكر بأي شيء حين رسم تلك اللوحة، كل التشتت الذي تركته هيفاء خلفها رسمه على تلك القطعة الخضراء، لم يفكر ولو للحظة فيما كان يرسم، لقد كان يعبر عن كل ذلك القلق العاطفي الذي يشعر به والذي آتاه عبر آلاف الأميال . إنتهت اللوحة عند آخر خطٍ رفيع أسود يربط كل خيوط اللوحة بتعقيد ثم ينتهي بنعومة كأنه منفصل عن كل الخطوط الأخرى. توقفت ريشته عن الرسم وجلس صامتاً يراقب المحطة والناس والأضواء والقطارات ويُصغي السمع للأصوات كلها، ثم يستعيد إدراكه لذاته، بأنه بسام هنا في محطة القطارات وأن هيفاء هناك بعمان، وأنه لابد أن يتحرر من سيطرتها على أفكاره، فيبدو كأنه يعشق خيال أكثر من عشقه لامرأة حقيقية؛ كان لابد أن تتوقف لعبة الوهم تلك، وأن يعود للواقع. نظر لريشته وللوحته وأدرك أن الشيء الحقيقي الوحيد بحياته هو هذه الريشة الصغيرة وأنه لولاها ربما لما رغب أن يبقى على قيد الحياة. كان غارقاً بأفكاره، حين أتت جوليانا الشقراء ولم يلاحظها:
قالت وهي تضحك:
_ لابد أنه أمر هام جداً الذي جعلك لا تنتبه لشيء حولك...
نظر إليها كأنه يستيقظ من حلم ما:
_ آه، جوليانا، كم أنا سعيد برؤيتك، هيا سوف أدعوك لشرب القهوة، أنا اليوم سعيد جداً...
إتسعت إبتسامتها الجميلة وقالت:
_ هذا جيد، ولكن لابد أن تخبرني عن سبب هذه السعادة، هل هي امرأة أم شيء آخر؟
_ سوف أخبرك بالمقهى، هيا بنا...
_ إنتظر، ما هذه اللوحة، إنها تعجبني كثيراً...
_ هذه ليست لوحة، إنها قطعة قماش، وما رسمته كان مجرد خطوط لأنني كنت متوتر.
_ هل يمكنني شراؤها؟
_ لا ، بل أهديك إياها..
_ كم أنت لطيف، هيا بنا...
مشت بجانبه بمرحها المعتاد وخطواتها الرشيقة، وشعر أنه يحب هذه المرأة، ليس الحب التقليدي الذي يتحدثون عنه، ولكنه يحب بساطتها وعفويتها وخطواتها الخفيفة ونظراتها الطفولية. جلسا معاً في المقهي وأخبرها عن العقد الذي وقعه اليوم، فنهضت من مكانها وقبلته قبلة سريعة لسعادتها لأجله، ثم قالت:
_ أنت تدعوني للمرة الثانية لشرب القهوة، وأنا أدعوك غداً لحضور مسرحية من بطولتي، ثم نذهب للعشاء معاً؛ سوف نذهب لمطعم يقدم طعام سويسري تقليدي أحبه كثيراً، هل أنت موافق؟
ودون تفكير أجاب:
_ بالطبع ، بل أنا سعيد لذلك، ولكن ألن تشعري بالحرج لأنك ستكونين مع شاب عربي مثلي وأنت الممثلة المشهورة!
ضحكت كثيراً وقالت:
_ لقد تجاوزت مرحلة الحرج، حياتي الخاصة ملك لي، ويوجد لدي أصدقاء من كل الجنسيات، لأنني أحب التنوع الثقافي، والصحافيون لا يستغربون ذلك لأنهم أعتادوا على رؤيتي مع أشخاص من جنسيات متعددة، هل تعلم بأنني أتحدث أيضاً عدة لغات، عدا العربية بالطبع، ربما سأدرسها معك، مارأيك؟
ضحكا معاً ، ثم إستأذنت لإضطرارها للعودة لعملها وإتفقا على موعدهما في اليوم التالي. خرجت مسرعة وجلس خلف زجاج واجهة المقهى يراقبها من بعيد برشاقتها وجمالها الساحر وبساطة روحها، فحدث نفسه:" كم أنت رائعة يا جوليانا !".
ثم إتجه إلى مقهى الإنترنت، كان يشك بأن تكون هيفاء قد أرسلت له رسالة ولكنه أراد أن يتأكد، ربما لا تزال تهتم به، ربما السبب هو الهاتف وعدم وضوح الصوت. فتح إيميله فلم يجد رسالة منها، بل رسالة من منصور، فتحها وقرأ:
" عزيزي بسام، لقد ترددت قبل أن أكتب لك هذه الرسالة، ولكن كان لابد من كتابتها لك. لقد كنت بالأمس في النادي الليلي حيث تعمل هيفاء، لقد ذهبت كي أراها وأطمئن عليها، ولكنني في الحقيقة ذهبت بدافع الفضول لأرى ما هو عملها وأخبرك، ذهبت مع صديق لي؛ هيفاء كانت جميلة وصوتها جميل، ولكنها للأسف تغني أمام رجال غريبي الأطوار، وهناك راقصات ونساء كثيرات، أعترف لك بأنني إنزعجت كثيراً لأنني أعلم مدى حبك لها؛ لقد سألت عنها حارس النادي وبالطبع أعطيته مبلغ من المال ليتحدث، فأخبرني بأنها لا تخرج مع أي من الرجال وأنها متكتمة بحياتها الخاصة وترفض أن يزورها أحد ببيتها، ولكنه لا يعلم شيء آخر عنها. ارجو ألا أكون أزعجتك بهذه الأخبار ولكن أعتقد أنه من الأفضل أن تعرف كي تكون على بينة ونور من كيفية تواصلك معها. تحياتي. منصور"
جلس طويلاً أمام ذلك الإيميل، لا يتحرك، يقرأه المرة تلو المرة؛ أغلق الجهاز ونهض بخطواتٍ بطيئة ليخرج إلى الشارع، حل الظلام والبرد كان قارساً، ولكنه لم يشعر بالبرد، فالصدمة جعلته ينسى كل ما حوله، ماذا سيقول لها؟ كيف سيتصرف؟ هل ستكون هيفاء التي عرفها أم أنها انسانة أخرى؟ ولأول مرة يتمنى لو أن منصور لم يجدها، ولو أنها بقت هيفاء الجميلة والبريئة والتي أحبها في ذلك الزمن البعيد. ثم أمسك هاتفه الخولي وأتصل بمنصور:
_ مرحباً منصور، سوف آتي إلى الأردن بعد أسبوع.
أجاب منصور بسعادة:
_ هذا خبر رائع، لقد إشتقت لك كثيراً، سوف أكون بإنتظارك في المطار، أخبرني عن توقيت الرحلة واليوم الذي تصل به.
ثم ضحك وقال قبل أن يرد بسام:
_ أنت لا تأتي لأجلي ...
_ سوف آتي لأرى هيفاء، ولكنني بنفس الوقت أشتقت لك كثيراً، فأنا لم اراك منذ سنوات.
_ عموماً سوف أكون سعيد بزيارتك.
طلب بسام إجازة لمدة أسبوع من عمله، ورغم إمتعاض صاحب العمل إلا أنه تجاهل إمتعاضه وأخبره بأن رحلته هذه بالغة الأهمية؛ وافق على سفره بشرط أن اي تأخير يعني أنه لن يعود للعمل مرة أخرى، وافق بسام على الفور. كان لابد أن يتصل بكمال ليسأله إن كان يريد شيء ما من الأردن وكذلك بليلى التي لم يراها منذ الحادث الذي وقع لها؛ إتصل بها فقالت له بصوتٍ منفعل:
_ أشكرك يا بسام لأنك أعطيت رقم هاتفي لكمال، لقد ساعدني كثيراً.
صمت بسام قليلاً ثم أجاب:
_ لكنك لم ترغبي بالحديث معه أو حتى معي ، أليس كذلك! ما الذي تغير؟
_ تغيرت أشياء كثيرة، عندما نتقابل ثم نتحدث عن ذلك، المهم هل أنت بخير؟
_ أجل، أنا بخير، سوف أذهب خلال يومين إلى الأردن، هل تريدين أي شيء من هناك؟
صمتت للحظات، ثم أجابت بهدوء:
_ لا، أريد فقط أن تمشي في الشوارع وكأنني معك ، لأنني إشتقت ليس فقط لسوريا، بل لأي بلد عربي.
_ حسناً يا ليلى، سوف نلتقي حين أعود.
ثم إتصل بكمال، فقال له كمال بصوتٍ عميق وحزين:
_ كنت أتمنى لو أكون معك، فأنا أحب الأردن كثيراً خصوصاً عمان لأنها تُشبه القدس، لقد أصبحنا فعلاًغرباء حتى عن أوطاننا، المهم يا بسام أشكرك لإتصالك بي، لا أحتاج لشيء ولكن أريد أن تشتري لي بعضاً من القهوة، متى سوف تسافر ؟
_ بعد غد صباحاً.
_ بسام، إذا لم تتمكن من شراء تلك الأغراض فلا بأس، أنا أعلم أن سفرك لأسبوع لم يُمكنك من عمل أشياء كثيرة.
_ لا تقلق ، سوف أعمل جهدي الحصول عليهما...لقد أخبرت ليلى بأننا سوف نلتقي حين أعود من الأردن. وداعاً
لم ينس موعده مع جوليانا، إتصلت به جوليانا وأخبرته بألا يشتري تذكرة المسرح، وأنه سيجدها مع الموظفة التي تأخذ معاطف المشاهدين، وقف أمامها وناولها معطفه وأخبرها باسمه، إبتسمت بلطف وناولته التذكرة.
حجزت له جوليانا مكاناً مميزاً حيث يرى المسرح بوضوح. وخلال دقائق رُفعت الستائر المُخملية، بدأت المسرحية، لم يكن بسام يتابع المسرحية بقدر مراقبته لجوليانا، لقد كانت جميلة متألقة ورشيقة، تُجيد التمثيل بشكل لافت، بل لا يبدو أنها تمثل فهي بنفس الشخصة المرنة الجذابة. كانت المسرحية حول مشاكل أسرة إنتقلت من المدينة إلى الريف وتتابع الأحداث والصعوبات بتلك الأسرة. شعر بأنها يمكن بسهولة أن يقع بحب هذه المرأة المشرقة، ولكن هيفاء لا تزال تمتلك مشاعره وأفكاره بل وأحلامه، فجوليانا ستبقى دائماًصديقة فقط.
وحين إنتهت المسرحية، إنتظر بضع دقائق إلى أن خرجت وإصطحبته للمطعم الذي أخبرته عنه. دخلا إلى المطعم، وشعر بإرتباك شديد في ذلك المكان الممتليء بأغنياء بيرن، نظر إلى المقاعد الوثيرة، والجدران الممتلئة باللوحات باهظة الثمن، كل شيء بهذا المكان يبدو باهظ الثمن، توقف قليلاً وقال لجوليانا:
_ جوليانا، أعتذر منك، لن أستطيع الأكل هنا، هذا مكان غالي جداً، ثم أنظري بعض الزبائن ينظرون إليّ وكأنهم يتسائلون ماذا يفعل هذا الأجنبي هنا، ربما من الأفضل لو نذهب لمكان آخر.
إبتسمت ونظرت إليه:
_ لقد علمتني أمي ومنذ ومن بعيد أن قيمة الانسان ليس ما يرتدي ولا لون جلده ولكن ما يوجد في قلبه، وأنت فنان مثقف وحساس، وربما تكون أفضل من الكثير من الأشخاص هنا. هيا نجلس، لقد حجزت طاولة لنا، ونتابع حديثنا.
تبعا النادل حيث أشار لهما، وكان بسام يريد الجلوس بسرعة ليتجنب نظرات البعض إليه. قالت له جوليانا بعد أن جلسا:
_ بسام، أنا لم أتربى بأسرة ثرية، لقد ربتني أمي أنا وأخي وكانت مطلقة، لقد تخلى عنا والدي ونحن صغار. كانت أمي تضطر للعمل طوال النهار لتنفق عليّ وعلى أخي الصغير، لقد بدأت أعمل وأنا بسن السادسة عشر، عملت جليسة أطفال، وعاملة تنظيف، ونادلة في مقهى ومساعدة للعجزة حتى أنني عملت مع مؤسسة للمعاقين، إلى أن رآني مخرج سينمائي وأنا أعمل بذلك المقهى، سألني عن اسمي وأخبرني بأنه مهتم بي. أعتقدت بأنه يبحث عن ذريعة ليُقيم علاقة سهلة معي، فلم أتصل به ونسيت أمره، ولكنه عاد بعد فترة ليبحث عني، فقلت له بكل جرأة بأنني لست فتاة للتسلية، إستغربت لأنه لم يغضب بل ضحك وقال لي: توجد العشرات من الفتيات من حولي ومنهن أجمل منك كثيراً، أنا فعلاً مهتم بأن تكوني ممثلة هذا إذا كنت تمتلكين الموهبة اللازمة، أسمعي، أنتظرك غداً الساعة العاشرة صباحاً في شركة الإنتاج الخاصة بي وهذا عنوانها، إن لم تأت فلن أعود للبحث عنك. ساعتئذٍ أدركت بأنه جاد، فذهبت، وأجرى إختبارات لي بموهبة التمثيل، وأول من تفاجيء بأنني ممثلة بارعة هو أنا. بعد ذلك إعتنى بتدريبي وأن أكون على أرفع مستوى من الإداء. ما يهمني من كل ما قلته لك هو أن الانسان ليس ما يبدو بمظهره الخارجي، بل بما هو عليه بداخله، من يراني يعتقد أنني فتاة من طبقة برجوازية ولا يعلم كم من الليالي نمت وأنا جائعة. ومن يراك يعتقد أنك شاب من العالم الثالث لا تمتلك شيئاً بل وربما متطفل بهذا البلد الأوروبي، ولكنه لا يعلم أنك فنان موهوب. هل فهمت قصدي؟
_ أجل، أعتقد ذلك.
_ والآن سوف أطلب الطعام.
خرجا بساعة متأخرة من المطعم وسارا بهدوء في شوارع بيرن التي تكاد تكون خالية، لقد كان يشعر بإرتياح بوجوده معها، فهي دافئة صادقة ولا تعرف التكلف. سارا بصمت، وكان يشعر بأنها ترغب بقول شيء ما ولكنها تتحفظ وتتراجع، وفكر بأن هذا أفضل لأنه لا يريد أن يقول لها بأنه يحب انسانة أخرى؛ كان لابد أن يحافظ على مساحة الصداقة وألا تتجاوزها كي لا يفقد هذه الانسانة الخاصة جداَ.
***
دخلت ليلى تحمل حقيبتها الكبيرة مع ربيكا لبيت السيدة بلانسكي، إستقبلتهم إمرأة مُسنة ولكنها بصحة جيدة، وتعتني كثيراً بمظهرها الخارجي. دعتهم للدخول وشرب الشاي معها مع كعكة الشكوكولاتا الساخنة. جلست ليلى بخجلٍ شديد، فهي تعلم بأن هذه السيدة لن تتقاضي أجراً منها إلى حين أن تجد غرفة أخرى أو تقرر البقاء معها؛ لاحظت السيدة بلانسكي خجلها فقالت بلطفٍ شديد لها:
_ آنسة ليلى، ربيكا وزوجها أصدقاء لي منذ سنوات، وأثق بهم كثيراً، لذلك وحين حدثوني عنك لم أتردد بمساعدتك، فلا داعي لأن تشعري بالحرج. أنظري لهذه الصورة هناك إنها حفيدتي، تعيش بباريس وهي بمثل سنك، هي تدرس الإخراج السينمائي بباريس، وتريد أن تعيش دائماً هناك فهي تعشق فرنسا.
هزت ليلى رأسها وقالت :
_ إنها جميلة جداً، ما اسمها؟
_ اسمها ماري.
تابعت السيدة بلانسكي حديثها مع ربيكا مما أتاح الفرصة لليلى بالنظر إلى الشقة الجميلة شديدة الترتيب والنظافة، لقد كانت أرضية الصالون من الخشب البني غامق اللون، أما الأثاث فيطغى عليه اللون الأبيض، ولون الستائر أزرق فاتح، كل شيء مرتب بعناية وتفوح من المكان رائحة الزيت العطري الذي وضعته السيدة جانيت تحت الشمعة المضاءه على الطاولة، فإنبعثت رائحة اللافندر بكل أرجاء المكان؛ ثم نظرت إلى الطرف الاخر من الصالة، كان يوجد هناك بيانو كبير مصنوع من الخشب اللامع شديد النعومة وفكرت بأنه لابد أن يكون غالي الثمن لأنه فعلاً غاية في الجمال. أحبت ليلى هذا المكان الدافيء والجميل واعجبتها هذه السيدة التي تعتني بنفسها بصورة خاصة وراقية. قدمت لهم كعكة الشوكولا اللذيذة مع الشاي الأخضر وحين إنتهوا من الأكل إستأذنت ربيكا وودعت ليلى.
إبتسمت السيدة بلانسكي وقالت:
_ والآن آنسة ليلى، سنذهب إلى غرفتك. لقد إخترت لك غرفة منعزلة في البيت مخصصة للضيوف بها حمام مستقل ومطبخ صغير أيضاً ن هكذا تتصرفين بكامل حريتك، المهم بالنسبة لي هو الهدوء لأنني عاشقة للهدوء ولا أحتمل الضجة؛ توجد سيدة تأتي كل أسبوع لتنظف البيت، سوف أطلب منها أن تنظف غرفتك أيضاً ولكن أنت من يقوم بغسيل ملابسك، فتوجد ماكينة غسيل للملابس في الحمام الخاص بك.
إصطحبتها إلى غرفتها، وقفت ليلى وسط الغرفة منبهرة بجمالها، خصوصاً النافذة الكبيرة التي تُطل على أحد الشوارع التجارية لبازل، كانت أرضية الغرفة أيضاً من الخشب بني اللون، أما السرير فكان وواسع ومغطى بأغطية ناصعة البياض، وعلى الجانبين أضواء ذهبية زادت من أناقة الغرفة، ومقابل السرير كان يوجد مكتب كبير خشبي من الطراز القديم، أما على الطرف الاخر فتوجد أريكة بيضاء ومقابلها تلفاز صغير.
قالت ليلى دون تفكير:
_ يا لها من غرفة جميلة، ذوقك رفيع يا سيدة بلانسكي.
ضحكت وقالت:
_ أشكرك، هذا لطف منك، أتمنى أن تكوني مرتاحة هنا، لابد أن أغادر الان، إذا إحتجت لأي شيء يمكنك الإتصال بي عبر هذا الهاتف الداخلي، لأنني لا أحب أن يزعجني أحد حين أكون بالقسم الخاص بي من الشقة.
رتبت ليلى أغراضها القليلة في الخزانة البيضاء، ثم جلست على حافة السرير الوثير، لمست أغطيته الناعمة وشمت رائحة مسحوق الغسيل بعطر الياسمين، وفكرت بأن هذه السيدة لا تنسى أي تفاصيل في حياتها. تمددت على السرير وشعرت بمدى نعومته ونظافته، فتذكرت كم أنها بحاجة لحمامٍ بعد كل الأحداث التي مرت بها. وبعد الحمام تمددت تحت الأغطية البيضاء، تسلل الدفء لجسدها، راقبت الستائر البيضاء التي إنسدلت على النافذة الواسعة، أطفأت الأضواء وبقيت لدقائق تفكر بهدوء بكل ما حدث. فكرة خاطفة إخترقت مشاعرها:" لابد أن أتابع دراستي، لا اريد أن أُكمل وأنا أنظف الأماكن أو أركض وراء الترام، لابد أن أبني شيء ما لمستقبلي" وخلال ثوانٍ معدودة كانت قد غرقت بنومٍ عميق.
إستيقظت في الصباح على صوت ألحانٍ موسيقية على البيانو، للحظات نسيت أين هي ثم تذكرت كل شيء حين نظرت حولها، نور الصباح تسلل عبر الستائر البيضاء، كانت تتمنى لو أنها الشمس ولكنه ذلك النور الرمادي ليومٍ ماطر كالعادة بأغلب الأيام في الشتاء القارس. نهضت من سريرها ونظرت عبر النافذة إلى الشارع التجاري وحركة المارة والترام، ثم سوق الخضار الشعبي على بعد عدة أمتار من بيت السيدة بلانسكي. شعرت بالجوع وكان لابد من الذهاب للتسوق. ثم إنتبهت للمطبخ الصغير حيث وجدت كل ما يلزم لتطبخ أيضاً وتكون فعلاً مستقلة عن السيدة بلانسكي. أصغت السمع للموسيقى المنبعثة من الصالة الكبيرة، لابد أنها السيدة بلانسكي من يعزف على البيانو. بدلت ملابسها وخرجت، ألقت نظرة على الصالون بتردد كبير، رأتها السيدة بلانسكي والتي كانت تعزف على البيانو، توقفت عن العزف وإبتسمت لليلى وقالت:
_ آنسة ليلى، لقد حضرت لك الفطور، أعلم بأنك لم تشتري بعد ما يلزمك، يمكنك أن تفطري ثم تذهبي بهدوء للتسوق، يوجد مركز تجاري قريب من هنا.
إبتسمت ليلى ونظرت إلى الطاولة الكبيرة حيث يوجد الفطور، جلست تأكل بصمت، وبعد دقائق قالت لها السيدة بلانسكي:
_ يمكننا تناول القهوة معاً إذا إنتهيت من إفطارك.
جلستا لتناول القهوة، قالت ليلى:
_ أنت تعزفين بشكل رائع، أحب البيانو كثيراً.
_ أشكرك، كنت قلقة أن أزعجك بالموسيقى في الصباح، ولكنني ومنذ سنوات طويلة أتناول فطوري ثم أبدأ بالعزف، لقد كنت أعمل كمدرسة للموسيقي ثم تقاعدت، لقد تعلمت العزف على البيانو منذ صغري حيث كانت والدتي تعشق الموسيقي وكانت تصطحبني كل يوم لدروس البيانو رغم البرد الشديد. الموسيقي عالم رائع، وهو عالم جعلني أحب الحياة ، خصوصاً وأنني شعرت بالوحدة الشديدة بعد موت زوجي، لقد كان هو أيضاً عازف بيانو محترف، لقد كانت الموسيقى مُنقذتي بعد موته.
_ هل توقفت عن تدريس الموسيقى؟
_ أجل، لقد تقدمت بالسن، ولم يعد لدي الطاقة للتعليم وتكرار النوتات، ولكنني أحياناً أشتاق لأيام التدريس لأنها كانت تمنحني طاقة كبيرة، ولكن صحتي لم تعد تساعدني كالسابق. لقد تقاعدت في الوقت المناسب.
تبادلتا أطراف الحديث لبعض الوقت ثم غادرت ليلى المكان لتذهب لمكتب العمل للبحث عن عمل جديد. ولتشتري ما يلزمها. جلست مقابل الموظفة بمكتب العمل التي نظرت إلى قوائم طلبات العمل التي يمكن أن تقوم بها ليلى، منها نادلة في مقهي، أو أن عاملة تنظيف في بيوت العجزة ممن يرغبون بالبقاء في بيوتهم، أو مرافقة في مدرسة خاصة لذوي الإحتياجات الخاصة.
قالت ليلى للموظفة:
_ أريد أن يكون عملاً مسائياً، لأنني أريد أن أتابع دراستي في الجامعة.
نظرت لها الموظفة وهزت رأسها، بحثت مرة أخرى في الورقة التي أمامها، ثم قالت:
_ يوجد مطعم يبحث عن نادلة يبدأ عملها من الساعة الخامسة مساءً حتى الساعة العاشرة ليلاً. هل هذا يناسبك؟
_ أجل.
_ هذا هو عنوان المطعم، إنتظري قليلاً سوف أتصل بالمدير لأحدد موعد معه.
وخلال دقائق إنتهت المكالمة، وقالت لليلى:
_ يمكنك الذهاب خلال ساعة سوف يكون بإنتظارك، هذا مطعم معروف وهو يقع وسط المدينة.
لن يكون صعباً عليك إيجاده، هذا هو العنوان.
وفي الوقت المحدد كانت تجلس أمام مدير المطعم الذي تفحصها بعناية:
_ لقد أخبرتني الموظفة بمكتب العمل بأنك سورية وأنك تتقنين اللغة الألمانية، فهل تعرفين شيء عن المطبخ السويسري؟
_ لا، أعرف عن المطبخ العربي، أما السويسري فيسعدني تعلم ذلك.
إبتسم وقال:
_ أريد أن أوضح لك سياسة المطعم، هذا مطعم معروف، لذلك لا أتساهل بمواصفات من يعمل هنا. إذا كنت جادة ونشيطة سوف تبقي معنا دون أي مشكلة بل ويزداد راتبك أيضاً، أما إن كنت دون المواصفات المطلوبة فلن تستمري معنا، سيتم إختبار مواصفاتك خلال الثلاثة أشهر الأولى ثم نقرر إستمرارك أو لا؛ ولكنك سوف تمضين ثلاثة أسابيع كتدريب قبل البدء الفعلي للعمل، سوف تتقاضين أجرك بشكل إعتيادي. أهم شيء هو اللطافة والأدب الشديد مع الزبائن، سوف يبدأ عملك بعد غد.
رن هاتفها الخلوي وكان كمال على الطرف الآخر:
_ كيف حالك يا ليلى؟
_ كمال ، أنا بخير، وأنت؟
_ بخير، هل يمكننا أن نتقابل اليوم؟
_ بالطبع، فأنا اليوم لدي كل الوقت وكذلك غداً، أما بعد غد فسوف ابدأ بعملي الجديد.
_ أين؟
_ سوف أخبرك حين نلتقي.
_ يوجد مقهي أحبه وسط المدينة قرب سوق الخضار، هل نتقابل هناك؟
_ بالطبع، أنا أسكن هناك الآن.
جلسا في المقهى، وكانت نظراته لا تغادر وجه ليلى، لقد إشتاق لها، وليلى تنظر له بطرف عينيها كأنها تراه لأول مرة، فكرت بأنها كانت ستجد دائماً صعوبة بالحديث معه لو لم يحصل ذلك الحادث ولو لم يأت للمستشفى، فهو شديد الجاذبية والوسامة وتكاد تشعر بأنها تحبه، ولكنه متزوج وهذا يكفي لتجمد كل مشاعرها، بل ولابد تجاهل نظراته ايضاً، فهي لا تريد أن تكون مجرد مغامرة عابرة ثم يعود لزوجته مع التهرب والأعذار؛ لذا قررت أن تحافظ على برود مشاعرها بل وخنقها أيضاً. قال كمال:
_ أنت تسكنين هنا؟
_ أجل في البناية التي تقع خلف سوق الخضار، مع سيدة كبيرة في السن، سوف أبقى عندها دون مقابل إلى أن أجد غرفة أخرى، أما إن رغبت بالسكن عندها وسأدفع لها الأجرة مقابل ذلك؛ إنها صديقة ربيكا وزوجها لذلك قدمت لي هذا المساعدة.
_ هذا جيد، وإذا سمحت لي، افضل أن تسكني عندها سأكون مطمئن عليك أكثر. ما هو عملك الجديد؟
_ أعمل كنادلة في مطعم من الساعة السادسة مساء حتى العاشرة ليلاً.
_ ولكن هذا وقت متأخر، لماذا أخترت هذا التوقيت؟
_ أفكر جدياً بمتابعة دراستي الجامعية. بعد ما حدث معي قررت أن أعيش فعلاً حياتي هنا، وألا أكون طوال عمري مجرد عاملة نظافة. لقد كنت أدرس هندسة الديكور في جامعة دمشق وأريد أن أتابع دارستي هنا. لحسن الحظ أنني جلبت معي أوراقي الجامعية لأنني كنت في السنة الثالثة في كلية الهندسة هناك، سوف أترجم أوراقي واقدمها للجامعة. ابن السيدة ربيكا وعدني بأن يساعدني في التسجيل.
_ هذه فكرة رائعة، ولكن ابن السيدة ربيكا...أعتقد بأنه يهتم بك، لقد لاحظت نظراته تجاهك حين كنا في المستشفى.
_ أجل، أعلم ذلك، ولكنني لا أريد أي علاقة، اريد فقط أن أنظم حياتي، أو لنقل أستعيد نفسي من جديد. لقد فقدت ذاتي بعد موت أهلي وكدت أن أموت من الحزن ولكن هذا الحادث رغم صعوبته أيقظني من غفوة الموت تلك.
_ هذا تفكير ممتاز، وتأكدي بأن مستعد لمساعدتك بأي شيء.
ساد الصمت قليلاً، لقد أحبت شعوره بالمسؤولية تجاهها ولكنها لم ترغب بأن تدخل دائرة إهتمامه، لا تريد أن تعتاد على وجوده بحياتها ثم ينسحب فجأة، فقالت:
_ كمال ، أنا اقدر كثيراً كل ما عملته لأجلي، ولكنني أحب الصراحة، أنت متزوج، ولديك حياة أخرى ولا أريد أن أزعجك كثيراً بأموري.
نظر إليها لا يدري ماذا يقول، وبعد دقائق من الصمت أجابها:
_ أعتقد بأننا يمكن أن نكون أصدقاء، هل يزعجك ذلك؟ أم أنك تفضلين تجاهلي مثلما فعلت حين تحدثت معك في محطة القطارات وأخبرتني بأنك لست عربية.
_ لقد كنت بحالة صعبة جداً بذلك الوقت، ما حصل معي حين تعرضت لذلك الإعتداء، ووجدودي في المستشفى مع كل ذلك الخوف جعلني أتغير كثيراً، لقد فكرت بالإنتحار مرات كثيرة قبل الحادث وبعده، ولكنني حين علمت بأن عدوى الفيروس لم تنتقل لي تغير كل شيء في وجودي، أدركت قيمة الحياة وأنني فعلاً اريد أن أعيش مثل أي انسان آخر، لقد كنت يا كمال أرفض أن أتكلم اللغة العربية لأنسى كل شيء عن وطني وعن جذوري، لشدة الألم والإشتياق، لأن شوقي لن يُطفأ أبداً فأهلي جميعهم قُتلوا، ووطني يحترق ولم يتبق لي سوى هذه الأرض التي قدمت لي الحياة والأمن. ولكن ما حدث غير كل تفكيري، وأنت بالذات جعلتني أعود لنفسي، لليلى التي تحب الحياة تماماً مثلما كنت بدمشق، أنا مدينة لك بحياتي، أنت لم تُنقذ حياتي ولكنك أعدت النبض لها، بأن أشعر بأن هناك من يهتم بي، هناك من سيحزن إن غادرت هذه الحياة. سنبقى دائماً أصدقاء يا كمال.
_ أنت رائعة، تماماً مثلما شعرت منذ رأيتك أول مرة.
نظرت إليه ورغبت بأن تقول كل شيء بوضوح، ثم تراجعت، ولكنها قررت ألا تستمر هذه اللعبة أكثر من ذلك:
_ أسمع يا كمال، لا أريد أن أكون مغامرة شرقية بحياتك، أنت متزوج ولديك أولاد، ولا أريد أن يكون لدي مشاعر تجاهك ثم تضطرك ظروفك للإنسحاب، فلنكن أصدقاء وهذا يكفي.
نظر إليها بجدية وقال:
_ هل تعتقدين بأنني مراهق؟ عمري أربعون عاماً، لو كنت أبحث عن مغامرة شرقية لوجدتها بسهولة، فأنت لست الفتاة العربية الوحيدة في بازل أو سويسرا؛ ثم أنني لا أعيش حياة رائعة مع زوجتي، لقد بقيت معها لأجل أولادي، توجد خلافات بيننا منذ سنوات ولكنني لم أفكر بأن أجازف لأن أولادي كانوا صغار بذلك الوقت. ألآن أختلفت أمور كثيرة، وكأن ظهورك في حياتي كان بداية لشيء لا أدري ما هو، ولكن منذ أن رأيتك وكل شيء أختلف في حياتي، حتى عملي الذي كنت مضطهداً به لأنني أجنبي، بعد أن رأيتك إمتلكت الجرأة بأن أقول لصاحب العمل وداعاً وأن أبحث عن عمل آخر، وقد وجدت عمل آخر أفضل من جميع النواحي. طوال حياتي لم أعبث بمشاعر أي امرأة، حتى زوجتي أحببتها في الجامعة وتزوجنا على الفور بعد تخرجنا، لم أتزوجها لأجل الجنسية ولكن لأنني فعلاً أحببتها، ولم أدرك حينها الأبعاد النفسية والثقافية لهذا الزواج، وحين أدركته كان الوقت قد تأخر كثيراً. لم أخونها أبداً رغم توفر فرص عديدة لي وبسهولة، لأنني وببساطة أكره الخيانة وأشعر بأنني أقل من رجل حين أخون. لذلك أرجو ألا تتكلمي معي كأنني اريد أن أتسلى ثم أغادر، يمكنني بسهولة الشعور بتفكيرك، حين مكثت معك في المستشفى ليلة كاملة، فعلت ذلك لأنك مهمة بالنسبة لي، مهمة منذ اللحظة الأولى التي رأيتك بها.
توقفت عن الإبتسام ونظرت إليه بعمق وقالت:
_ لماذا أنا طالما يوجد فتيات أخريات عربيات وربما أجمل مني؟
_ لأنك...لأنني شعرت ببراءة في نظراتك، وبهروب من الناس، الفتيات العربيات حين يأتين لأوروبا يحاولن الإندماج بهذا المجتمع، ليس بالمظهر فقط بل والتفكير أيضاً ولا أتحدث عن أنهن يقمن علاقات أو لا فهذا ليس مهم، ولكنهن فعلاً يتخلين عن شيء ما في شرقيتهن، وأحياناً لايستطعن إستعادة هذا الشيء، ليس بالضرورة البراءة، ولكنه ربما تلك الهشاشة الأنثوية الموجودة عادةً بفطرة المرأة العربية، لقد شعرت بهذه الهشاشة، أو لنقل بهذا الضعف الأنثوي. هذا لا يعني بأن تكون المرأة ضعيفة الشخصية، بل قد تكون قوية الشخصية ولكنها تبقى أنثى ولا تخجل من هذه السمة ولا تحاول قتلها أو دفنها لأنها يجب أن تتساوى مع الرجل بكل شيء. أنت كنت حالة مختلفة، لقد شعرت بأنك لا تحاولين إثبات شيء ما لنفسك أو لغيرك، تعيشين حياتك كفتاة عادية مثلما كنت تعيشينها ربما في دمشق. كل ما أقوله لك هو مجرد إحساس، ولكنني وهنا في هذا الغرب أتمسك بإحساسي أكثر مما كنت في الشرق، لأننا في الشرق نعيش بعالم منسوج من الأحاسيس الصادق منها أو الكاذب، أما هنا فالعربي يعتبر أن إحساسه وسيلة دفاع وحماية لأنه هنا يقف عارياً من ثقافته وجذوره بل وهويته، هنا هو ليس سوى انسان يحمل جنسية هذا البلد أو كرت إقامتها، أو هارب من الشرطة لأنه مقيم بصورة غير قانوينة وفي كل الأحوال هو فعلاً ليس ذاته.
أجابت وهي عابسة :
_ ما تقوله معقد، ولولا أنني كنت في دمشق أقرأ كثيراً لما فهمت الكثير مما قلته. أنت لست رجلاً عادياً، أنت عميق جداً، وحيث أنك بهذه الجدية وبهذا العمق فيمكنني أن أقول لك حقيقة ما أفكر به. أنت رجل تتمناه أي امرأة، ولكنني أخاف أن اقترب منك وتنمو مشاعر عميقة بنفسي تجاهك، ثم تتراجع لأنك متزوج، ثم أنني أرفض الزواج من رجل متزوج، سوف أكون بوضع معقد وأنت أيضاً.
_ ليلى، أنا قد إتخذت قراري منذ زمن بألا أستمر مع زوجتي، ليس لأنها أجنبية ولكنها أخطأت كثيراً بحقي وصمت لأجل أولادي، ولكنني كنت أعلم دائماً بأنني لن أبقى معها. ولا أستطيع أن أقول لك ما الخطأ الذي إرتكبته بحقي، ما يهمني هو أن تعلمي بأنك لست السبب لوجود خلافات مع زوجتي، ولكن أنت أتيت بوقت كنت بحاجة ماسة به لأن أحب انسانة بصدق وأن تكون هذه الانسانة عربية تحمل ثقافتي ولديها نفس طبيعة مشاعري، فأنا أشعر بالغربة مع زوجتي منذ سنوات طويلة. ما أريدك أن تعرفيه الآن هو أنني لن أتخلى عنك، وأريد أن نستمر معاً، إذا رغبت بذلك سوف أكون غاية في السعادة، وإن لم ترغبي نبقى أصدقاء وأهتم بأمرك دائماً .
صمتت ونظرت عبر النافذة إلى الثلج الذي يتساقط بهدوء:
_ أعتقد بأن شعورك بالغربة يمتزج بمشاعرك تجاهي، لذلك ربما يجب أن تُعيد التفكير بمشاعرك، وبكل الأحوال لابد أن أفكر بكل ما قلته لي.
لم يشعر بإهتمام خاص من قبلها به، وأدرك بأنه لابد أن يتقبل فكرة بأنها لا تحبه وربما لن تحبه، وكان يعلم بأنها تعتقد بأنه يريد أن يكون مع انسانة عربية بملامح شرقية لشدة حنينه لوطنه، ولكنها لا تعتقد بأنه يحبها فعلاً، بل ربما لا تحمل له أي إهتمام، ثم هناك فارق العمر بينهما. فنظر إليها وإبتسم:
_ بالطبع يا ليلى، لابد أن تفكري بكل قلته لك، ولكن ارجو ألا تفكري بأنك مدينة لي بشيء، وألا تجامليني لإعتقادك بأنني بحاجة ماسة لحب يأتي من الشرق، صراحتك تعني أنك تحترمي مشاعري، أما مجاملتك فسأعتبرها إستخفافاً بي.
عادت لغرفتها البيضاء، تمددت على السرير، وإستعادت كل كلمات كمال، بل وإستعادت تفاصيل ذلك الحادث الفظيع والذي غير كل حياتها. الآن، هنا، تشعر بأنها تحيا من جديد، لقد كان يمكن أن تكون انسانة أخرى، مدمرة ومصابة بفيروس قاتل، ولكن الله أنقذها من ذلك المصير الأسود. تنفست الصعداء وأدركت بأن الله تعالى قد منحها فرصة جديدة للحياة، وأنه حان الوقت الآن لكي تنظر إلى الأمام وأن تترك الذكريات هناك حيث لا تستطيع أن تغير شيئاً. كان خيارها الأول والأخير هو أن تعيش حياتها في سويسرا بأفضل ما يمكن. فتحت الحقيبة التي وضعت بها أشياء صغيرة تمثل بعض ذكرياتها بدمشق، صورها مع أهلها وصديقاتها بجامعة دمشق، الياسمين الذي كان يتسلق جدارن الحي الذي كانت تعيش به، قلادتها الفضية الأثرية التي أهدتها لها أمها بآخر عيد ميلاد لها، قلادة فضية مُرصعة بأحجار كريمة حمراء، لمستها بحنين عميق، وتجاهلت الدموع التي ألتمعت بعينيها، ثم كان هناك الخاتم الذهبي، والذي لم تفتح علبته منذ أن وصلت إلى سويسرا كي لا تغرق بالحزن والدموع، لقد كان الخاتم الذهبي هدية سامر لها، لقد كان زميلها وصديقها، كان يحبها كثيراً وكنا متفقين على الزواج، ولكنه إستشهد مع أخيه حين كان في طريقه إلى بيروت، وقعت قذيفة على السيارة التي كانت تُقلهما؛ فجأة شعرت بأنه لابد من إغلاق هذه الحقيبة، لا يجب أن تنظر إلى ما بها مرة أخرى فذلك مؤلم لدرجة تجعلها تشعر بأنها ميتة وليست على قيد الحياة، وهي الآن قررت أن تكون على قيد الحياة، وقبل أن تُغلق الحقيبة وقعت عيناها على شهاداتها، شهادة السنة الأولى والثانية والفصل الأول من السنة الثالثة، تذكرت الليالي التي كانت تشهر خلالها لتصميم المشاريع وعمل الديكورات وتذكرت سعادتها البالغة برسم تلك التصاميم وإبتكار ألوان واشكال مختلفة بكل مرة. أمسكت بالأوراق وأغلقت الحقيبة. جلست على حافة السرير، تقرأ كل ورقة كأنها تراها للمرة الأولى. ثم فكرت بكمال، هل حقاً تريد أن تكون معه؟ هل حقاً تريد أن تكون زوجة له؟ كان التردد يملأ أفكارها ومشاعرها ولم تشعر بأن هذا ما تريده من الحياة على الأقل ليس الآن؛ لابد أن هناك شيء آخر، شيء أقرب لروحها وأفكارها، لابد أن تعثر بدايةً على نفسها ثم تبحث عن الآخر. جلست صامتة لدقائق، ثم وقفت خلف النافذة تراقب الشارع التجاري الممتد أمامها، وترى حركة الناس التي لا تتوقف، رؤية حركة الناس بإختلاف ملامحهم وألوانهم جعلها تشعر بأن هناك نبض للحياة كانت قد دفنته في صدرها حين رفضت الحديث، وحين كانت تسير دائماً بعيون تراقب الشارع ولا تراقب الحياة التي ينبض بها الشارع، لقد كانت روحها بحالة غيبوبة، وعقلها بحالة جمود، لم يكن يحيا بها سوى الجسد، بحركات يومية متكررة وكأنها جثة تتحرك وليست انسانه لها أحلامها وأمانيها؛ تأملت الشارع من جديد، والبنايات القديمة المزخرفة بزخارف ذهبية وخمرية، وشعرت بجمال المدينة من حولها، لقد سلبتها الحياة وجودها بدمشق ومنحتها هذا الوجود ببازل، وهي الآن وبعد خروجها من نفق الموت، تريد أن تعود للحياة، كان لابد أن تتذوق الموت لكي تعرف الميلاد الجديد للحلم وللحب وللحياة.
فكرة خاطفة لمعت بذهنها، لما لا، أتابع دراستي الجامعية، لقد كان هذا حلم، ولا يزال حلم، ولكنها الآن تريده أن يتحقق. قررت أن تترجم الأوراق للألمانية وأن تطلب مساعدة مارك في التسجيل مثلما إقترح عليها. لم تنتظر طويلاً، إتصلت به على الفور، وكان سعيد جداً لسماع صوتها:
_ مارك، هل يمكنك مساعدتي في التسجيل بالجامعة؟
_ أجل بالطبع، هذا خبر سعيد جداً. سوف أجلب لك قائمة الأوراق المطلوبة ونذهب معاً لإتمام التسجيل، ماذا قررت أن تدرسي؟
_ نفس تخصصي السابق، هندسة ديكور.
_ رائع، نلتقي غداً، في مركز المدينة ونذهب معاً.
_ هذا جيد لأنني سأبدأ العمل بعد غد في مطعم، سأعمل كنادلة في الفترة المسائية.
_ حسناً ، أراك غداً الساعة التاسعة صباحاً.

***
هبطت الطائرة في مطار الملكة علياء الدولي بعمان، وقف بسام أعلى درج الطائرة ينتظر نزول الركاب قبله للتوجه للباص الذي سيقلهم إلى قاعات المطار، تنفس الصعداء، فمنذ سنوات لم يشعر بأشعة الشمس الدافئة ولا بهذه النسمات الندية الرائعة والقادمة من الصحراء حيث يقع المطار. إنتهي من ختم جواز سفره، كان منصور بإنتظاره، صافحه بحرارة وإصطحبه إلى سيارته خارج قاعة المطار. وفي السيارة قال له منصور:
_ أتيت لأجل هيفاء، أليس كذلك؟
_ أجل، إنها مهمة بالنسبة لي.
صمت منصور ولم يرد، ثم غير الموضوع:
_ كيف أوضاعك في سويسرا؟
_ أعمل في شركة كعامل تنظيف، ولكنني وقبل حضوري لهنا وقعت عقد عمل يتعلق بلوحاتي، الرجل الذي وقعت العقد معه له مكانته الفنية في بيرن، ولولا أنه إشترى عدد كبير من لوحاتي لما تمكنت من الحضور.
_ هذا جيد.
_ منصور، أريد أن أذهب الليلة لرؤية هيفاء بذلك النادي الليلي. لا أريد إضاعة الوقت، فليس لدي سوى أسبوع واحد ثم اعود لبيرن.
_ حسناً، سوف أصطحبك لهناك بعد العاشرة ليلاً، فالنادي لا يفتح قبل ذلك الوقت. ولكن هل أنت متأكد من أنك تريد رؤيتها وهي تغني لكل أولئك الرجال؟
_ أجل، متأكد، ولأجل هذا أتيت.
دخل مع منصور إلى الملهى الليلي، وشعر بتوتر شديد، وبخفاق متسارع في قلبه، جلس على الطاولة ينظر حوله إلى المكان الذي تعمل به هيفاء، رجال غرباء ونساء يبدو أنهن راقصات، إقتربت النادلة بخطواتٍ راقصة لتلبي طلباتهم، طلب فنجان من القهوة، فضحكت وقالت:
_ هذا ليس مقهى، لابد أن تطلب شيء آخر.
أجابها منصور قبل أن يرد بسام:
_ سوف نطلب لاحقاً.
نظر إلى بسام الذي كانت العصبية تبدو واضحة عليه:
_ إهدأ، سوف تراها الآن.
وخلال دقائق كانت فتاة شقراء تقف على المسرح الصغير، نظر إليها بسام بدهشة وقال لمنصور:
_ هذه ليست هيفاء!
أجابه منصور وهو يبتسم:
_ هي هيفاء، لقد سألت وتأكدت، بالطبع هي لا تعرفني ولكنني أعرفها تماماً.
لم يكن شعرها أسود، ولم تكن عيونها سوداء، لقد تغيرت تماماً بشعرها الأشقر وعيونها الخضراء، وبفستانها الأسود والأحمر الذي يكشف عن ذراعيها ويلتصق بجسدها، شعر بأنه لا يعرفها ورغب بأن يغادر قبل أن يقابلها. ثم نظر حوله ليرى تصفيق الجمهور الذي معظمه من الرجال، وتمايلها مع ابتسامتها الدائمة لهم، قال لمنصور بصوتٍ متوتر:
_ هذه ليست هيفاء التي أعرفها، هذه انسانه أخرى، لا أستطيع النظر إليها، أرجوك يا منصور لابد أن أخرج، اعذرني، سوف أنتظرها على باب النادي إلى أن تنتهي. يمكنك العودة للبيت سوف آخذ سيارة أجرة فأنا أعرف العنوان.
أراد منصور أن يقول شيئاً ما ولكنه فضل الصمت، هز رأسه وغادر شاعراً بالتوتر الذي يعانيه بسام ورغبته بأن يكون وحيداً. جلس منصور في مقهى صغير مقابل للنادي الليلي بإنتظار خروج هيفاء، إقترب منه النادل وسأله ماذا سيشرب، طلب فنجان القهوة. عاد النادل مع فنجان القهوة، ولاحظ توتر بسام ومراقبته المتواصلة لباب النادي:
_ سيدي، إن كنت تنتظر إحداهن لتخرج، فسوف تنتظر طويلاً، فهن لا يخرجن قبل الساعة الثانية صباحاً.
نظر إليه بسام بقلق وقال:
_ ماذا تقصد ب "هن" ؟
_ أقصد المغنيات والراقصات، أنت تعلم فهذا نادٍ ليلي وليس صالة ثقافة.
_ أخبرني، هل هن أيضاً...
قاطعه النادل وقال:
_ لا أعرف شيء عنهن، كل ما أعرفه هو أنهن يخرجن بمثل هذا الوقت، بعضهن يخرج مع الزبائن وبعضهن يخرجن وحدهن.
_ أريد منك خدمة صغيرة، أنا فعلاً أنتظر واحدة منهن، هل يمكنك أن تخبرني حين تخرج إن كانت تخرج عادةً مع أحد الرجال.
تردد النادل، فدس بسام عشرة دنانير بجيبه كي يوافق، فقال على الفور:
_ بالطبع يا سيدي، وأود أن أقول لك البعض منهن يرفضن الخروج مع الرجال، يؤدين الغناء أو الرقص ثم يخرجن. وأنا أعرف كل واحدة منهن وكذلك اسمائهن.
_ ماذا؟ تعرف اسمائهن أيضاً؟
_ أجل، بالطبع، أنا أعمل هنا منذ خمس سنوات وأعرف كل شيء.
_ سوف أعطيك عشرة أخرى، أخبرني بكل شيء عن مغنية اسمها هيفاء.
_ تقصد كان اسمها هيفاء، اسمها الآن سالي، وهي صاحبة صوت جميل، هي لا تخرج مع الرجال تغني فقط، يمكنك القول بأنها مختلفة عن الأخريات، ولكن في هذا الوسط لا يعرف أحد إلى متى ستصمد فتاة جميلة مثلها، خصوصاً حين تكون تركض وراء الشهرة مثلها. هي تأتي أحياناً هنا وتشرب القهوة مع صديقة لها، وأتحدث معها قليلاً وتقول لي بأنها تريد أن تكون مغنية مشهورة؛ ربما ستصبح فعلاً مشهورة، فهي جميلة والكثير من الزبائن يأتون لأجلها.
صمت بسام، فقد سمع ما يكفي، نظر إليه النادل من جديد وقال:
_ سيدي، المقهي يُغلق الساعة الثانية عشر ليلاً ولن تتمكن من البقاء هنا لحين موعد خروجها.
صمت بسام وهو يفكر قليلاً ثم قال للنادل:
_ أسمع، أريد أن تسدي لي خدمة، أنا لا أستطيع الدخول لطلب مقابلة هيفاء سوف يظنون أشياء كثيرة، أما أنت فالجميع يعرفك، هل يمكنك الدخول وأن تقول لها بأنه يوجد شخص يريد أن يراها لعشر دقائق فقط، وهي خدمة محسوبة الثمن.
_ حسناً، سوف أستأذن زميلي في العمل وأذهب.
وخلال فترة قصيرة كانت هيفاء تخرج من النادي مرتدية عباء سوداء. دخلت إلى المقهى تنظر حولها لترى من الذي يريد مقابلتها بصورة ملحة. نظر إليها بسام دون أن يتحرك ليرى إن كانت ستعرفه؛ إلتفت إلى النادل بعصبية وقالت:
_ لا أعرف أحد هنا، من هذا الشخص وأين هو؟ لا أستطيع أن أتأخر.
وقبل أن يرد، نهض بسام، وناول النادل عشرون دينار أخرى، وتوجه نحوها، نظرت إليه لثوانٍ قليلة، ثم أصبح وجهها أصفر اللون وضعت يدها على فمها لوقع المفاجأة، رغبت بأن تخرج من المقهى ولا تراه مرة أخرى، ولكنها تسمرت في مكانها وقالت:
_ بسام...متى أتيت للأردن؟
_ ظهر هذا اليوم.
_ لماذا لم تخبرني؟
_ رغبت أن أراك في مكان عملك، فأنت لم تقولي لي بأنك تعملين بنادٍ ليلي.
صمتت قليلاً لا تجد الكلمات، ثم سألته بتلعثم:
_ من...من أخبرك عن ...عن مكان عملي؟
_ هذا ليس صعب، لي أصدقاء هنا، وقد بحثت عنك طويلاً، لن نقف طوال الوقت، هل يمكنك شرب القهوة معي؟
_ أجل، ولكنني لا أستطيع أن أتأخر أكثر من ربع ساعة.
_ هذا يكفيني.
وقف النادل يراقبهما بفضولٍ شديد من بعيد، تجاهل بسام نظراته، وأشار إليه بإحضار فنجان آخر من القهوة سريعاً. نظر إليها عن قرب، تلك العيون الخضراء كانت تبدو مخيفة بالنسبة له، وذلك الشعر الأصفر المنسدل على كتفيها كان يبدو غريباً كأنه شعر دمية ذات شعر إصطناعي يبدو تالفاً بعض الشيء، لم يتبق سوى شفتيها وملمس بشرتها الناعم ويديها المرتبكتان.
إنتبه فجأة إلى أنها تنتظر أن يقول شيئاً ما، وهو شعر عميقاً بأنه لم يعد هناك ما يمكن أن يقوله، ولكن لابد من قول شيء ما، قال لها دون تردد:
_ لم أكد أعرفك حين رأيتك!
إبتسمت وقالت:
_ وهل أعجبتك؟
لم يرد، ثم سألها:
_ منذ متى تعملين هنا؟
_ منذ سنة واحدة.
_ ألا تشعرين بالإنزعاج بأن يشاهدك هذا الجمهور الغريب كل يوم؟
_ لا، إنهم جزء من عملي، وبعضهم مخرجي أفلام، أو منتجي كليبات أغاني مشهورة كثيراً، هل تعلم، سوف أصور كليب جميل جداً الشهر القادم، وهو أول كليب سيصدر لي في الأسواق.
ولكن أخبرني، لماذا لم تقل لي بأنك ستأتي للأردن؟
_ كنت أريد أن أجعلها مفاجأة.
_ بالفعل هي مفاجأة.
_ لماذا؟ هل تفاجئت من حضوري أو من أن أراك تغنين في نادٍ ليلي؟
صمتت ونظرت إليه بحذر غير راغبة بالإجابة، ثم تابع:
_ هل تعتقدي أن والدك لو كان حياً سيكون سعيداً بعملك هذا؟
لم ترد، وإلتفت لتنظر عبر النافذة، ثم قال لها:
_ لن أجاملك، لم يعجبني التغيير في مظهرك، هذا ليست أنت، كما أنني لا أحب هذا الوسط الذين تعملين به. لماذا يا هيفاء ؟ أنت ابنة عائلة معروفة في بغداد ولها قيمتها الإجتماعية والعلمية، لماذا؟
نهضت من مكانها وقالت بعصبية:
_ أنت تريد أن تتحدث معي أم تريد أن تفتح تحقيق معي، أنت لست زوجي ولا أخي، لا أسمح لك بالحديث معي بهذه الصورة.
نهض من مكانه وقال بصوتٍ منخفض:
_ أرجوك، النادل يراقبنا، لابد أن أراك مرة أخرى قبل ان أسافر، لن أتأخر هنا، هل يمكن أن أراك غداً. سوف أنتظرك الساعة العاشرة هنا ونذهب للإفطار معاً، ما رأيك؟
ترددت قليلاً، ثم نظرت إليه مرة أخرى وقالت بهدوء:
_ حسناً .
خرجت من المقهى على وجه السرعة، راقبها من خلف الزجاج وتمنى لو أنه يسحبها من يدها ويُخرجها من ذلك المكان الموبوء، ولكنه فعلاً ليس زوجها وليس له صفة بحياتها عدا عن كونه رجل أحبته وأحبها في ماضٍ بعيد. غادر المقهي ليمشي بهدوء في شوارع عمان، الشوارع خالية من المارة بمثل هذا الوقت، فعمان مدينة لا تحب السهر، البيوت مغلفة على أصحابها، وبعض السيارات تمر سريعاً ثم تختفي، ولا يوجد سوى هو وظله الوحيد على الشارع الطويل، نظر إلى النجوم التي يكاد لا يراها بسويسرا، والقمر هناك عالياً ولكنه قريب ودافيء وحنون بهذا الشرق الذي يعشقه، تذكر بغداد وأنها على الحدود من الأردن، يمكنه أن يذهب هناك وخلال ساعات يكون في وطنه، ولكن هل لا يزال وطنه؟ لقد إحترقت الشوارع والأبنية والذكريات حتى شجر النخيل لم ينجو من المحرقة التي لا تتوقف، وتلك التفجيرات التي لا تنتهي. لم يعد يوجد لديه شيء هناك، فحتى والدته توفت بعد عام من وصولها للأردن حزناً على العراق ولم تحتمل الإبتعاد عن بيتها الذي عاشت به منذ سنوات طفولتها، ذلك البيت الأثري بتحفه القديمة وجدرانه المنقوشة بنقوشات شرقية أبدعها أفضل فنانو العراق، لقد كان بيت عائلتها من قبل أن يسكنوا به بعد موت والده وإصرار والدها على أن تأتي لتعيش معه بعد مقتل والدي. لقد كان ذلك البيت شرقياً بكل تفاصيله بكل زوايه، حتى ستائره كانت من الأقمشة العربية المخملية، والنوافير كانت تملأ حديقته الواسعة، وصالة الأرابيسك حيث كانوا يشربون الشاي بالنعنع أو القهوة العربية المرة ويأكلون التمر، ثم رائحة البخور التي تنبعث من المكان والذي كانت تشعله أمه بكل صباح. وتلك النوافذ المنخفضة بأقواسها الشرقية، والجلسات العربية على الأرض فوق الفرشات الخمرية اللون، حيث يمكن رؤية الحديقة الكبيرة من خلال النوافذ المنخفضة والتي تمتد من الأرض حتى أعلى السقف. كل تلك الذكريات هاجمته فجأة، كان قد دفنها بسويسرا، لأنه في الغرب يسهل دفن الذكريات والمشاعر بل والذات أيضاً، لأنه ببساطة تحيا هناك دون جذور، فلا ضرورة للذكرى ولا حتى للروح، ما يحيا فقط الجسد، تلبي إحتياجاتك الجسدية والمادية ولكن هناك عميقاً بعيداً تبقى غريب عن المكان والنفس والعقل والذكرى. مشى لساعاتٍ طويلة ولم يشعر بمضي الوقت، ووقف على تلة بيعدة يراقب بيوت عمان القديمة المنحوتة في الصخور، عمان ليست وطنه الأم ولكنها مدينة عربية شرقية تحمل ملامح ونسمات بغداد، ترك العنان لدموعه لتنحدر دون أن يمسحها، جلس على الصخرة يراقب تلك البيوت، ترك الحزنن كل الحزن، كل الغربة والألم والإشتياق ينسابوا جميعاً من بين الدموع، لم يمسح دموعه، كان لابد أن ينعى غربته الآن وبهذه اللحظة، خصوصاً وأنه أدرك بأنه قد فقد هيفاء أو ربما سيفقدها للأبد، هيفاء هي ما تبقى له من بغداد الحبيبة؛ أي حزنٍ هذا ! وكيف سيداويه! كيف سيحيا مُقتلع الهوية والجذور والحب أيضاً!
رأى ظله يسير معه في الشوارع الممتدة بلا نهاية، لم تعد أي سيارات تمر، ولم يهتم بأن يعود لبيت منصور، كل ما يريده هو أن يمشي ويمشي في مدينة شرقية عربية إلى أن تتعب قدماه، كي يداوي شوقه وحنينه الذي يقتله في كل يوم هناك على الطرف الغربي من الحياة. لم يشعر بمضي الساعات، سمع صوت آذان الفجر، دخل لأحد المساجد، توضأ وصلى مع بعض الرجال الذين كان هناك، ثم جلس بعد الصلاة، أمسك القرآن الكريم، لمسه بيديه، لم يقرأ به، ولكنه نظر إلى الكلمات والحروف، شعر أن بشوقه وحنينه حتى للحروف، حتى للآذان ولصلاة جماعة، كل التفاصيل الصغيرة التي تشكل حياة أي انسان عادي هنا هي حياة كاملة بالنسبة له، شعر بالشوق حتى للقرآن الكريم، بدأ بالقراءة تاركاً العنان لدموعه وهو يعلم بأنه لا يدري متى سيعود لمدينة عربية أخرى، قرأ القرآن وكأنه سيقرأه للمرة الأخيرة، فحتى قراءة القرآن هنا تختلف عن قراءته هناك. نظر للمسجد من حوله، للزخارف البسيطة والسجاد الأخضر، والشيخ الذي يجلس بعيداً يقرأ القراءن أيضاً. كان يريد أن يبقى وألا يعود لسويسرا، ولكنه يعلم بأنه لن يجد عمل، ولن يستطيع الحصول على إقامة ولن ولن...لقد كان محكوماً عليه بالغربة.
نهض من مكانه وخرج إلى الشارع ليشعر بنسمات الصباح، نسمات لم يشعر بها منذ سنوات، ولا يوجد مثلها بسويسرا، فهذا الشرق كل ما به من حركة ونسمة وصوت له روح وحفيف يتسلل إلى النفس، اليوم عرف معنىً جديداً للغربة وأنه لا يحيا بسويسرا بل يُقنع نفسه بن يحيا.
تذكر ألوانه ولوحاته وأدرك بأنها ستكون وطنه الوحيد من الآن فصاعداً. عاد للبيت، إستقبله منصور وهو غاضب:
_ أين كنت طوال الليل، لقد قلقت عليك، حتى لو كنت مع هيفاء كان لابد أن تخبرني.
_ لم أكن مع هيفاء، ثم أن اسمها لم يعد هيفاء بل سالي. لقد تمشيت لساعات في الشوارع، فأنا مشتاق لهذا الشرق.
_ سوف أعطيك هاتف خلوي به رقم محلي كي تخبرني أي تذهب كي لا أقلق عليك. ما هي الأخبار؟ هل تحدثت معها؟
_ تحدثت قليلاً معها، ولكنني سأراها اليوم، أريد أن أنام قليلاً قبل أن أذهب فأنا متعب كثيراً.
كانت تقف بإنتظاره، تلبس ملابس عادية وتلبس نظارتها الشمسية، كانت جميلة كأنها عارضة أزياء، ولكنه لم يكن يريد جمالها، كان يريد هيفاء التي أحبها يوماً ما والتي لا يزال يحبها ولكن...نظرت إليه وإبتسمت، قال لها:
_ هل نذهب لأكل الحمص والفول والفلافل، لقد إشتقت للأكل العربي.
_ هيا بنا، أعرف مطعم يحضر أكلاً شهياً.
_ سوف أوقف سيارة أجرة..
_ لا، لا، فلدي سيارتي الخاصة، هيا بنا
ركبا بسيارتها الفخمة، ولم يدر ماذا يقول لها، فكلما عرفها كثر إزدادت المسافة ما بينهما، قال لها:
_ هذه سيارة باهظة الثمن، هل عملك يوفر لك كل هذا الدخل؟
_ بالطبع لا ، ولكن يوجد تاجر سيارات باعني إياها بنصف الثمن.
_ لماذا؟
لم ترد، وحين بقى صامتاً بإنتظار إجابتها قالت:
_ هو يحب صوتي كثيراً، لذلك باعني إياها بهذا الثمن.
_ يحب صوتك فقط؟
أوقفت السيارة بجانب الطريق وقالت:
_ بسام، إذا كنت ستتابع الحديث معي بهذه الصورة أعتقد أنه من الأفضل أن نفترق هنا. صحيح أنني مغنية ولكنني انسانه محترمة ولا أسمح لأحد أن يشكك بأخلاقي.
_ أنا آسف، لم أقصد الإساءة، هيا تابعي القيادة فأنا جائع.
جلسا في المطعم وتناولا الأكل بصمت، وبعد الإنتهاء من الأكل، شربا الشاي، ثم قال لها بسام:
_ هيفاء، لا أزال أحبك، وأريد أن تأتي معي لسويسرا، أريد أن نتزوج وتتركي عملك هذا، وتعيدي لون شعرك السود ولا تضعي أبداً هذه العدسات اللاصقة الخضراء.
نظرت إليه بدهشة وقالت:
_ تريد كل هذا كأنني لا رأي لي.
_ بالطبع أريد أن أسمع رأيك، ولكن لا يوجد لدي الكثير من الوقت، نتزوج وتأتين معي، أنا وضعي المادي ليس ممتاز ، ولكنني أعمل حالياً وأبيع لوحاتي..
قاطعته قائلة:
_ لماذا لا تأتي انت للحياة هنا، نتزوج، أنت تعمل كمدرس كما كنت تعمل ببغداد وأنا أتابع مشوراي الفني؟
_ أنت تعلمين بأنني لا أستطيع البقاء هنا، لابد أن يكون لدي حساب كبير في البنك، ثم أنني أرفض أن أتزوج بمغنية، هذا ضد قناعاتي، أنا رجل شرقي وأنت تعلمين ذلك.
نظرت إليه بغضب مكتوم، ثم قالت:
_ ماذا تعمل هناك؟
صمت ولم يدر ماذا يقول لها، هل يكذب أو يقول الحقيقة، فكر للحظات ثم أجب بكل صراحة:
_ أعمل عامل تنظيف بشركة كبيرة، ولكنني وقعت عقد ممتاز بخصوص لوحاتي.
_ هذا جيد، وتريدني أن اترك كل شيء هنا ومستقبلي وألحق بك.
_ أجل، أنا أحبك، ولم أنساك ولو للحظة واحدة، أنت لا تعرفين ماذا تعنين بالنسبة لي، أنت كل ذكريات ووجودي يا هيفاء. مكانك يا هيفاء معي وأكون مسؤول عنك، مكانك ليس هناك مع كل هؤلاء الغرباء، لا تدعي الشهرة تخدعك وتجرك لأخطاء لا يمكن إصلاحها.
تملمت في مكانها ثم قالت:
_ ولكن يا بسام، أنت بالكاد تنفق على نفسك هناك، فكيف ستنفق على شخص آخر.
_ سوف تعيشين بكرامة دائما معي يا هيفاء وأضعك بعيوني، لن تجدي انسان آخر يحرص عليك ويخاف عليك مثلي.
_ لا أريد انسان يخاف علي، أريد أن أحقق طموحي وشهرتي...أخشى بأنني لن أستطيع أن أوافق على طلبك..
نظر إليها للحظات وقال:
_ تريدين أن تغني لرجال غرباء لا يرون بك سوى جسدك، هل تعتقدين أنهم يهمهم صوتك أو موهبتك، ما يهمهم شيء آخر، وسينتظرون دائما إلى أن يحصلوا على ما يريدون. ثم ما الذي جعلك تسيرين بهذا الطريق، ألم تجدي عمل آخر؟
قالت بغضب:
_ هذا يكفي، لقد وجدت عمل آخر، تريد أن تعرف كل شيء، حسناً، ساُخبرك؛ عملت خادمة في البيوت والفنادق، ضاعت كرامتي أمام الحاجة والركض وراء لقمة العيش. أنت لا تعلم شيئا، لقد ذهبت لسويسرا ووجدت من يساعدك، أنا جلست في الشوارع أبيع علب الدخان والبطاريات، ركضت من بيت لبيت لأخدم هذا وذاك، تعرضت للإعتداء من قبل كل حقير، فلا تُلقي عليّ محاضرة حول ما يجب أن يكون وما لايكون.
أجابها دون تفكير:
_ كنت افضل أن أراك تبعين السجائر والبطاريات وتعملين في البيوت على أن أراك تغنين أمام الرجال بمكان يعج بالراقصات وال....أنا لم أعد أعرفك، ولكنني وللمرة الأخيرة أعرض عليك أن تبدأي حياة نظيفة معي...ثم ماذا عن خالتك التي كانت تعيش بعمان، لماذا لم تذهبي للحياة معها؟
صرخت بوجهه دون أن تهتم بنظرات الناس حولهما:
_ حياتي نظيفة رغم أنفك، يكفيك إهانات لي، من تعتقد نفسك، لا أريد أن أراك مرة أخرى..أما عن خالتي، فقد ذهبت لكندا لوم يكن لدي النقود لأذهب عندها، وحين علمت بأنني أعمل كمغينة رفضت الحديث معي.
أمسكها من يدها وطلب منها مغادرة المطعم، دفع الحساب سريعاً، مشت بجانبه على مضض، وحين وصلا للسيارة قالت له بإحتقار:
_ لقد قطعت مسافات كي تُهينني، ولكنك سترى بأنني سأصبح فنانة مشهورة وحينها لن أتنازل حتى بالنظر إليك.
أجابها بهدوء:
_ لم آت لإهانتك، بل لحبي لكِ وخوفاً عليك من أولئك الذئاب، فحتى لو إفترقنا سوف أبقى خائفاَ عليك، لقد أحببتك بصدقٍ نادر يا هيفاء، عفواً، يا سالي.... والآن أرجو المعذرة، لايجب أن نتابع كلامنا كي لا نجرح بعضنا البعض أكثر. آه، لقد تذكرت، توجد لك أمانة معي.
فتح حقيبة صغيرة بها الأوراق التي كتبتها هيفاء خلال الإعتداء على بغداد، ودميتها الصغيرة التي وجدها بين أنقاض بيتها. نظرت إليها هيفاء، بدأت الدموع تنحدر من عيونها، قالت له:
_ لماذا أحضرتها معك؟ لا أريد أن أتذكر أي شيء، لقد نحجت بنسيان أشياء كثيرة وها أنت...
_ ها أنا أحاول إعادتك لنفسك، لهيفاء التي كانت في زمنٍ آخر، أرجوك يا هيفاء، تعالي معي وانسي هذه الأجواء التي تُغريك بالشهر مقابل ثمن باهظ، أجوك...
نظرت إليه من بين الدموع وقالت بغضب:
_ لقد أحضرت هذه الأشياء لتؤثر بي، ولأشعر بالذنب، أنت لا تعلم كيف عشت بعمان لسنوات في الفقر والبرد والذل، ولن أغير طريقي، أما هذه الأشياء فهي من الماضي، ويمكنك أن تحتفظ بها.
أجابها بخيبة أمل:
_ كنت في السابق متمسك بها، وإحتفظت بها لسنوات بقلبي وحقائبي، ولكنها الآن وفعلاً لم تعد لي، لن أستطيع أن أحتفظ بها، لأنه لم يعد هناك معنى لذلك. وداعاً يا هيفاء.
رمت الأوراق والدمية في المقعد الخلفي للسيارة ثم صعدت إلى سيارتها وأغلقت الباب بعنف، ثم قادت السيارة بسرعة جنونية. وقف بسام على الرصيف دون أن يتحرك، ثم أشار لسيارة أجرة. صعد إلى السيارة، وجلس بجانب السائق، نظر إليه السائق وقال له بفضول:
_ يبدو أنك لست من الأردن!
آخر كا كان يرغب به هو الحديث، فهرز رأسه وقال بثقل:
_ لست من الأردن.
فهم السائق بأنه لم يكن يريد الحديث؛ جلس صامتاً يراقب المدينة التي تمر أمامه سريعاً ورغب فجأة بأن يغارد عمان بأسرع وقت، لم يعد يرغب بأن يبقى ولا ليومٍ واحد، وصلت سيارة الأجرة للبيت. وجد منصور بإنتظاره فأخبره بما حدث، صمت منصور قليلاً ثم قال:
_ لقد كنت أريد أن أخبرك ولكنني رغبت أن ترى بعينيك، إنها ليست الانسانة التي تعرفها، وربما هذا أفضل لك يا بسام.
_ المسألة ليست أفضل أو لا، المسألة هي أنني أحببتها بكل جوارحي، ورغم غضبي فأنا فعلاً خائف عليها، فهي تعمل بوسط...
_ هذا يكفي يا بسام، أنت تتحدث عن امرأة ناضجة لا عن طفل تحتاج للحماية، لقد سألت عنها، هي تلهث وراء الشهرة، ووقعت عقود عمل مع فنادق خمس نجوم وسوف تصدر كليب قريباً، ربما فعلاً ستصبح فنانة مشهورة، إنساها فهي لم تعد تصلح لك.
_ منصور أرغب بالسفر غداً، هل يمكنك الأتصال بالشركة لتقديم موعد الحجز، لم أعد أستطيع البقاء هنا، أشعر بأنني أختنق.
_ بسام، لقد إنتظرت زيارتك هذه منذ سنوات، أنت من أعز أصدقائي، أرجوك إبق وسوف نخرج معاً ونذهب لأماكن جميلة، فالأردن جميلة جداً، يمكننا الذهاب للبتراء والعقبة برحلة لعدة أيام.
_ لا يا منصور، لم أعد أستطيع، ربما في مرة قادمة، ربما يوماً ما أعمل معرض للوحاتي هنا. ولكن لابد أن أذهب للسوق لشراء القهوة لصديق لي، هل تأتي معي؟
_ بالطبع.
تمشيا في شوراع المدينة القديمة، وإستنشق بسام راشحة البهارات والقهوة المطحونة، وأشترى عدة شالات مطرزة يدوياً بنقوش فلسطينية وأردنية. ثم جلسا في المقهى القديم يشربا الشاي معاً، قال بسام لمنصور:
_ لقد إُقتلعنا من أوطاننا يا منصور، وبعد رحلتي هذه أدرك أن للغربة عشرات الوجوه، فهناك غربة الأرض، غربة المعتقدات، غربة الجسد، وغربة الروح، ثم تأتي الغربة بين أشخاص من وطنك ولكنهم لا ينتمون إليك ولا تنتمي إليهم، لقد كانت هيفاء بالنسبة لي آخر إنتماءاتي لوطني، أو ربما كنت أعتقد ذلك؛ الآن أنا على ثقة بأن ما تبقى لي من إنتمائي هو ريشتي وألواني. الحب الحقيقي يا منصور وطن حقيقي أيضاً وحين نفقده كأننا نهاجر إلى المنفى، فمن تحب هو الأرض الحقيقية في قلبك وروحك، ركن ثابت في الوجود رغم كل ما يحيط بك من أحداث وما يصيبك من هموم، الحب فقط يجعل كل ما في الحياة أسهل وأقل وطأة، وحين يموت تتخلخل أرض قلبك وروحك، تُقتلع السعادة من صدرك تماماً مثلما أُقتلعت من وطنك. نحن يا منصور لم نغادر العراق فقط، بل غادرنا أعماقنا وهويتنا، لذلك يمكننا الآن وبكل سهولة أن نقبل ونتقبل أي شيء لأننا ببساطة غرباء أينما ذهبنا ولا عذر للغريب. أحياناً افكر بأنني لا أرغب بالحياة، فأنا أعمل كعامل تنظيف في سويسرا، أنظف الحمامات والمكاتب والأدراج، أتوقف أحياناً عن العمل للحظات وأبكي كرامتي وغربتي وأشياء كثيرة، أموت كل يوم هناك يا منصور ولكن اليوم هيفاء قتلتني.
أجابه منصور بكلمات كثيرة، لم يستمع لأي منها، كان كل تفكيره يذهب إلى هيفاء وسويسرا وحياته التي أصبحت بلا معنى ولا جذور. شرب كأس الشاي وشعر أن هذا الكأس الدافيء هو الشيء الوحيد الحقيقي بحياته.
لم ينجح إلحاح منصور، وصمم بسام على العودة. صافحه في المطار بحرارة. صعد إلى الطائرة المتجهه لسويسرا وشعر بأنه يعود لوطنٍ ما، ربما ليس وطنه، ولكن شيئاً ما به يحتضنه ويهديء من روعه. تذكر كريستا وجوليانا وأشخاص يحبهم ويحبونه، فخف حزنه قليلاً، وأدرك أن سويسرا أصبحت فعلاً الوطن والمنفى.

***
جلست بصمت في قاعة المحكمة، المكان كان شديد الهدوء، الجميع ينتظر قدوم القاضي، وحين حضر كان لابد أن ينهض الجميع، كانت قضيتها أول قضية، طلب القاضي إستدعاء المشتكى عليه؛ شعرت بإرتجافة تجتاح كل جسدها، فهي لن تتمكن من النظر إليه، نظرت حولها، وفكرت أنها لابد أن تغادر هذه القاعة، وفعلاً نهضت بخطواتٍ غير ثابتة وأجهت نحو الباب؛ لاحظ المدعي العام خروجها المفاجيء، فإستئذن القاضي بالخروج واللحاق بها. وجدها تجلس على أحدى المقاعد، تشعر بالتوعك والغثيان، قال لها بجدية:
_ آنسة ليلى، لا يجوز أن تخرجي بهذه الطريقة، أنت المشتكية بهذه القضية ولابد من حضورك وسماع أقوالك.
نظرت إليه وشعرت بأن كل شيء يدور حولها، فقالت بثقل:
_ أنا، أعتقد بأنني لن أستطيع أن أتكلم، لا أستطيع أن أراه، ارجوك...هذا صعب..
_ آنستي، إن لم تشهدي ضده سوف يخرج من السجن وسوف يعتدي على نساء أُخريات، لقد سبق وأن تم سجنه ولكن هذه المرة أعتقد بأنه لن يخرج من السجن. سوف أوضح للقاضي بأن حالتك حساسة وأن يراعي ذلك. سوف أسألك بعض الأسئلة ثم تغادرين.
تذكرت ما تعرضت له وأنها لن ترغب بأن يحدث ذلك لأي انسانة أخرى، فتمالكت نفسها وعادت معه إلى قاعة المحكمة. نظر القاضي إليها بتفحص وأعلن بدء المحاكمة.
تفادت النظر إليه، وفي كل مرة كانت تشعر بالضعف وأنها تكاد تنهار كانت تتذكر تفاصيل ما حصل معها وأن انسانة أخرى قد تتعرض لذلك إذا لم تشهد ضده. إنتهت الأسئلة، وقال القاضي برصانة:
_ آنسة ليلي، لقد راقبتك طوال هذه المحاكمة ولاحظت أنك لم تنظري للمتهم، هل يمكنك النظر إليه والتأكيد بأنه هو من قام بالإعتداء عليك؟
حاولت أن تنظر إليه ولكنها لم تستطيع، فطلب منها القاضي مرة أخرى، شعرت بالدوار، وفجأة وقعت أرضاً، أعلن القاضي وقف النظر بالدعوى لنصف ساعة ريثما تستعيد وعيها، أسرع المدعي العام لمساعدتها ورش بعض الماء على وجهها، وحين أستيقظت، نظرت حولها وتذكرت كل شيء من جديد، فقال لها:
_ آنسة ليلى، أرجوك، أنظري إليه وأخبري القاضي بأنه هو، هذا كل ما طلبه منك، ثم تغادري ولن تريه مرة أخرى.
نهضت بصعوبة وعادت للجلوس، دخل القاضي وأشار لها بعدم الوقوف، وأعاد نفس السؤال عليها؛ إلتفت بإتجاهه وألقت نظرة خاطفة على ملامحه التي لن تنساها طوال حياتها، وقالت للقاضي:
_ إنه هو، أنا متأكدة.
نظر إليها القاضي بإرتياح وقال:
_ حسناً، يمكنك المغادرة.
نهضت لتخرج، فهمس لها المدعي العام:
_ ألا ترغبين بسماع الحكم.
_ لا، أريد أن أستنشق الهواء، أكاد أختنق، أنتم تحكمون عليه، أما أنا فأريد أن أنسى هذا الرجل.
خرجت إلى الشارع لتسير بخطواتٍ بطيئة، الأسئلة جعلتها تتذكر كل شيء وبوضوحٍ شديد، كان يجب أن ترفض الحضور ولكن ما قاله لها المدعي العام كان صحيح ولا تريد أن تعاني انسانة أخرى ما عانت منه. توجهت نحو البيت، دخلت للصالة الكبيرة، وبنظرات شاردة ألقت التحية على السيدة بلانسكي التي لاحظت بأنها لم تكن بحالتها الطبيعية. دخلت لغرفتها وأغلقت الباب وغرقت ببكاءٍ صامت. وبعد لحظات سمعت الأنغام المنبعثة من البيانو حيث تعزف السيدة بلانسكي، تمددت على السرير لتسمح بالهدوء الذي تحمله الموسيقى يتسلل لروحها وجسدها. إنسابت الدموع لتبلل وسادتها البيضاء، لم تحاول أن تتوقف عن البكاء، لقد كانت بحاجة لهذا البكاء كي يخف الألم المدفون بصدرها، وخلال دقائق إستسلمت للنوم وكأنها كانت برحلة بعيدة ومضنية.
حين إستيقظت، كان المطر يهطل بقوة في الخارج وشعرت بالجوع الشديد، تناولت طعامها، ثم وقفت خلف النافذة تراقب هطول المطر وتشرب القهوة الساخنة. عادت بها الذاكرة إلى جامعة دمشق، إلى كلية الفنون الجميلة حيث كانت تدرس التصميم الداخلي أو هندسة الديكور، تذكرت المشاريع التي تقدمها والأفكار التي كانت تبحث عنها، تذكرت تلك المتعة البعيدة وشعرت بأنها لابد أن تستعيد العلاقة مع تلك الأوراق والرسومات والتصاميم، لقد كان عالمها فعلاً ولابد أن تسترجعه. لقد ترجمت جميع الأوراق وكان لابد أن تذهب مع مارك بعد يومين إلى الجامعة، هدأت أنفاسها، وتذكرت بأنها نجت من الموت، فكان لابد أن تنسى وأن تبدأ وفي كل يوم حياة جديدة. سمعت طرقات خفيفة على الباب، لقد كانت السيدة بلانسكي:
_ مرحباً، هل يمكنني دعوتك لتناول الشاي معي.
_ أجل بالطبع، اشكرك كثيراً
جلستا في الشرفة الدافئة والمحاطة بالزجاج، وراقبتا الشارع الممتد أمامهما، نظرت إليها السيدة بلانسكي وقالت:
_ أنت متعبة اليوم، أليس كذلك؟
_ أجل، لقد كنت اليوم في المحكمة، أعتقد أن ربيكا أخبرتك بما حصل معي.
_ أجل ، بالطبع، ولكن لا تدعي ذلك يؤثر على حياتك، أنت شابة وجميلة والمستقبل أمامك.
_ أشكرك، هذا صحيح، وأشكرك كذلك على الموسيقى الجميلة التي تعزفينها كل يوم، أنت عازفة رائعة.
_ هذا لطيف منك، أتعلمين، أحياناً أشتاق لأن أدرس الموسيقى، فتدريس الموسيقى به متعة كبيرة لأنه تواصل روحي بين الطالب وأستاذه، إنها علاقة تختلف عن تدريس أي شيء آخر. ولابد للمدرس أن يكون قريب من روح الطالب وكذلك الطالب للمدرس، لذلك تبقى هذه العلاقة حتى ولو إنتهت الدروس، فجميع طلابي يتصلون بي بل وأحياناً يأتون لزيارتي.
_ حين كنت صغيرة، كنت أتمنى لو أنني أتعلم عزف البيانو، ولكن لم يكن لدينا بيانو، وهو غالي الثمن في بلدي، لذلك كنت أكتفي بالإستماع إلى العزف عليه.
_ هل لا تزال لديك تلك الرغبة القديمة؟
_ أجل، ولكنني لا أمتلك الوقت ولا المال لأتعلم، فدروس البيانو غالية حتى في دمشق كانت غالية بالنسبة لعائلتي.
_ هذا مثير للإهتمام، ما رأيك أن أعلمك البيانو دون مقابل هذا إذا رغبت بالبقاء والسكن هنا، حتى لو لم تسكني معي، يمكنك الحضور متى شئت.
وضعت ليلى فنجان الشاي على الطاولة لوقع المفاجأة، ثم قالت بخجل:
_ هل أنت جادة فعلاً؟ أرجو المعذرة، أقصد هل لديك الوقت لذلك؟
ضحكت السيدة بلانسكي وقالت:
_ لدي كل الوقت، المهم أن يكون لديك أنت الوقت.
_ سيكون لدي الوقت، كما وأنني قررت البقاء والسكن هنا، فلن أجد أفضل من غرفتي هنا.
_ هذا جيد، سوف أعطيك الدروس متى سمح وقتك بذلك.
_ أجل، ولكن المشكلة هي...هي أنني أفكر بأن أدرس من جديد في الجامعة، ثم سوف أعمل في المساء بذلك المطعم، لن أتمكن من متابعة الدروس معك إلا في العطلة الأسبوعية.
_ ليس مهم عدد الدروس، المهم أن تتدربي على ما سوف أدرسك إياه وأن تحفظي النوتة بدقة، ثم تتعلمي ببطء ولكن بطريقة صحيحة.
عادت إلى غرفتها، وشعرت أن كل خيوط وجودها أصبحت هنا في سويسرا، لم يتبق لها من دمشق سوى الذكرى، فحتى بيت أهلها لم يعد موجود وحتى أقاربها منهم من مات ومنهم من ترك سوريا ليذهب لمخيمات اللاجئين في الأردن أو تركيا. أصبح لها وجود هنا فقط، لذلك وفي هذه اللحظة بالذات قررت أن تعيش وجودها الجديد بكل طاقتها وبكل تمسكها بالحياة.
ساعدها مارك على إنهاء معاملة تسجيلها في الجامعة، كانت السعادة بادية على وجهه وهو يتابع اوراقها ويمشي معها من غرفة إلى أخرى. وحين إستلمت كرت الجامعة دعاها لشرب القهوة معاً؛ جلست أمامه ولا يزال ذلك الشعور بالحرج يراودها، فهي تشعر بإعجابه بها ولكنها تتجاهل مشاعره، قال لها بلطفه المعهود:
_ هل تشعرين بالوحدة هنا؟
_ في البداية كنت أشعر بالوحدة لأنني كنت أعيش مع الماضي أكثر مما أعيش في الحاضر، ولكن ذلك الحادث غير كل أفكاري ومشاعري. ثم عملي في المطعم أفضل بكثير من عملي بمحطة القطارات، فشيء ما بمحطة القطارات كان يخبرني وبكل دقيقة بأنني فعلاً أجنبية، ربما نظرات الناس لي خصوصاً وأنني كنت عاملة تنظيف. في هذا المطعم، تعلمت بسرعة أشياء كثيرة، فنحن النساء الشرقيات نتعلم أمور المطبخ مبكراً وهذا ساعدني بعلمي في المطعم، كما أن المطعم دافيء جداً على عكس محطة القطارات.
_ هل سيتعارض عملك مع دراستك؟
_ لا أعتقد ذلك، فبكل الأحول معظم المحاضرات كما رأيت تنتهي حوالي الساعة الرابعة، ثم أذهب بعدها لعملي، العمل في المطعم ممتع جداً وتوجد فترات إستراحة، كما أن صاحب المطعم لطيف معي بعد أن تأكد من جديتي ومعرفتي بأشياء كثيرة حول الطعام وليس فقط تقديم الوجبات. أشعر بالسعادة تقترب من حياتي، وبدأت أشعر بأن سويسرا أصبحت فعلاًوطني الثاني.
_ هذا جيد، أنا سعيد لأجلك.
_ أنت لا تتحدث كثيراً عن نفسك. لماذا درست الحقوق، هل تريد أن تكون محامي؟
_ أحب الحقوق كثيراً، لا أحب المحاماة، أريد أن أكون قاضياً وليس محامياً. فالحقوق تُشكل عقل شخصية الانسان، ولقد كان لدي دائماً فضول وإهتمام بالقضاء، حتى أنني كنت أطلب من والدي أن يصطحبني للمحكمة أحياناً؛ كل ذلك بدأ بسبب حلقات تلفزيونية حول القانون والقضاء وهكذا وجهني التلفزيون إلى مستقبل معين.
_ أعتقد أن القضاء مثير للإهتمام وهو عمل صعب أيضاً.
_ أعتقد ذلك. بالمناسبة، لقد أخبرتني والدتي بأن السيد روسلان أتصل بها ويدعوننا لزيارته في بيرن يوم السبت المقبل، سوف يتصل بك، لن أستطيع الحضور لأنني لابد أن أقدم إمتحان يوم الأثنين، سوف تأتي معك أمي وداني، فهو مشتاق لك ويريد إلتقاط بعض الصور لمدينة بيرن.
ليلى، لقد ترددت بأن أقول لك شيء ما، وأرى أن الوقت مناسب الآن فمشاعرك هادئة وأعتقد أنك عدت لطبيعتك الحقيقية، أنا...أنا معجب بك منذ أن رأيتك، أنا مدرك للفروق الثقافية بيننا ولكنني مستعد لتفهم ذلك، فهل يمكننا أن نكون أصدقاء وربما لاحقاً نبقى معاً؟
شعرت بالإرتباك، ولم ترغب بالرد، ليس لأنها لا تجد الكلمات ولكن كانت تعرف بأن ما ستقوله قد يؤلمه، ولكن لابد من الوضوح كي يبحث عن خيارات أخرى بحياته:
_ مارك، أنت شاب مميز، ولكنني فعلاً لا أرغب بإقامة أي علاقة، أنا بالكاد بدأت أعثر على نفسي، فلا أريد أي شيء يشوش طريقي، المسألة ليست في الفروق الثقافية فقط ولكنني فعلاً لا أجد أي مكان لأي علاقة بحياتي، أريد أن أعمل وأدرس وأبني حياتي التي كدت أفقدها؛ ولا أريد كذلك أن أضع أمامك الأمل، أتمنى فعلاً أن تجد انسانة أخرى تناسبك أكثر مني وسنبقى دائماً أصدقاء.
إبتسم بأدب وأخفى الحزن الذي بدا واضحاً على عينيه، ثم قال:
_ أجل، معك حق. سنبقى دائماً أصدقاء. عموماً إذا إحتجت لأي مساعدة لا تترددي بإخباري. وقبل أن ينهضا، سمعت رنين جهازها الخلوي، لقد كان السيد روسلان كما أخبرها مارك، وأخبرها بأنها مدعوة مع ربيكا لمرزعته يوم السبت القادم.
***
كان يوماً بارداً جداً، تتساقط الثلوج بكثافة في الخارج، وصل كمال وزوجته سوزان لجنيف لزيارة نادية بعد عدة أشهر من مغادرتها لمنزل والديها. كانت تستأجر غرفة صغيرة في سكن الطلاب. أتصل بها والدها ولكنها لم ترد على مكالمته، ثم إتصل بصديقة لها كانت نادية قد أعطته رقمها. سألها عن نادية وانها لا ترد على مكالمته وإن كان يوجد شيء ما؛ أجابته بهدوء:
_ نادية بخير، لقد رأيتها اليوم صباحاً ولكنها لا تذهب كثيراً لغرفتها في سكن الطلاب، هي تعيش أغلب الوقت مع صديقها هانس في بيته في مركز المدينة.
صمت للحظة ليستوعب الصدمة:
_ ماذا؟ ماذا تقولين؟
_ ألم تخبرك بأنها لا تأتي لغرفتها كثيراً.
أجاب محاولاً ضبط اعصابه:
_ بلى...بلى، لقد أخبرتني...ولكنني فقدت عنوان صديقها، هل تعرفين أين يسكن؟
_ بالطبع.
كتب العنوان على كف يده؛ ثم قال لزوجته بصوت متوتر:
_ هل يمكننا الجلوس بمقهى ما .
_ أعتقد أنه من الأفضل أن نأكل، فأنا جائعة.
كان قد نسي الجوع والطعام بعد الذي أخبرته به صديقة نادية. ذهبا للمطعم، وتناولت زوجته الطعام، لم يستطيع أن يأكل، نظرت إليه زوجته بإستغراب وقالت:
_ ما بك؟ ألست جائعاً؟
_ لا..لست جائعاً.
_ ولكنك لا تبدو بحالة طبيعية.
_ أنا بخير.
لم يرغب بأن يخبر زوجته قبل أن يتأكد بنفسه. وحي إنتهت من الأكل، نهضا وقال لزوجته:
_ سوف نستقل تكسي ليقلنا لهذا العنوان.
_ ولكن نادية لا تسكن بهذا العنوان، لابد أن نذهب للسكن الجامعي.
_ سوف نذهب حين ترد على الهاتف، ولكنها يمكن أن تكون موجودة بهذا العنوان، من الأفضل أن نذهب هناك أولاً ثم للسكن الجامعي لأنه بعيد من هنا، وربما خلال ذلك الوقت تكون قد ردت على الهاتف، لقد أعطتني زميلتها هذا العنوان وأخبرتني أنها ربما تكون بمحاضرة ما حالياً.
_ حسناً، كما تريد.
كان يتمنى لو أن صديقتها تكون مخطئة، أو أن يحصل أي شيء وألا تكون الحقيقة هي الكابوس الذي طالما كان يخشى منه. وخلال دقائق وصل التكسي، ووقفوا امام الباب بإنتظار من يفتح لهم سواء نادية أن شخص آخر. بعد ثوانٍ قليلة، فتح الباب شاب وسيم طويل القامة أشقر الشعر نظر إليه كمال للحظات وسأله إن كانت نادية موجودة بالداخل، وقف للحظات دون أن يرد، نظر خلفه في الشقة وقبل أن يرد كانت نادية تقف خلفه وهي تلبس بيجاما قطنية بيضاء، وحين رأت والدها تراجعت للخلف، فدخل كمال دافعاً صديقها عن طريقه فأوقعه على الأرض، إتجه نحوها وصفعها على وجهها قائلاً:
_ هذا آخر شيء أتوقعه منك، لقد قلت لك عشرات المرات أنك إذا أردت قتلي فيكون ذلك حين تعيشين مع صديق لك دون زواج...أنت
نهض صديقها وإتجه نحو كمال مهدداً:
_ إن لم تغادر بيتي الآن، سوف أطلب الشرطة.
تدخلت سوزان وطلبت منه أن يهدأ، ثم قالت لكمال وهي غاضبة:
_ لا يحق لك أن تتصرف بهذه الطريقة، هذه حياتها الخاصة وهي لم تعد طفلة؛ يبدو أنك نسيت أنك في سويسرا ولست في دولة عربية.
وقف هانس صامتاً بعد ما قالته، نظر إليها كمال وقال:
_ هذه ابنتي وأربيها كما أريد، لقد أحتملت حياتي معك لأجل اولادي، لا تتدخلي، خصوصاً بهذا الموقف بالتحديد، فهذا أمر يخصني وحدي.
صرخت بوجهه وقالت:
_ بل يخصني أيضاً، هل نسيت بأنها ابنتي أيضاً؛ ثم هل نسيت بأننا عشنا معاً لمدة سنة قبل الزواج، أم ما هو مسموح لك ممنوع لابنتك...
رد بغضبٍ شديد:
_ أنت لست عربية، ابنتي عربية ولن أسمح لها بما تفعلينه أنت..
قاطعته بحدة:
_ لا ، هي ليست عربية بل سويسرية، حتى أنها لا تعرف وطنك الذي تتحدث عنه، لقد تربت هنا وأمها سويسرية، وإذا كنت قد نسيت فتذكر بأن القانون معها وليس معك.
نظر لنادية وقال محاولاً ألا يضربها مرة أخرى:
_ إذهبي، بدلي ملابسك وتعالي معنا.
وقفت دون حراك، ثم نظرت لوالدتها وقالت:
_ أبي، إنها حياتي، أنت عربي وتربيت في بلد عربي، ولكن أنا سويسرية ولا أشعر بأنني عربية، أرجوك لا تحاول فرض ثقافة غريبة عني والحقيقة أنني لست مقتنعة بها..
_ أخرسي، سوف تخرجين معي، وتعودين معي للبيت، لا أريد أن تدرسي هنا...هيا
إقترب منها وسحبها من يدها، فوقف هانس بينها وبينه وقال له:
_ أقول لك مرة أخرى بأن تخرج من بيتي، إذا رغبت نادية بأن تعود معك فهذا قرارها، أما إذا رغبت بالبقاء هنا ومنعتها فسوف أتصل بالشرطة...
صرخ كمال بوجهه وقال:
_ إبتعد عن وجهي، ابنتي سوف تعود معي وتخرج من هنا...قلت لك هيا إذهبي واحضري أغراضك...
إقتربت منه زوجته وقالت:
_ إذا لم تهدأ فأنا من سيتصل بالشرطة...وأنت تعلم ماذا سيحدث إذا أتصلت بالشرطة، سوف يتم سجنك وإقامة شكوى ضدك وقد تتوقف عن العمل، وقد ترفض أي شركة بأن تعمل لديها، بل ربما يتم إتهامك بالتعصب والديني وربما أيضاً تهديد حياة ابنتك، إستيقظ انت هنا ببلد أوروبي.
وقف صامتاً للحظات، وتذكر خيانتها له، ونفورها من ثقافته، وشعر بأنها يمكن أن تنفذ كل ما قالته، فقال بهدوء شديد:
_ إذا لم تخبري نادية بنفسك بأن تعود معنا فلن أستمر بالحياة معك.
إبتسمت بتهكم وقالت:
_ لن أخبرها، وأنا معها ولن أسمح لك بالتدخل بحياتها، لابد أن تفهم بأنها سويسرية.
إلتفت لنادية وقال:
_ وأنت ما آخر ما تقولين؟
_ هذه حياتي يا أبي، ولن أعود معك، أحبك وأحب أمي ولكنني أخترت حياتي...أرجوك أن...
لم يستمع لكلماتها فإنسحب وغادر المكان. جلس في القطار المتجه نحو بازل، تأمل الأشجار والتلال والطرقات التي تمتد بلا نهاية، وشعر بأنه كان يحيا سنوات من سراب، إعتقد بأنه أسس عائلة ولكنه كان يسير وراء سراب لا علاقة له بالواقع، أعتقد بأن كلمات يهمس بها بأذن إبنته عن ثقافته وعاداته وأخلاقة الشرقية كفيلة بأن تجعلها تعيش بمنأى عن الحياة الأوروبية ونسى بأنها تعيش بأعماق الحياة الأوروبية وأنها تشربت كل تلك الثقافة فلم يبق لكلماته اي مكان ولا أثر أو حتى وجود. اليوم تنتهي رحلته خلف السراب، تذكر كلمات والده، وشعر برغبة بالبكاء، ولكن الغضب كان أعمق من البكاء. كان يعلم بأنه سيبدأ رحلة جديدة بحياته، بل ربما معاناة جديدة لأنه قرر أن أن يطلب الطلاق، وكان يعلم أن ذلك سيتطلب سنة أو سنتين في المحاكم وصراعات مع زوجته حول ما يجب أن يدفعه لها، وأنه قد يدفع لها نصف ما يملك. ولكنه وصل لحالة من الألم بأنه كان مستعد للتخلي عن كل شيء وتخرج سوزان من حياته للأبد.
أنا نادية، فقد قرر أن ينسى وجودها، لأنه فعلاً لا يستطيع أن يفعل أي شيء حيالها، فالقانون معها ولن يجد مكان له سوى السجن. جلس بصمت يستمع لهدير القطار وهو يقطع المسافات بسرعة قصوى، لم يرغب بالتفكير، يريد فقط أن يستمع لذلك الهدير الصاخب وأن ينسى أو يتناسى أو يتغافل أو يشعر بأنه ابله، ساذج، غبي أن يشعر أي شعور لانسان أعتقد أنه يبني بيتاً فإتضح له بعد سنوات بأنه كان يُلصق أوراق ببعضها البعض وعند أول هبوب للعاصفة تناثر البيت الورقي قطعاً في الهواء.
نزل من القطار، أتصل بوالده، فردت عليه أخته، طلب الحديث إلى والده، فصمتت، شعر بالقلق وعاد يسأل عن والده:
_ والدك في المستشفى بحالة حرجة.
_ ماذا؟ لماذا لم تخبريني من قبل؟ سوف أحضر لرؤيته.
_ لا يا أخي، لن تستطيع، الجسر مغلق لمدة أسبوع بسبب أعياد اليهود، سوف أتصل بك وأطمئنك عليه.
_ حسناً يا جميلة، ولكن هل أستطيع الحديث معه في المستشفى؟
_ لا، فهو في العناية المركزية، سوف أتصل بك وأخبرك بكل شيء .
أغلق الهاتف، الثلج كان يتساقط بكثافة، شعر بأن وجوده يتهشم تحت ثقل هذا الثلج، شعر كم أنه ظلم نفسه بأن أختار الحياة ببلد بارد وغريب، وسيبقى غريب عنه طوال حياته، وشعر بمدى إفتقاده لوالده الذي كان يرجوه بأن يعود خصوصاً بعد موت والدته منذ ثلاث سنوات، ولكنه كان يركض وراء حلم الجنسية والمال والحياة بأوروبا، وقد حصل على الجنسية وحصل على الحياة بأوروبا وحصل على عمل ممتاز ولكنه يشعر بأنه خسر نفسه حين رأى ابنته مع ذلك الشاب، وخسر نفسه حين خانته زوجته وأضطر للصمت، وخسر نفسه حين تجرأت عليه لأن القانون معها بكل تفاصيله، لقد تحول من انسان وزوج بنظرها إلى مجرد حالة قانونية تتعامل معها بما لها من حقوق. شعر بالقشعريرة تسري بجسده، تمنى لو أنه يرى ليلى، ولكنه لم يرغب بأن تراه بهذه الحالة ، فهو يشعر بأنه مُدمر وأنه لم يعد يمتلك شيء بهذه الحياة. تذكر كلمات والده له، وتذكر نظرات والدته التي لم تكن تسلم عليه بل كانت تودعه، لأنها كانت تعلم وبقلب الأم بأن ابنها لن يعود، لذلك لم تكن ترجوه أن يعود مثل والده، فبكى دون أن يمنع الدموع لأنه بهذا البرد وتحت هذا الثلج المتساقط بغزارة لن يلحظ أو يهتم أحد بدموعه.
عاد لبيته بوقت متأخر ووجد جاد بإنتظاره، أخبره بأن والدته ستعود في الغد من جنيف، جلس كمال والإرهاق بادياً على وجهه، طلب من جاد الجلوس بجواره، نظر إليه وقال:
_ جاد، سوف أنفصل عن والدتك، لا يمكننا الإستمرار معاً.
إستغرب كمال لأن جاد لم يندهش لما يقول، أجابه بهدوء:
_ أعلم ذلك، لقد أخبرتني أمي بكل ما حدث اليوم.
_ وما رأيك؟
_ أعتذر منك يا أبي ، ولكن أعتقد بأنك تسرعت، لقد أخبرتني نادية قبل شهر بأنها تعيش مع هانس، وهو شاب ممتاز و...
نهض كمال من مكانه وقال غاضباً:
_ ماذا؟ كنت تعلم ولم تخبرني! كيف تقبل على نفسك أن تعيش أختك مع رجل بلا زواج!
_ أبي، لقد أخبرتني أمي بأنك كنت تعيش معها قبل الزواج، فما الفرق، ثم إنك الآن سويسري، ومنذ سنوات لم تذهب لفلسطين، بل أنت عشت هنا أكثر مما عشت في فلسطين...
عاد كمال للجلوسن ووضع رأسه بين يديه، وبعد دقائق من الصمت قال:
_ حسناً، حين تتم إجراءات الطلاق سوف يسألك القاضي مع من ترغب بأن تعيش، فمن ستختار؟
لم يرد جاد، وتجنب النظر إلى والده، فقال وهو ينظر إلى شاشة التلفاز:
_ أبي هذا سؤال سابق لأوانه، ربما سوف تتصالح مع أمي.
_ لا، لن يحصل هذا، لم أعد أريد متابعة حياتي معها، أرجو أن تخبرني الآن كي ابدأ بتحضير الإجراءات بناءً على قرارك.
_ أعتقد أنني ...أنني ...أنا أفضل البقاء مع أمي..
صمت كمال لدقائق كأنها كانت دهراً من الصمت، ثم سأل جاد:
_ أريد منك آخر جواب ولن أسألك أي سؤال آخر، لماذا إخترت البقاء مع أمك؟
_ هذا محرج..
_ أرجوك، لن أسالك أي سؤال آخر...وأخبرني بكل صراحة...
_ أنا أحب الحياة معك، ولكن مع أمي أشعر بحرية أكبر، فأنت منذ صغرنا تقول لنا بأن نفعل هذا أو لا نفعل هذا كأننا في بلد عربي، وكأنك تنسى بأننا نذهب لساعات إلى المدرسة ونعيش مع سويسريين وأننا فعلاً ننتمي لهذا المجتمع، حتى حين ذهبنا معك للخليل شعرنا بأننا لا علاقة تربطنا بذلك المكان، أبي نحن فعلاً سويسريون، وبعض كلمات منك من حين لآخر لن تجعل منا عرب، وتنسى كذلك بأن والدتنا سويسرية، ربما كان يجب منذ البداية ألا تتزوج بامرأة سويسرية.
ساد الصمت من جديد، وقبل أن ينهض كمال من مكانه رن هاتفه الخلوي، لقد كانت أخته تتكلم وهي تبكي:
_ كمال، والدك مات.
صرخ قائلاً:
_ ماذا؟ متى ؟ متى حدث ذلك؟
_ قبل ساعة من الآن.
_ أريد أن أحضر جنازته. أنا أعلم بأنك لن تستطيعي أن تقومي بواجب العزاء وحدك، فأولادك بحاجة لك.
قالت باكية:
_ لا تقلق يا أخي، زوجي معي وسوف يقوم بواجب العزاء، ثم إنك لن تتمكن من الحضور، الجسر مغلق كما أخبرتك. لا أستطيع ...
_ جميلة...جميلة....
ثم أتى صوت آخر على الهاتف:
_ أنا مروان زوج أختك، كنت أتمنى الحديث معك بظرف أفضل من هذا، جميلة متعبة، لا تقلق سوف أهتم بكل شيء أنا وأقاربك، وسوف نتصل بك لاحقاً.
_ أجل، أجل..سوف أرسل ما يكفي من النقود غداً.
نهض من مكانه، سأله جاد:
_ أبي، ماذا هناك؟
لم يرد، ذهب غلى غرفته، وأغلق الباب. ألقى بنفسه على السرير وأجهش بالبكاء، لم يتوقف طوال الليل عن البكاء، فكر بأن يحزم حقائبه ويعود نهائياً للخليل، لكن لمن سيعود، لقد أصبح بيت أهله فارغاً، ماتت والدته بعد أن يئست من إنتظاره، والآن مات والده حزناً على فراقه. كلمات والده وهو يرجوه بأن يعود كانت تتكرر بأفكاره بكل لحظة، ثم تذكر كلمات ابنه جاد، وشعر بأنه أخذ ما يستحق، لقد تخلى عن والديه، إستقل الباص المتجه لجسر اللنبي ولم يعود، وابنه اليوم إختار حياته الغربية ولم يفكر حتى لدقائق بأن يكون مع والده. اليوم، وبهذه الليلة، وبهذه اللحظات من الفجيعة والحزن والعزلة يعرف المعنى الحقيقي للغربة، وأنها ليست فقط بلاد غريبة وأرض بعيدة، بل قتل للروح وإنتحار للنفس، وتمزيق للجذور، وفقدان للهوية وللشعور، بهذه الليلة لم يتبق من انسانيته سوى جسد انسان يسير دون مقومات الوجود.
وفي الصباح، كان قد جمع ملابسه وأغراضه، ولم ينتظر إلى أن يستيقظ جاد، كتب له ورقة صغير قائلاً له:
" جاد، أنت إخترت حياتك، وأختك إختارت حياتها، أخبرها حين تراها بأنها لم تعد موجودة بالنسبة لي، وأنا الآن وبعد كل هذه السنوات أختار حياتي، فلم يعد أي منكما بحاجة لوجودي،
لا تقلق، لن يكون الطلاق بيني وبين والدتك مع المشاكل، لن أضطرك للإختيار أمام القاضي فأنت إخترت، كما لا أريد أن تشهد ضدي أو ضد والدتك لا أنت ولا أختك التي لم أعد استطيع لفظ أو كتابة اسمها؛ سوف يكون طلاقاً بالتفاهم، وسوف أرسل لكم النقود التي تحتاجونها، ولكني لن أستطيع رؤيتكم بعد الآن. إذا كنت تريد أي نقود مني أرسل لي رسالة على هاتفي وأحولها لك على حساب والدتك المصرفي، وكذلك مصاريف نادية الدراسية. وداعاً"
إستقل القطار المتجه لبازل، وإستاجر غرفة في فندق لحين إيجاد سكن جديد. وضع أغراضه في غرفة الفندق، وتوجه لمكان عمله. جلس خلف جهاز الحاسوب، وكان ذلك الجهاز هو ما يربطه بالعالم الآن، أصبحت هذه الشاشة هي عالمه الوحيد، حتى ليلى لم يفكر بها كثيراً، كان في قلبه وشعوره فقط والده، الخليل، جذوره المُقتلعه ثم فروعه المبتورة، وكان لابد أن تتحول رحلة الغربة إلى عالم من النسيان حيث تتجول أشباح الماضي بلا اسماء ولا ملامح وكأنها لم تكون، مجرد أشباح تمر مرور السحاب.

***
وقف داني ينتظر ليلي بسعادة وهو يحمل ألبوم الصور الجديد الذي إلتقطها برحلته بين الجبال. وحين رآها من بعيد ركض بإتجاهها بحماسٍ كبير:
_ ليلى...ليلى..
_ داني...
إنحنت بإتجاهه وقبلته، ثم أمسكت ألبوم الصور وقالت بسعادة:
_ حسناً فعلت، كنت متشوقة لرؤية هذه الصور التي حدثتني عنها في الهاتف. أين والدتك ومارك؟
_ إنهم هناك في السيارة، بإنتظارنا.
ركبوا جميعاً في السيارة وأنطلقوا بإتجاه بيت السيد روسلان في بيرن. وكان بسام وكريستا بإنتظارهم كما إتفقوا في اليوم السابق. وصلوا جميعاً للمزرعة التي تبعد قليلاً عن مدينة بيرن، والواقعة بين التلال الخضراء وقرب نهرٍ صغير. كان السيد روسلان بإنتظارهم، إستقبلهم بحفاوة وبلطفه المعتاد، ونظراته لم تكن تغادر ليلى. جلسوا جميعاً في الحديقة الزجاجية لشرب القهوة التي أعدها السيد روسلان بنفسه وذلك قبل الدخول للبيت لتناول وجبة الغذاء. كانت الحديقة الزجاجية عبارة عن غرفة كبيرة مغلقة بألواح زجاجية تمتد من السقف حتى أرضية الغرفة الخشبية، الغرفة دافئة رغم برودة الجو في الخارج. كانت المنظر رائعاً مع نكهة القهوة ومنظر الأشجار المغطاة بقطع الثلج الذي بدأ بالتساقط ببطءٍ شديد. قال السيد روسلان:
_ لابد أن تحضروا بفصل الصيف، لأن الورود تحيط بهذه الغرفة من كل الجوانب ونتمكن من فتح النوافذ على مصراعيها. سنذهب بعد قليل نتمشى قليلاً لتشاهدوا النهر الصغير .
تبادلوا أطراف الحديث، وسأل بسام ليلى عما حدث لها فأخبرته بأنها الآن على ما يرام، ثم ناولها هدية صغيرة أحضرها لها من الأردن، لقد كانت وشاح مطرز بنقوش فلسطينية تمتزج بها جميع الألوان، قالت له وهي تضعه حول كتفيها:
_ هذا رائع، أشكرك يا بسام.
_ لا داعي لشكري، لا بل سوف تشكرينني بأن أرسمك مع هذا الشال.
ضحكت وقالت:
_ لقد رسمتني من قبل ولم تطلب الأذن مني، لذلك يمكنك رسمي متى تشاء، لن أمانع. أخبرني، كيف كانت رحلتك للأردن؟
لم يرغب بالرد فإكتفى بأن إبتسم وقال:
_ لقد كانت رحلة سريعة لإنجاز بعض الأوراق.
قال لها السيد روسلان:
_ لقد أصبحت أجمل بهذا الشال يا ليلى.
إبتسمت وقالت:
_ هذا لطف منك.
دخلوا جميعاً للمنزل لتناول الغذاء، لقد كان بيته دافئاً ويحتوى على قطع من الأثاث الأثري باهظ الثمن، وفي كل زواية من البيت تحف فنية ذات قيمة عالية، نظرت ربيكا بذهول حولها وقالت:
_ بيتك يشبه المتحف الصغير، لديك ذوق رفيع.
_ إنها زوجتي، لقد كانت تحب التحف الأثرية، وترفض أن تشتري أية قطعة أثاث حديثة، حتى غرف النوم تحتوي على أثاث قديم جداً، وبالطبع هذا الأثاث يحتاج لعناية خاصة للتنظيف. حتى الستائر كانت تختارها بنقوش قديمة حتى ولو كانت الأقمشة حديثة، لقد كانت متذوقة لجميع أنواع الفنون.
ثم فتح باب خشبي كبير وقال:
_ لقد كانت تحب تواجد اللوحات الفنية القديمة في كل أرجاء البيت، لقد كانت تعيش مع الفن أحياناً أكثر مما تعيش معي أو مع روبرتا.
كانت غرف البيت واسعة، مؤثثة بأثاث كلاسيكي قديم من الطراز الأوروبي والفرنسي بشكل خاص، الأرضية خشبية بلون بني داكن، الجدران كان معلق عليها لوحات قديمة رائعة الجمال. وقفوا جميعاً ينظرون للوحات الجميلة بإنبهار، ووقف بسام وسط كل غرفة ينظر لكل لوحة بتمعن شديد، ثم سأل السيد روسلان:
_ لماذا تبدو هذه اللوحات في هذه الغرفة شديدة الكآبة بعكس اللوحات الأخرى.
_ أنت فعلاً لديك إحساس الفنان، لقد إشترت زوجتي هذه اللوحات الحزينة بعد موت روبرتا، لقد فقدت أي طعم للحياة، بل أعتقد بأنها كانت ترغب بالموت، فقد كانت تحب روبرتاً حباَ كبيراً ولم تكن تطيق إبتعادها عنها.
ساد الصمت، وأتت الخادمة تعلن عن أن الطعام جاهز، تناولوا الطعام وتبادلوا أطراف الحديث. وحين إنتهوا، تم تقديم القهوة مع قطع الكاتو اللذيذة. ثم نهضوا جميعاً ليسيروا قليلاً في الحديقة. مشت ليلى بجانب السيد روسلان، وكانت تريد أن تسأله بعض الأسئلة بخصوص روبرتا:
_ أشعر بالفضول تجاه روبرتا، هل تسمح لي أن أسألك عنها؟
_ أجل بالطبع، بل إن إهتمامك يُسعدني.
_ لقد فكرت كثيراً بها، لماذا ترغب فتاة بجمالها وهي فتاة من عائلة ثرية وتمتلك كل ما تريد لماذا ترغب بأن تنتحر؟
_ هذا السؤال حيرني وحير والدتها، ربما يا ليلى هنا تكمن المشكلة، وهي أن الانسان لا يجب أن يمتلك كل ما يريد، لابد أن يبقى شيء ما يبحث عنه، يسعى إليه، يتألم لأجله كي يتمسك بالحياة.
_ أجل ، هذا صحيح. ماذا كانت تحب روبرتا؟
_ كانت تحب الموسيقى كثيراً، وقد كانت تذهب كثيراً للأوبرا، والدتها كذلك كانت تحب الأوبرا.
_ هل كان لديها أصدقاء؟
_ كان لديها كل ما تريد. ربما ترغبين بأن تشاهدي غرفتها؟
_ أجل، لأنني فعلاً أشعر بالبرد وأود الدخول.
صعدا معاً لغرفة روبرتا، فتح الباب، كانت غرفتها واسعة، بها سرير خشبي كبير مُغطي بغطاء خمري مخملي، وفي زاوية أخرى من الغرفة، مكتب صغير وضعت عليه أوراق بيضاء بعناية كأن أحد ما لا يزال يعيش بهذه الغرفة، ثم بزاوية أخرى توجد وسائد سوداء بجانب النافذة الكبيرة حيث أُسدلت الستائر البيضاء. جميع أغراضها ودفاترها وكتبها لا تزال موجودة، وصورتها لا تزال معلقة على الحائط، قال لها السيد روسلان:
_ الخادمة تعتني بغرفتها يومياً، لقد كانت وصية زوجتي، بأن أحافظ على روح هذه الغرفة لأنها كانت قطعة من وجود روبرتا.
شعرت ليلى بالحزن يجتاح صدرها وتذكرت أهلها وشوقها لهم، فقالت بصوتٍ خافت:
_ سيد روسلان، هل يمكنني الجلوس؟
_ أجل بالطبع.
جلست على الكرسي مقابل السرير، وجلس هو على حافة السرير، نظر إليها وشعر بأنها تكاد تبكي، فقال:
_ أعتذر منك، لقد أحزنتك بسبب ابنتي...
_ لا، لا لقد حزنت لسبب آخر، فقد فقدت جميع أهلي، أي أننا متشابهين، لذلك لا أشعر بالحرج إن حزنت أمامك، وأفهم حزنك كذلك.
_ لقد أخبرتني صديقتك بكل شيء على الهاتف. وأشكرك لأنك قبلت رؤيتي ولبيت دعوتي.
أرجو أن تعتبريني صديق دائم لك، ومتى رغبت أن تأتي لزيارتي سوف أكون سعيد بذلك. أنا رجل مُسن وصحتي ضعيفة، ولا أعتقد بأنني سأعيش سنوات طويلة، والحقيقة أنني لم أعد أرغب بأن أعيش كثيراً، لقد إكتفيت من هذه الحياة، وموت ابنتي وزوجتي جعلني أفهم حقيقة هذه الحياة. فلا أتمسك بها كثيراً. لقد ارسل الله هدية لي وهي أنت بأن أراك وكأنني أرى ابنتي لذلك أنت منحتني طعماً جديداً للحياة.
_ أنا سعيدة لذلك، ويبدو أن الحياة تجعلنا دائما نقابل أشخاص لا تجمعنا بهم الدماء بل المشاعر والأفكار فهم أيضاً يتحولون لعائلات نحبها وتحبنا، وأشكر الله لذلك.
_ هذا صحيح. والآن يمكننا أن ننزل لرؤية بقية الضيوف.
تحدثوا طويلاً وجلسوا جميعاً ليشاهدوا الصور التي إلتقطها داني، قالت له ليلى:
_ هذه صور رائعة يا داني، سوف تعطيني أفكار كثيرة بمشروعاتي في الجامعة.
نظر إليها السيد روسلان وقال:
_ ماذا هل تدرسين الآن في الجامعة؟
_ أجل، وأعمل مساءً في مطعم.
_ أنت فتاة شجاعة. وهل يمكنك تغطية تكاليف الدراسة؟
_ أجل، فالجامعة قريبة من عملي ومن سكني.
هز رأسة بصمت وعاد ليتابع الحديث معهم. وحين حل المساء وقفوا جميعاً لوداعه على الباب، طلب من ليلى أن يتحدث معها على إنفراد، قال لها:
_ ليلى ، أريد أن أدفع لك تكاليف دراستك، وبذلك لن تضطري للعمل.
نظرت إليه بدهشة وقالت:
_ كلا يا سيد روسلان، أرجوك دع الأمور المادية جانباً. أريد أن تبقى علاقتنا جميلة وأن تربطنا فقط ذكرى روبرتا، ثم أنني لست بحاجة للنقود، هذه حياتي ومسؤوليتي.
إبتسم وقال:
_ حسناً، ولكن أريد أن تعديني بأنك إن أحتجت لأي شيء أن تتصلي بي فوراً، ويمكنك الحضور لهنا بنهاية كل أسبوع أو متى رغبت بذلك حتى لو لم أكن موجود سأخبر الخادمة بحضورك وستعتني بك.

***
لم يشعر بوطأة البرد وهو يسير ببطء في شوراع بيرن، يحب هذه الشوارع القديمة التي تحمل طابع شرقي خاص، بأرصفتها المسقوفة، وأقواسها الممتدة على طول الشارع، في هذا الشارع التجاري شبة الشرقي لا يشعر بالغربة، لأن كل زاوية به دافئة وتخبيء ذكرى ما، لأنها شوارع قديمة مبنية بأحجار صخرية. خصوصاً حين يحل الظلام ويتم إضاءة الشوارع والمحلات، تصبح مدينة شرقية بإمتياز ولكن بروح غربية، يظهر المزيج واضحاً في الليل. كان الثلج يتساقط بهدوء، وهو يسير على الأرصفة المسقوفة، يراقب تساقط الثلج ويمشي دون إستعجال.ثم دخل مقهى صغير، وطلب فنجان من القهوة، جلس خلف الزجاج يراقب حركة الناس في الشارع وتساقط الثلوج في الخارج، إنه فصل الشتاء وقريباً ستبدأ سنة جديدة وهو بحاجة لسنة جديدة، بأحداث جديدة وبنسيان جديد.
كانت هيفاء رفيقته في كل الأماكن والصور والمشاعر والآن رحلت تماماً كأنها حملت حقائبها وغادرت بيته للأبد. لقد كانت تسكن روحه وأصبحت روحه بعدها خاوية ولكنها حرة طليقة؛ فشعر أن مرارة فراقها بدأت تتلاشى، فتلك التي رآها في عمان لم تكن تلك التي رافقته دائماً، لذا جعلها ترحل دون أن يطلب منها البقاء. شرب القهوة الساخنة وشعر بأن حرية المشاعر لا تقل أهمية عن حرية الأماكن؛ بل إن حرية المشاعر أهم وأعمق من حرية الأماكن، وأن الحب في حقيقته الدفينة هي أن تسلم مقاليد مشاعرك لشخصٍ آخر، قد يستحق ذلك العطاء وقد لا يستحقه، ولكنه يتحول إلى سجن حين تترك نفسك هناك بإنتظار من يحررك من قيدك الوهمي؛ شيءٌ ما غامض دفعه للذهاب لعمان، ربما نداء الحرية الخافت، كان لابد أن يذهب ويرى ويعرف صورة الأشياء بعد مرور سنوات من البحث والوهم. كان حزيناً ومصدوماً في الطائرة والآن يشعر بأنه حراً طليقاً وهو شعور أرفع من الحب. إشترى حقيبة كبيرة خاصة بحمل اللوحات، وإشترى ألوان وريش جديدة كأنه يُعلن بداية جديدة بكل شيء، فلابد أن يملأ الفراغ الذي تركه خيال هيفاء في نفسه، لابد أن يعود للواقع، أو أن يسمح للواقع أن يعود إليه.
ثم إتجه إلى محطة القطارات، وبدأ بالرسم، قرر ألا تكون لوحاته شرقية ولا عراقية، بل أن تكون انسانية، تعبر عن كل ما يجول بنفسه، كان لابد أن يتحرر من المكان ومن الأشخاص لينطلق حيث يريد عبر خطوطه وألوانه. أن يُضيف لمسات الحزن أو الشوق أو حتى الفرح لكل تفاصيل اللوحة؛ أن يجعل من لوحاته عالماً يضج بالحياة وكأن من يراها يحيا وقائع هذه الحياة.
أن ينكسر الضوء في لوحته بلحظات إنكسار الروح، ثم يمتزج الضوء المنكسر مع الفضاء الشفاف والواسع. لم يعد يهمه أن يرسم بغداد فقط، بل أن يرسم كل ما يشعر به بهذا الوجود، لا ما يراه لأن ما يشعر به أوسع مما يراه، وتتماوج اللوحات بين الضوء والظلال، بين اليأس والأمل، بين الموت والحياة. كان يرسم في السابق مقيد بالماضي، بالحنين للوطن، بالشوق لهيفاء، بالأمل لحبها القادم، بصور آتية من وجودٍ بعيد لم يعد له أثر في الواقع؛ لذلك كان لابد أن يستعيد ميلاد جديد في حياته وفي لوحاته؛ بل لقد شعر بأنه إن إستمر برسم بغداد وذكرياته بها سوف تصبح لوحاته شبه مكررة، لذا كان لابد من التحرر من الماضي مع بقائه جزء من وجوده يعود إليه حين يشاء ولكن لن يسمح له بعد الآن أن يفرض مساحات وجوده عليه. لم يعد يرسم لأجل الماضي، بل بدأ يرسم لأجل الحاضر، وذلك بإبتكار الأشكال والمواضيع وبإستشعار حالة وجدانية وروحية متجددة ومتصلة بالمكان الحاضر لا بالماضي فقط.
لابد أن يرسم من جديد، بأن يمنح موهبته مساحة من الحلم، وأن يتحرر من سكون اللوحة وجمود اللون، لابد للخطوط والألوان في اللوحة أن تتقاطع تتناقض وأن تجمع بين الرصانة والإتزان مع جمال الفن ومتعته وتحليقه بعوالم تختفي خلف الأشكال والوجوه. كان الرسم بالنسبة له سابقاً هواية وإتقان ، ولكنه الآن أصبح قضية وجود، بل لم يعد يكتفي بالتعبير عن الوجود، لابد من فهم حقيقة الأشياء والوجود عبر ما ترسمه الريشة ويخطه القلم.
لقد فهم الآن ذلك النداء الخافت الذي دفعه للذهاب لرؤية هيفاء، كان لابد أن تتحرر روحه من قيد الوهم، لقد كان مُكبل الشعور بحبٍ من طرف واحد، حب أضعف موهبته، ومنعه من التحليق في الحياة، لذلك ولأول مرة شعر بالإمتنان لذلك الحزن الذي إجتاحه ولتلك الصدمة التي أثارت كل الدموع والذكريات، فقد كان لابد من إفراغ النفس من ثقل الماضي لتحلق في فضاء الحاضر. وهكذا بدأت رحلته الحقيقية مع ذاته ومع الرسم.
خلال بضعة أشهر كان قد رسم لوحاتٍ عديدة، بمواضيع متنوعة، ذهب للقاء السيد ميشيل الذي نظر بإنبهار للوحات:
_ ما هذه اللوحات الرائعة! أين كانت موهبتك مخبأة! إنها رائعة، رائعة...
_ لقد حررني الفن من أوهامي وذكريات ومخاوفي وقال لي بمليء صوته:"أنت حرٌ طليق"
لم يعد الماضي يكبلني بل يُلهمني، وهناك فرق كبير بين ماضٍ يسجن وماضٍ يحرر، وأنا قررت أن أنصاع لأمر الفن بأن أكون حراً طليقاً؛ وأن يكون الماضي جزيرتي التي أعود إليها بعد كل رحلاتي، لا أن يكون سجني وقوقعتي.
نظر إليه السيد ميشيل بعمق وقال:
_ أود أن اخبرك بشيء لم أخبره لأحدٍ ما في حياتي، وهذا الشيء هو السبب في غرابة لوحاتي. لقد عشت حياة من نوعٍ خاص، أسرتي كانت ثرية وقد كنت الطفل الوحيد لأمي وأبي، ولكن والداي رغبا بأن أكون بمدرسة داخلية من أحسن مدارس سويسرا، حيث تعلمت عدة لغات، وأتقنت العزف على الكمان، وأتقنت الرسم أيضاً؛ فتلك المدرسة كانت ممتازة فعلاً، ولكنني كنت بحالة شوق دائمة لأمي وأبي ودائم الشعور بالوحدة. لسنواتٍ طويلى أعتقدت بأنهم لا يحبونني وإلا فلماذا يتركونني بهذه المدرسة! ثم إلتحقت بأفضل جامعة في بيرن، وحين تخرجت وأصبح بإمكاني أن أعيش بمنزل أهلي، توفي والدي، أما والدتي فبدأت أعراض الزهايمر تبدو عليها حتى أصبحت لا تعرف من أنا. الحقيقة هي أنني لم أحزن لأنها لم تعد تعرفني، فهي لم تكن تعرفني حتى حين كانت بكامل صحتها. كنت أشعر بأنني يتيم طوال الوقت، ولولا وجود الفن بحياتي ربما كنت مت من الحزن والوحدة. لهذا أرسم هذه اللوحات الغريبة، لا أرسمها لأحد، أرسمها لنفسي لأرى شكلاً خارجياً لمشاعري فهذا يُريحني ويحررني من ثقل هذه المشاعر التي لم تهدأ ولن تهدأ. لذلك يمكنني فهم ما تشعر به حتى ولو كنت أنتمي لثقافة تختلف عن ثقافتك، فبداخل كل منا معاناة ما ، قضية ما، لابد أن تأخذ طريقها للوجود الخارجي، قد يكون ذلك عبر الدموع، عبر اليأس،عبر التمرد ولكن بحالتك وحالتي كان ذلك عبر الفن.
أجابه بسام بصوتٍ عميق:
_ أشكرك لهذه الثقة، وأعتقد أن أرقى العلاقات هي هذه العلاقات الانسانية حيث نفهم بعضنا البعض أو نحاول فهم بعضنا البعض، لنرى بعد ذلك لأي درجة نحن نتشابه رغم الإختلافات الشكلية.
هز السيد ميشيل رأسه بالإيجاب، ثم إبتسم وقال:
_ حسناً، لنعود من جديد للعمل ولهذه اللوحات، لن نبيع هذه اللوحات، سوف أقيم أول معرض لك في صالة ثقافية معروفة في بيرن؛ إذا نجح المعرض سوف تصبح فنان ناجح ومعروف هنا. إذا تم بيع جيد للوحات سوف آخذ 50% من نسبة من المبيعات وتأخذ أنت الباقي.
قال بسام دون تردد:
_ إتفقنا.
خلال أسابيع تم إفتتاح المعرض، ودعا ليلى وربيكا وداني ومارك، لم يرد كمال على إتصاله الهاتفي. حضرت كريستا وجوليانا. إمتلأت الصالة بالحضور، ولم يتوقع أن يحضر كل هذا العدد، فقد دعا السيد ميشيل كل أصدقائه. وقفت جوليانا منبهرة أمام جمال اللوحات بألوانها المتنوعة وأشكالها الإبداعية الغريبة، ولمساتها الشرقية الواضحة، قالت لبسام بحماس:
_ لوحات رائعة فعلاً، أنت ستصبح فنان معروف بعد هذا المعرض، أعتقد أن أغلب اللوحات قد تم بيعها. أهنئك، هذا نجاح كبير. ولكني أريد معرفة سر تغيير لوحاتك بهذه السرعة، لقد كنت أعتقد بأنك لا تستطيع أو لا تريد أن ترسم سوى العراق، والآن أتفاجأ بشيء آخر مختلف تماماً .
ضحك وقال:
_ هذا موضوع آخر، أخبرك به لاحقاً. هل يمكننا أن نتعشى معاً بعد المعرض؟
_ أجل ، بالطبع، وستدفع أنت ...
_ بالطبع سأدفع أنا.
وقفت ليلى تنظر للوحات الواحدة تلو الأخرى، تشعر بالجمال الذي ينبعث منها بخطوطها الدقيقة ومزيج ألوانها المُتقن وشخصياتها الرزينة والعميقة ، وروح الشرق التي تفرض نفسها على أجواء اللوحة. إقتربت من بسام وقالت:
_ لوحات جميلة فعلاً.
_ أشكرك يا ليلى، لم أرسمك بعد مع الشال الفلسطيني ولكنني سأفعل ذلك بمعرض آخر ربما أخصصه فقط للفن الفلسطيني، فأنا أعشق فلسطين، وبالمناسبة، هل تعرفين أي أخبار عن كمال.
_ لا، لا اعلم شيء عنه، كأنه قد إختفى عن الوجود، حتى أنه لا يرد على هاتفه الخلوي، لقد شعرت بالقلق الشديد عليه، ولم أتجرأ بالإتصال به ببيته كي لا تنزعج زوجته، ربما أنت تستطيع أن تتصل به، فأنت رجل ولن تغار منك، لأنني شعرت بأنها غيورة كثيراً.
_ ولم يرد على مكالمتي ايضاً حين أتصلت به على هاتفه الخلوي. أشعر بالقلق لأجله، سوف أتصل بزوجته ولكن لن أتصل هنا، فلن أستطيع سماع صوتها بوضوح، سوف ألقي التحية على مارك وداني ثم ألحق بك هناك بتلك الزاوية الهادئة.
قال له داني بفرح:
_ لقد إلتقطت صور لجميع لوحاتك، لا أستطيع شرائها ولكنني أستطيع بيع الصور، هل تسمح لي بذلك؟
_ أجل، بالطبع يا داني ، أنت فنان أيضاً وحين تجهز الصور أرغب برؤيتها.
أجاب بفرح شديد:
_ أجل ، أجل بالطبع.
إلتفت إلى مارك وقال:
_ مارك، أنت تعرف كمال، الشاب الفلسطيني، أليس كذلك؟
_ أجل، أعرفه.
_ ألا تعرف أي شيء عنه؟ لم يتصل بنا منذ أشهر، ولقد أحضرت له القهوة وهدية صغيرة لكنه لا يرد على الهاتف.
_ ربما يكون مسافر..
_ أجل، ربما، عموماً، أذا رأيته ببازل أرجو إخباره بأن يتصل بي.
_ حسناً، وأهنئك على هذه اللوحات الجميلة.
_ أشكرك، وأعتذر منك، ليلي بإنتظاري هناك، نريد أن نسأل عن كمال.
إتجه نحوها، وتحدث بالهاتف مع زوجة كمال، سمع صوتاً بارداً وجافاً:
_ من أنت؟
_ أنا صديق له من العراق.
صمتت لثوانٍ ثم قالت:
_ وماذا تريد؟
_ أريد الحديث معه، فهو لا يرد على الهاتف وقد قلقت عليه.
_ كمال لم يعد يسكن هنا.
_ أرجو المعذرة، ولكن أليس هذا رقم هاتف منزل كمال؟ هل حضرتك زوجة كمال؟
لم ترد على سؤاله إن كانت زوجة كمال، وقالت بنفاذ صبر:
_ لقد كان بيته ولكن لم يعد يعيش هنا، لذا أرجو ألا تتصل على هذا الرقم مرة أخرى.
قال مسرعاً قبل أن تغلق الهاتف:
_ سيدتي، أنا آسف، ولكن هل يمكنك أن تعطيني رقم هاتفه الخلوي الجديد؟
تردد قليلاً، ثم قالت:
_ سوف أعطيك رقمه، ولكنه لا يرد على أي مكالمات، أرسل له رسالة، قد يرد وقد لا يرد عليك.
_ أشكرك.
أغلق الهاتف ونظر إلى ليلى بقلق وقال:
_ لم يعد يعيش كمال مع زوجته، يبدو أنه توجد مشاكل بينهما، لقد أعطتني هذا الرقم، وقالت أن أرسل له رسالة قد يرد وقد لا يرد.
أخذت الرقم ووضعته بعناية في حقيبتها، وقالت لبسام:
_ سوف أتصل الآن، ربما يرد...
رن جرس الهاتف عدة مرات ولم يرد أحد، ثم قالت لبسام، سوف أرسل له رسالة غداً، وأطلب منه أن يتكلم معك.
_ هذا جيد. ليلى، لقد نسيت أن أسألك عن اخبارك، كيف دراستك وعملك؟
_ أنا سعيدة جداً بدراستي لأنه إختصاص أحبه كثيراً، لقد كان أفضل قرار إتخذته هو أن أعود للدراسة، أما عملي، فأموري جيدة وصاحب العمل يحبني كثيراً، لقد أخبرني لاحقاً بأنه كان متردد بأن أعمل لديه لأنني أجنبية ولكنه وحين تأكد من جديتي وأمانتي أصبح لطيفاً جداً معي، أنا حقاً بخير.
_ وأنا سعيد لأجلك، والآن أعتذر منك، لابد من تحية بقية الضيوف.
وضع يده على كتف كريستا وقال ضاحكاً:
_ صديقتي كريستا، أنا سعيد بحضورك، كان لابد أن تحضري القطة صوفي معك.
ضحكت وقالت:
_ فكرت بذلك ولكنني خشيت أن تمل ثم تتنقل في المكان وتزعج الناس فتركتها نائمة في البيت. أنا سعيدة لأجلك يا كمال، أخيراً تحقق حلمي لأجلك، لقد كنت أعلم أنك رسام موهوب.
_ أشكرك، أخبريني ، هل توجد أي أخبار من طرف ابنك؟
_ يكتب لي أحياناً، ولكنه لن يعود للحياة هنا، يفكر أن يتزوج ويبقى بكولومبيا، أنا حزينة جداً لذلك، ولكنني لا أريد الحديث عن هذا الآن، دعنا نفرح لأجلك اليوم.
غادر الجميع، وتم بيع جميع اللوحات، صافح السيد ميشيل بسام وقال له:
_ أنت أصبحت فنان معروف الآن، لقد كان نجاحاً كبيراً. أنا سعيد لأجلك، ولكن إحذر وحافظ على نفس مستوى العمل أو أفضل منه أيضاً.
_ أشكرك وأعدك بذلك.
بحث عن جوليانا، ووجدها بإنتظاره، خرجا معاً، وإتجها نحو المطعم لتناول العشاء. جلس أمامها يتأمل عيونها الجميلة، وقال لها دون أن يفكر هذه المرة بهيفاء:
_ أنت جميلة جداً يا جوليانا.
ضحكت بسعادة وقالت:
_ أشكرك، وأعتقد أنك وسيم أيضاً.
تبادلا أطراف الحديث، وشعر بسام بأنه حر بمشاعره، لطالما أعجبته جوليانا بجمالها وصفاتها الطفولية، ولكن صورة هيفاء كانت تقف بينها وبينه، والآن وقد رحلت تلك الصورة ، ترك العنان لمشاعره تجاه جوليانا. خرجا من المطعم، ومشيا معاً، مد يده وأمسك يد جوليانا، لم تسحب يدها بل تركتها بنعومة بيده، تابعا السير دون أن يتكلما.

***
جلس كمال في الترام المتجه نحو محطة القطارات في بازل، كانت الشمس مشرقة ودافئة، نظر بتأمل للشوارع القديمة والساعات المنتشرة في كل الزوايا، والمحلات التجارية التقليدية والقديمة، تأمل سويسرا الماثلة أمامه والتي تحب الألعاب والألوان كأنها طفلة لا تكبر أبداً. لم يكن يدري أين يذهب، فاليوم تم توقيع أوراق الطلاق، ولم تعد سوزان زوجته، تم إجراء الطلاق بالإتفاق بينهما كي لا يضطر أولاده للتعرض للشهادة في المحكمة، ولم يكن يرغب بأن يستمر الطلاق لسنتين أو أكثر، وافق على منح سوزان مبلغ كبير من المال شهرياً ودفع جميع نفقات أولاده. لم يعد يهمه المال بقدر رغبته بأن تنتهي علاقته الزوجية بها، كان يجب أن يتم هذا الطلاق منذ سنوات منذ أن علم بخيانتها، كان يمكن أن يطلب الطلاق وأن يُثبت خيانتها ولكنه رجل شرقي، ولم يكن ليُسيء لسمعة أولاده أو حتى زوجته كي لا يدفع لها حقوقها الزوجية. يغادر الآن حياتهم، بل حياته هو بكل ألم ولكن بضمير صامت لا يؤنبه لأنه كان أب مثالي حتى آخر لحظة، ولكن أبوته الآن لا يحتاجها ابنائه وقد أتى دور الإنسحاب. وقف وسط محطة القطارات، إشتاق لليلى ولكنه كان قد قرر عدم الإتصال بها بعد حديثهما الآخير، لأنها تعتقد بأنها ستكون قشة النجاة بالنسبة له، وخصوصاً الآن بعد أن إنفصل عن زوجته، ولا يريد أن تعتقد بأنه إنفصل عن زوجته بسببها أو لأجلها، ولم يكن يريد أيضاً أن ترى رجل محطم تناثرت أجزاء حياته ولن يستطيع جمعها من جديد. ففضل الصمت والإنسحاب وكان يعلم بأن ليلى بدأت حياتها وأنها لم تعد الفتاة الضعيفة الهشة التي قد تحتاج له؛ بل قد تقابل شاب ما في الجامعة عربي أو أجنبي وتتزوج وتكون لها حياتها الخاصة، وهو لا يريد أن تكون معه إشفاقاً عليه ولا مجاملة له ولا لحاجتها لرجل عربي بجانبها، كان يريدها أن تكون معه لحبها له، وقد شعر بآخر لقاء بأن هذا الحب غير موجود، وإن كانت بذوره موجودة فسوف ينمو بظل ضعفه وإنكساره كنبتة مريضة وسقيمة، ولم يكن يريد حباً من هذا النوع، فهذا ليس حب بل علاقة مرة الذل أحد عناصر بقائها، ولقد كان ذليلاً لزوجته لأجل أولاده لسنواتٍ طويلة وهو الآن لم يعد يقبل أي علاقة بها ولو ذرة من الذل، لأنه تذوق مرارة هذه العلاقة ويفضل أن يمضي وحيداً على أن يتجرع مرة أخرى المهانة ولو كانت جرعة بسيطة غير مرئية. لقد أحبها لأنها هي، لأنها ليلى بملامحها الشرقية وروحها الخجولة وليس لأنها مجرد فتاة عربية؛ وهي إعتقدت بأنه أحبها لأنه يريد فتاة شرقية.
كان لابد أن يبتعد ويستجمع نفسه المشتته بين حبه لها والذي على الأغلب حب من طرف واحد، وبين حياة كاملة بناها ساعة بساعة ويوم بيوم وذوت بين يديه، كأن حياته كلها حفنه من الرمال، ما أن فتح كفيه حتى تسللت من بين أصابعه دون أن تترك أي أثر؛ كان يجب أن يجد ذاته، أن يسترجعها، أن يرممها قبل أن يسعى لحبٍ غامض ربما لن يجلب له سوى المزيد من الألم والتمزق؛ لذا قرر الإنسحاب معه ألمه وحبه وشوقه وحزنه لموت والده، كل تلك المشاعر والأحداث كانت ثقيلة صامتة ولكنها ملأت أفكاره ضجيجاً، لذا كان لابد من مساحة الإنزواء والسكون.
نظر إلى لوحة حركة القطارات، لم يكن يعلم أين سيذهب، المهم أن يركب القطار ويبتعد عن بازل لعدة ساعات، يكون مع نفسه فقط بعيداً عن العمل وعن كل الذكريات. إستقل القطار الذي سينطلق خلال دقائق على الرصيف رقم واحد، كان متجهاً لمدينة اسمها " راين فيلدن " أي حقل الراين. جلس بإرتياح على المقعد ينظر عبر النافذة للمسافات الخضراء التي تمتد بلا حدود، ثم التلال المكسوة بالأشجار الخضراء حيث يتدرج اللون الأخضر من الغامق حتى الفاتح، ففي سويسرا يبدو أن اللون الأخضر له عشرات المُشتقات. إيقظته نغمة وصول رسالة من شخص ما من تأملاته، نظر إلى هاتفه الخلوي ليعرف من مرسل الرسالة، فعرف أنها ليلى إستغرب كيف حصلت على رقمه الجديد، وكان قد رمى شريحة هاتفه القديم. ثم وصلت رسالة أخرى من بسام، رغب بأن يرد على بسام، ولكنه لا يشعر بأنه قادر على الحديث مع أحد خصوصاً بأموره الشخصية وخصوصاً إذا كان عربي، لأنه سيلومه لزواجه من سويسرية ويقول له بأنه كان يجب أن يتوقع أن يحصل ذلك، وكل تلك الجمل والمصطلحات التي يعرفها ظهراً عن قلب. أقفل جهازه الخلوي ولم يرد.
وصل القطار إلى المدينة الصغيرة، نزل منه وإتجه لخريطة المدينة الصغيرة، سار بإتجاه الحديقة العامة التي لم تكن تبعد عن محطة القطارات. تمتد الحديقة العامة الخضراء على مدى البصر ، ومقابلها يقع نهر الراين، وعلى تلة مرتفعة تم وضع المقاعد لزوار الحديقة كي يتمتعوا بمنظر النهر الذي يتجه بهدوء نحو الجنوب ، إلى هنا يبدو أن هذا الوصف تقليديا ً بالنسبة لأي مدينة أوروبية ، ولكن المُلفت للنظر هو المقاعد التي تم وضعها ، ليست مقاعد عادية بل مقاعد خشبية شديدة النعومة تشبه مقاعد الإسترخاء التي تنتشر قرب ساحل البحر .
تمدد على الكرسى الخشبى الأملس ينظر إلى نهر الراين والأشجار التي فقدت بعضها أوراقها الخضراء وبعضها الآخر لا يزال يحتفظ بها، ولكن أرض الحديقة كانت كلها مكسوة بغطاء من العشب الأخضر الزاهي اللون. راقب البط البري الذي يسبح حيث يحمله تيار النهر ، ويزيد المنظر جمالاً حين تنثر الشمس دفئها ونورها على المكان كله ويصاحب موكب الجمال هذا تغريد الطيور من كل الألوان والأصناف.وكأن من أشرف على وضع هذه المقاعد كان يعلم أنه هناك من سيحتاج إلى أن يتمدد على مقعد خشبي شديد النعومة، سيكون هناك شخص متعب، متألم وحزين، لا يرى من الحياة سوى هذا الألم والوحدة، فتم منحه فسحة من الإرتياح والإنسجام مع الطبيعة، لأنها فقط الطبيعة من يقول لك: لا تحزن كثيراً ، فأنا أيضاً أثور وأتألم ولكنني أعود ومن جديد وفي كل يوم لأحيا وأمنح الحياة. شعر كمال بالدفء والسكينة بهذا المكان المُحاط بالطبيعة الخلابة بكل تفاصيله، وشعر بأنه نسى كل الألم الذي ملأ قلبه، هنا، لم يكن سوى مخلوق يعيش بهذه الحياة مثل أي عصفور أو حتى نبته صغيرة وكان يحتاج لهذا الشعور، للتحرر من ثقل انسانيته وشعوره بأنه مركز الكون.
ثم نهض بعد ساعة وتوجه نحو مركز المدينة القديم؛ كان يحب في سويسرا صعوبة التمييز بين الفقير أو الغني ، لأنه ببساطة ليس موضوع ، فمن الواضح أن أهل هذه المدينة الصغيرة يعيشون ببساطة لا حدود لها ، بعضهم يزور حديقة الأغنام ويضع الأعشاب لها لتأكل ، وبعضهم يرمي قطع الخبز للأسماك وللبط البري ؛ وحين تمر بجانبهم يبتسمون ويلقون عليك التحية حتى ولو لم تعرفهم ، حتى ولو كنت أجنبي ولون بشرتك سمراء. هذه المدينة الصغيرة الهادئة ، بشوراعها التاريخية ، وبسكانها البسطاء والمتواضعون وشديدي اللطافة جعلت كمال يرغب أن يعيش بها ، لأن أهلها يبتسمون رغم الأمراض ورغم المعاناة الصامتة والوحدة.
تمشى بهدوء على ضفة نهر الراين، وعلى الطرف الآخر كانت تقع الحديقة العامة الخضراء ، المقاعد الناعمة ، الطيور ، ووجوه فهمت أن الحياة ليست سوى هذه الابتسامة التي تمنحها لذاتك ولمن حولك ، وهذا الإنسجام مع الحياة بمعاناتها وصعوباتها دون تذمر ، دون حقد ، دون حسد ، ودون غضب ، أن تمر الحياة بهذا الهدوء وبدون ضجيج الإنتقام والجشع ، أن تكون سعيد فقط لأنك تحيا ببساطة وبهدوء وتواضع. قادته قدماه دون تفكير لهذه المدينة، ولكنه أدرك أن قدماه لم تقده لها، بل روحه بمعرفتها بمدى ألمه قادته ليذهب لهذه المدينة الوديعة والجميلة، هذه المدينة التي جعلته يفهم وبعمق أنه يجب أن يحيا دون توقعات كبيرة، جعلته يرغب بأن يحيا وهو يرصد الجمال بكل ما حوله، وأن هذه المدينة الصغيرة هي صورة مصغرة عن سويسرا الجميلة الأنيقة والهادئة، حتى زوجته سوزان لن تشوه حبه لسويسرا والذي يتلاقى مع حبه للخليل؛ فهذه المدينة تُذكره بالخليل بهدوئها وبتقليدية أهلها وجمال جبالها وهدوء شوارعها. إتخذ قراره بأن يأتي ويعيش هنا. فالوصول إلى عمله في بازل لن يستغرق أكثر من نصف ساعة في القطار.
عاد إلى بازل في المساء، شعر بالسعادة للقرار الذي إتخذه، وأدرك أن الطبيعة بجمالها لم تُشكل أي جزء من حياته طوال سنوات وجوده بسويسرا رغم جمالها الطبيعي، لقد قضى كل تلك السنوات خلف جهاز الحاسوب، والآن أصبح بحاجة لأن يستعيد تلك العلاقة مع الطبيعة، لقد كان في طفولته في الخليل على صلة وثيقة بالطبيعة، بل إن كل تفاصيل حياته هناك متصلة بالأشجار والجبال والصخور والشوارع التي تصل القدس بالخليل، حتى أن الحلويات التي كان يأكلها كانت تُصنع من التين والعنب ودبس العنب. ولم يكن يعود لبيت أهله إلا بوقتٍ متأخر من المساء بعد أن يركض ويمشي مع أصحابه بين التلال والسهول التي لا تنتهي حول مدينة الخليل والتي تتصل بالقرى المتناثرة حولها. لقد فقد عائلته، ولكنه إسترجع جزء من ذاته كاد أن يفقده للأبد، إنه ذلك التعلق القوي بالطبيعة، هذا التعلق الذي خنقه طوال سنواتٍ طويلة، يستيقظ الآن بهدوء، إيقظته روحه لأنها تعلم بأن هذا الحب الأخير هو الذي سيمنحه القوة للإستمرار بالحياة بعد أن فقد من أحب في فلسطين وبعد أن تخلى عنه من أحب في سويسرا.

عاد القطار به إلى بازل، وكان يشعر بالتحرر من عبءً ثقيل، فقد قرر أن يبدأ حياة جديدة بتلك المدينة الوديعة والدافئة. أصبحت خطواته أكثر حيوية، وأفكاره أكثر وضوحاً. لم ينتبه للصوت الذي كان يناديه، فمدت يدها لتلمس كتفه كي ينتبه إلى وجودها، لقد كانت زميلته في عمله السابق جانيت، قالت له بفرحه غامرة:
_ هذا أنت يا كمال...أخيراً، لقد أتصلت بك عدة مرات ولكن هاتفك كان مفصول. لماذا لا تأت لزيارتي؟ ما هي أخبارك؟ ما..
_ إنهالت أسئلتها دون أن تترك له فرصة للرد، شعر بالحرج لرؤيتها، فهو لم يكن بحالة جيدة، ويعلم بأن التعب كان بادياً عليه، فقال لها:
_ أنا بخير يا جانيت، لقد تغير رقم هاتفي. ما هي أخبارك وأخبار جاك؟
_ أنا بخير، وجاك لا يزال موجود في الشركة ولكنه أصبح مكروه كثيراً، مجلس الإدارة يفكر بالإستغناء عن خدماته. وأنت كيف عملك الجديد؟
_ عملي ممتاز، كما تعلمين هي شركة ضخمة تمنح كل الفرص لمن يعمل بجدية بغض النظر عن جنسيته، ومعاشي ممتاز، وبجانب تنفيذي لبرامج خاصة بالشركة، لي الحرية بأن أصمم أي برنامج خاص بي، وهذا جعل لي وضع مالي ممتاز. لقد كان العمل مع جاك مُحبط وأثر بشكل شيء على حالتي النفسية. أرجو أن تخبري جاك شكري العميق له، فله الفضل الكبير بأنني أتقنت أمور كثيرة بعملي، لأنني كنت أتجنب ملاحظاته العنصرية، وصممت على أن أكون على مستوى ممتاز كي أثبت له بأن العربي المتخلف يمكنه أن يكون انسان له قيمة.
نظرت إليه بإعجاب وقالت:
_ لقد وصلت أخبار له عن تميزك في الشركة التي تعمل بها، فهي شركة معروفة على مستوى عالمي. ولكن أخبارك تتناقض مع ما أراه، انت لا تبدو بحالة جيدة!
كان يرغب بعدم الرد، فهو يعلم بأنها فضولية وتريد معرفة كل شيء عنه، فأجابها بإقتضاب:
_ اليوم إنفصلت عن زوجتي، أنا مُطلق؟
صدرت عنها صرخة مخنوقة، لم تكن تدري من خلالها إن كان يجب ان تحزن أو تفرح:
_ ماذا؟ هذا آخر شيء أتوقعه...أنا جد حزينة لهذا الخبر. ولكن كان يبدو أنكما متفاهمين؟
_ لا داعي لأن تحزني، كان يجب أن اقوم بذلك منذ سنوات، أنا مرتاح الآن. توجد أحياناً أسباب للطلاق لا يمكن شرحها، فقط أطراف العلاقة يعرفونها.
_ أجل ، بالطبع، ولكن هل يعني هذا أنه توجد امرأة أخرى بحياتك؟
لم يرد ، تجاهلت عدم رده عليها وتابعت كلامها:
_ عموماً ، أنت تعلم يا كمال أنني اعتبرك صديق عزيز لي، وأحب أن نرى بعضنا البعض من وقت لآخر، خصوصاً وأنت تمر بهذه المرحلة الصعبة..
أجابها بإقتضاب:
_ أجل، بالطبع ، وأشكرك لمشاعرك النبيلة.
_ هذا رقم هاتفي، إتصل بي بمجرد أن تحصل على رقمك الجديد.
_ أجل، بالطبع، والآن لابد أن أذهب، فلدي موعد هام.
_ إلى اللقاء، وسأنتظر مكالمتك.
إبتعد مسرعاً، لم يكن لديه اي موعد ولكن كان يريد إنهاء الحديث، وكان يعلم بأنه لن يتصل بها، فهو يعلم بأنها تهتم به وسوف تسعى لأن توجد علاقة بينهما خصوصاً بعد طلاقه وكان هذا آخر شيء يريده.
وخلال يومين كان قد إنتقل إلى مدينة "راين فيلدن" حيث إستأجر شقة صغيرة قرب الحديقة العامة. وعاد إلى عمله بعد فترة من الإنقطاع بسبب معاملات الطلاق. دخل إلى مكتبه الواسع الواقع في الطابق الخامس من أحد الأبنية الحديثة. كان المكتب محاط بنوافذ زجاجية تمكنه من رؤية جزء كبير من مدينة بازل. وكان يعلم بأن هذا المكتب سوف يتحول لعالمه الذي يحيا به فعلاً بعيداً عن كل أفكاره وآلامه أو حتى شوقه لليلي. ولكن ليلى لم تتوقف عن إرسال الرسائل له تريد أن تطمئن عليه، وهو لا يزال غير راغب بالرد، إلى أن ارسل لها رسالة يخبرها بها بأنه لا يستطيع الرد عليها لظروف خاصة، وأنه حين تنتهي هذه الظروف سوف يتصل بها.
فقط حين يفتح جهاز الحاسوب ينسى كل تفاصيل حياته الخاصة، ينتقل لعالم يمتلكه ويسيطر عليه بإتقان، بدأت علاقة وطيدة تنشأ بينه وبين هذه الشاشة الصغيرة، المتحركة والملونة والتي تحمل تفاصيل العالم كله بضغطه صغيرة على أزرار لوحة المفاتيح. لم يعد عمله مجرد عمل بل وسيلة هروب من كل تفاصيل حياته التي تختبيء خلف باب بيته وفي صدره. كانت شخصيته تتحول لشخصية أخرى بمجرد دخوله لمكتبه، يستعيد كل ثقته بنفسه، ويزول شعوره بالغربة وينسى ليلى وسوزان وحتى أولاده ولا يتبقى سوى كمال الفلسطيني الأجنبي والذي لابد أن يثبت نجاحه وقدرته على الإنجاز والإبداع. وحين زال خوفه وقلقه وضعفه تجاه غربته زالت كل القيود الوهمية التي أسر بها خياله وأفكاره طوال سنوات من العمل مع جاك؛ بدأ إنطلاقه الحقيقي لأنه لم يعد يشعر بالخوف، ولا بالذل، يشعر بأنه ذاته فقط أمام هذا الجهاز البارد والذي منحه كل مساحات وجوده؛ لذلك كان من أشد أنصار التكنولوجيا الحديثة لأنها لغت مفهوم الجنسية والعرق زالإنتماء وأصبحت قارة أكبر من جميع القارات حيث تذوب الفروق وتتسع المساحات. لم يكن هذا الجهاز مجرد جهاز بالنسبة له، بل وطن آخر يحيا به ويجعله يحتمل قسوة الحياة. فكتب ورقة صغيرة على جهازه:" من لم يتسعه وطنه، فيمكن للتكنولوجيا أن تكون ليس وطناً واحداً له، بل عدة أوطان يتجول بها أينما يشاء وحين يشاء".
***
إنسحاب كمال المفاجيء من حياتها، ومعرفتها بأنه لم يعد يعيش معها، جعلها تُعيد تفكيرها به، شعرت بأنه لم يكن يسعى فعلاً لمغامرة معها، وأنه يوجد شيء ما أعمق من مجرد إعجاب أو حتى حب عابر. كانت تريد الحديث معه بأي طريقه ولكن رسالته الوحيدة التي أرسلها لها كانت كافية لأن تنسحب، فهو لا يريد الحديث معها، ولا يريد الحديث مع أحد، لأنه لم يرد حتى على مكالمات بسام. قررت بذلك اليوم بأن تهتم فعلاً بحياتها الخاصة، فرغم فهمها لإنسحابه، إلا أن ذلك الإنسحاب والصمت تركا ألم غامض بنفسها، فتسألت بشك: " ولماذا أهتم إن إتصل أو لم يتصل؟ أنا لا أحبه، ولكن لماذا هذا الحزن لأنه لا يتصل؟ هل بدأت ..." لم ترغب بأن تتابع بقية السؤال وأن تواجه نفسها بإحتمالية حبها له؛ كان يجب أن تهرب من مشاعرها أو شكوكها أو حتى رغبتها بأن تراه وتكون معه. قررت أن تنسى أمره او تتناساه، وأن تحيا حياتها العادية فهو ربما لن يظهر مرة أخرى، ولا تريد أن تكون مع شخصية غامضة مثله.
لم تكن هندسة الديكور بالنسبة لها مجرد تراكيب وتصاميم داخلية؛ بل عملية تفاعلية بينها وبين كل الموجودات من حولها عبر الحواس وتذوق الجمال. فبصرها لابد أن يرصد الجمال، وأذنها لابد أن تلتقط الأنغام والكلمات المعبرة عن الجمال، وأن تلمس هذا الجمال في الجمادات من حولها وبجميع الكائنات. كانت قد إختارت دراسة هذا المجال في دمشق لعشقها للجمال بحد ذاته، سواء الجمال البشري أو جمال الطبيعة أو حتى عالم الحيوان. بالنسبة لها كان التصميم الداخلي ومن أكثر المجالات الانسانية تعبيراً عن التناسق والإنسجام ومن ثم الجمال .
ولا يمكن إستشعار الجمال دون أن يكون في المساحة الشعورية لمهندس الديكور، فحتى الجمادات لها روح ولها حركة وكيان في الوجود. لذلك كانت تشعر دائماً بأنها باحثة عن الجمال في كل أجزاء الوجود، وأنها لايجب أن تكون مصورة أو ملتقطة للجمال، بل باحثة وبعناية عن تنوع وتعدد هذا الجمال. ففي مساحة ما من بيتٍ ما فارغ وينتظر إن يتم تأثيثه وتصميم شكله الداخلي، تكون رؤية المهندس وشعوره وفكره هم العوامل المحددة لما سيكون عليه التصميم الداخلي للبيت، ولكنها وفي كل مشاريعها كانت تأخذ بعين الإعتبار الحالة النفسية والروحية لصاحب البيت، وتتخيل لو أنه بهذه الشخصية أو تلك، فيختلف تصميم البيت الداخلي بكل مرة وفق إختلاف الشخصية المُتخيلة لصاحب البيت.
لم يكن تصميم الديكور بالنسبة لها مجرد عملية ميكانيكية، بل هي عملية تتداخل بها الثقافة والإبداع ومهارات التواصل مع الناس والتنسيق بين المواد المختلفة بألوانها وأشكالها، فهو مجال يمزج بين عالم المهندس الداخلي وبين العالم الخارجي وما يحمله من إمكانيات لتطويع المادة وجعلها وببراعة تشبه لحد التطابق الصورة المُتخيلة في ذهن المهندس.
ولكن لم يكن هذا فقط ما أحبته بهذا المجال، بل الوقوف في البيت الفارغ، أخذ مساحاته وموقع كل زاوية منه، ثم تصميم وملأ الفراغ ومزج الألوان، وأن تقف مرة أخرى في المكان الذي كان فارغاً وأصبح ممتلئاً بأشياء أساسها فكرة وشعور، لقد كان الشعور بنبض الحياة هو ما تحبه، أن تتحول الفكرة إلى مادة، والشعور إلى صورة. لم يكن تصميم الديكور بالنسبة لها مجرد ملأ لفراغٍ ما، بل تفاعل حسي ونفسي وشعوري مع كل ما يحيط بالجسد وكل ما تشعره الروح عبر البصر أوالبصيرة. أن يتم تجميل المكان وتصميم كل زاوية من زواياه في الخيال أولاً، ثم تنفذ الأدوات الجمالية الصورة الخيالية، وحين يكتمل التنفيذ، يرى المُصمم ما كان عملية خيالية بحته يتحول إلى واقع ملموس له وقع في النفس والشعور لمن سوف يعيش بهذا المكان أو يعمل به.
لم تكن تشعر بمرور الساعات وهي تجلس خلف مكتبها ترسم وتصمم وتبتكر، ثم تمزق وتغير او تحذف أو تقتبس ، لقد كانت عملية إبداعية متواصلة هي بطلتها التي تحرك كل الأشياء دون أن يكون لها وجود واقعي مرئي وملموس.
لم تكن دروس الموسيقى بالنسبة لها تشكل عبء أو عمل إضافي، بل أضفت الموسيقي لخيالها المزيد من الثراء والإبداع؛ فتلك الألحان التي لم تكن تُتقنها في البداية، أصرت على تعلمها والتدرب عليها إلى أن تصبح سهلة العزف بين يديها، الموسيقى فقط كانت تنقلها إلى دمشق، لأنها كانت تنسى وبسهولة وجودها في سويسرا عبر سماعها لتلك الألحان العذبة التي بدأت تُتقنها، فتُطلق العنان لمشاعرها دون قيود، وترحل حيث تشاء دون حساب للمسافات أو للزمن، لقد أحبت الموسيقى لأنها العالم الموحيد في الكون الذي يلغي المسافات ولا يعترف بالزمن، فهي تعود بك للماضي، ثم تعيش معك في الحاضر وبعد ذلك ترافقك إلى رحلة نحو المستقبل.
كانت في البداية تكتفي بدرس واحد كل أسبوع ولكنها طلبت من السيدة بلانسكي أن تعطيها درساً كل يومين، إستغربت السيدة بلانسكي ذلك الشغف بالموسيقى والرغبة القوية بالتعلم، بل شعرت بالحماسة والسعادة لأنها لأول مرة تجد طالبة تتفاعل معها بهذا القدر من الرغبة والحب للتعلم.
لم ترغب بسؤال ليلى عن سبب حماسها هذا ورغبتها المتلهفة لأن تتُقن العزف على البيانووذلك خشية أن تعتقد ليلى بأنها مُتعبة من إعطاء أكثر من درس في الأسبوع. ولكن ليلى هي من فتح الموضوع لأنها لاحظت نظرت السيدة بلانسكي المتحفظ لها. نظرت إليها ليلى وهما يشربان القهوة معاً:
_ سيدة بلانسكي، ربما أكون قد اثقلت عليك بن أطلب أن أتعلم أكثر من درس في الأسبوع.
إبتسمت السيدة بلانسكي وقالت:
_ لا يا ليلى، بل أنا سعيدة لذلك، لقد أعدت الحيوية لحياتي، فأنا كل يوم أستيقظ وأعلم بأنه لدي عمل ما أقوم به، أبحث لك عن نوتات متنوعة، وبدأت أنظر لمكتبتي الموسيقية من جديد بعد أن أهملتها منذ وقتٍ طويل؛ الحقيقة يا ليلي هي أنك أعدت الحياة لكل زاوية بهذا البيت. ولكنني أتسائل إذا سمحت لي، لماذا كل هذه الحماس لتعلم الموسيقي، لم أقابل أي طالبة أو طالب مثلك من قبل؟
وضعت ليلى فنجان القهوة جانبا وقالت وهي تراقب الشارع التجاري عبر النافذة:
_ منذ أن غادرت سوريا، حملت معي كل الذكريات الجميلة ولكنني حملت معي أيضاً كل الألم والمعاناة لمقتل كل أفراد أسرتي، لم أرغب بالحديث مع أي انسان خصوصاً إذا كان عربي، كي أدفن كل الذكريات وأعيش كالمنومة مغناطيسياً، ورغم عملي، ورغم أنني عدت لدراستي الجامعية ووجود أصدقاء لي، ولكن ذلك الجزء الممزق بداخلي كان لا يزال ينزف، كأنني أرى أهلي بكل يوم أموات في قلبي. حتى أنني فقدت الأمل بأن أبحث عن حل وأن أتعايش مع عدم وجودهم بهذه الحياة، حتى أنني كنت لا أنام دون تناول حبة منوم. كنت أحيا ولكن روحي مُطفأه وقلبي مُغلق وكان لابد أن يبقى مغلق كي لا يستيقظ الألم بكل يوم. ولكنني إندهشت حين بدأت أتعلم الموسيقى، كل تلك المشاعر التي كنت أحملها عميقاً بداخلي وأدفنها أيضاً عميقاً بروحي، بدأت تصعد ببطء وبشكل تدريجي للسطح، وبعد كل درس معك، كنت أعود لغرفتي وأشعر بمشاعر جديدة مختلفة عن السابق حتى تجاه ذكرى أهلي ووطني، وحين بدأت بإتقان العزف على البيانو، تحررت كل تلك المشاعر، وبدأت أستطيع أن أحللها وأجعلها تطفو للسطح، بدأت أستطيع أن أتذكر أوقات سعادتي مع أهلي، أوقات الجلوس على المائدة، أوقات خروجنا معاً لحديقة ما أو للسينما ، ضحكات أبي وأمي ، إحتضانهم لي ولإخوتي، بدأت تفاصيل حياتنا الماضية والتي دفنتها بعيداً تطفو للسطح ولكن مع ألم اقل عمقاً، والآن وحين أعزف مقطوعة موسيقية ببراعة، تصبح روحي خفيفة وسعيدة وأنسى الألم، أتذكر فقط أوقات السعادة الماضية ، لقد قُتلوا في الحرب ولكنني قتلت الذكريات السعيدة التي كانت معهم، وأتت الموسيقى لتُحي هذه الذكريات في قلبي وعقلي.ثم أكتشفت بأنه هناك فرق بين أن أعزف الموسيقى وبين أن أستمع لها، حين أستمع لها أكون تماماً كمن يقرأ كتاب ما، ولكن حين أعزفها أكون كمن يكتب الكتاب؛ الموسيقى تمنحني كل الإنطلاق لأكون ما أشعر به، قد نخجل من التعبير عن مشاعرنا بكلمات، بل قد لا نستطيع، وربما يكون الوقت مبكراً للحديث عنها أو متأخراً، أي أن الكلمات تتطلب دائماً زمناً ما وإلا ستصبح قبل الأوان أو بعد فوات الأوان، ولكن الموسيقى تمنح الحق المطلق بالتعبير عن المشاعر حتى ولو لم نحسن إستعمال الكلمات، دون أن يكون هناك أي قيمة للوقت، لأن الموسيقى ليست سوى تجاوز للوقت، لأنها صدىً للفكرة والشعور. أشكرك يا سيدة بلانسكي، لقد جعلتني أستعيد طعم الحياة، وأصبحت أستطيع النوم دون حبوب منومة. الآن فقط أنظر للأمور بشكل مختلف وأننا يمكن بأي لحظة أن نفقد من نحب ولكننا لا يجب أبداً أن نتوقف عن حب الحياة وهو ما علمتني إياه الموسيقى.
نظرت إليها السيدة بلانسكي بذهول وقالت بعد ثوانٍ من التفكير:
_ هذا أجمل ما سمعت من تلاميذي عن الموسيقى، أنا فعلاً فخورة بأن تكوني تلميذة لي وأعتبر أن ما قلته تتويج لكل مشواري مع الموسيقي. حتى أنني بدأت فعلاً أستمتع حين أستمع لعزفك الجميل، فأنت فعلاً تعزفين بكل مشاعرك. أنا سعيدة لأجلك يا ليلى ولأجلي ايضاً، لقد كنت قلقة حين أتيت للسكن هنا، وإعتقدت بأننا قد لا نتفق بسبب جنسيتك، ولكنني رغبت بتقديم المساعدة لك لأن ربيكا أخبرتني عن ظروفك. لقد رغبت كثيراً بأن أخبرك عما قاله بيتهوفن يوماً ما، فهو عاش حياة مليئة بالألم والمعاناة، ولكنني ترددت بذلك قبل أن تتحدثي أنت من تلقاء نفسك عن تجربتك المؤلمة في سوريا؛ فنحن هنا وبثقافتنا السويسرية نتجنب التدخل بحياة أي شخص إلا إذا أراد ذلك الشخص الحديث عن حياته الخاصة؛ لذلك يمكنني الآن أن أقرأ لك ما قاله بيتهوفن، لقد كتب ذلك حين بدأ يفقد السمع: " إنني أصم، بالنسبة لي لا يوجد ترفيه ولا تسلية
في المجتمعات الإنسانية، لا أستطيع أن استمتع بحوارٍ شيق أو أن أتبادل أفكاري وأحاسيسي مع الآخرين، لا مفر من أن أعيش في منفى، وبعد قليل يتعين علي أن أضع نهاية لحياتي. يا لشدة ألمي عندما يسمع أحد بجانبي صوت الناي ولا أستطيع أن أسمعه، أو يسمع آخر غناء أحد الرعاه بينما أنا لا أسمع شيء، هذا يدفعني إلى اليأس وكدت أضع حداً لحياتي اليائسة، إلا أن الفن وحده هو الذي منعني من ذلك. ليس لك أيها المسكين بيتهوفن أن تنتظر سعادة تأتيك من العالم الخارجي، إنما عليك أن تخلق سعادتك من باطنك وفي أعماق نفسك، فإنك لن تجد أصدقاء إلا في العالم الروحي. "
لقد رغبت أن أقول لك ما قاله بيتهوفن لأن كلمات بيتهوفن هذه غيرت كل حياتي، لقد توفي زوجي منذ بضعة سنوات وكنت أحبه كثيراً وهو أيضاً كان يحبني كثيراً، بل يمكنك القول بأنه كان توأم روحي وحين فقدته رغبت فعلاً بأن أموت؛ ولكن كلمات بيتهوفن جعلتني أعود للحياة، وأدرك أننا لا نحيا كما نريد بل نحيا كما تشاء لنا الأقدار أن نعيش مهما بلغت درجة الذكاء أو الموهبة؛ بل إن أجمل المقطوعات الموسيقية التي ألفها بيتهوفن كانت بعد أن فقد السمع تماماً. أخبرك بذلك الآن، لكي تتجاوزي كل الألم، بالطبع لا يمكنك نسيان أهلك ولكن يمكنك التعيش مع الألم، وأن تعلمي أن في حياة كل منا عشرات الأوطان، لا يوجد وطن اسمه الأرض التي ولدت بها، هناك وطن في الروح ووطن في الحواس ووطن في العقل؛ فحين فقد بيتهوفن السمع لم يحزن لأجل وطن، ولم يغرق بعزلة كاملة لفراق الأهل ولكن لأنه فقد حاسة من حواسه، حاسة قلبت كل وجوده وجعلت منه انسان آخر، إعتزل الناس وعكف على الموسيقي وحيداً ثم مريضاً. وأنت يا ليلى، لا يجب أن تعتقدي أن وجودك كله كان هناك، يوجد لك وجود حيث توجد حياتك وموهبتك وحبك أيضاً، لابد أن تتحرري من التعلق بالأرض والذكريات وأن تنطلقي في حياتك لتُفتح لك الأبواب، فأبواب الحياة لا تُفتح لقلوب تتعلق بالماضي ونظرات دائمة الحنين لمن رحل، أبواب الحياة لا تُفتح إلا للحاضر والمستقبل، تماماً مثل أي باب حقيقي في الحياة، حين تفتحيه تظهر لك آفاق أخرى ومشاعر أخرى. حين بدأت بتعليمك الموسيقى عادت ذكرى زوجي وبقوة لي، وشعرت بالحزن الشديد وكأنه يموت مرة أخرى، فقد كنا نعزف معاً على البيانو، لذلك وبكل حرف موسيقي وبكل نوتة كان موجوداً بيني وبينك، رغبت في البداية بأن أعتذر لك لعدم مقدرتي على الإستمرار، ولكن كل الحزن تحول إلى شعور بوجوده، وكأنه يشعر بالسعادة لأنني أخرجت كل تلك النوتات القديمة والتي كنا نعزفها معاً، كأنه عاد للحياة من جديد. لقد منحتني أنت أيضاً يا ليلى مشاعر جديدة، لقد جعلت ذكرى زوجي تصبح أقل مرارة وحزناً. أشكرك كثيراً.
إمتلأت عينا السيدة بلانسكي بالدموع، فإقتربت منها ليلى وأمسكت بيدها بلطف وقالت:
_ لا داعي لهذه الدموع، لقد بكيت كثيراً في السابق ولم أعد أحب رؤية الدموع، فهي تجعل العالم يبدو حزيناً رغم جماله.
إبتسمت السيدة بلانسكي، ومسحت دموعها، وطلبت من ليلى أن تعزف لها من جديد.
بدأت الأيام تنساب بهدوء وسلاسة بالنسبة لليلى، وبدأت تشعر بأنها تنتمي للحياة هنا، ولم تعد ترغب بتذكر دمشق كثيراً، فما تفعله بكل يوم يجعلها تنسى حتى ذكرياتها، فحياتها أصبحت موزعة بين الجامعة والعمل والموسيقى، لم يعد هناك وقت للذكرى، كانت تريد منح كل وقتها للحاضر والمستقبل. لم تكن تنسى داني، فتذهب معه من حين لآخر للتصوير، بعد إن إشترت كاميرا جديدة، فيذهبا معاً برحلات متنوعة لإلتقاط الصور، كانت سعادتها بالغة بهذه الصداقة وبالعودة لممارسة هواية كانت تحبها كثيراً. ولم تنس زيارة السيد روسلان من حين لآخر والعودة بنفس اليوم إلى بازل، أصبح السيد روسلان جزء من حياتها، بدفئه وإهتمامه بها كأنها فعلاً ابنته، كانت تحب الحديث معه لعمقه الانساني والثقافي، فسألته ذات يوم سؤال تردد طويلاً بأفكارها:
_ سيد روسلان، ألم تتردد بأن تتعرف بل وتدعو فتاة أجنبية إلى بيتك خصوصاً عربية؟
إبتسم وأجابها:
_ لقد سافرت كثيراً حين كنت أصغر بالسن، وتعرفت على ثقافات عديدة، وما تعلمته هو أن كل انسان لديه ثروة انسانية خاصة به، وهذه الثروة لا علاقة لها بالمكان أو الجنسية، وكلما أعتقد أي منا بأن هذه الثروة موجودة بوطنه أو بذاته لا تكون ثروة بل غرور، فالاتساع الانساني هو إستيعاب ثقافة الاخر، بذلك نصبح جميعاً أكثر عمقاً، فنحن لم نولد لكي نكون تابعين لبلد معين، بل ولدنا لنكون بشر مهما كانت أصولنا، لذلك كان شيء طبيعي بالنسبة لي أن أتعرف عليك وأدعوك لبيتي، لو كان لديك شخصية لا أحبها فلن تستمر العلاقة، ولكنها لن تتوقف بسبب اللون أو العرق أو اللغة.
كانت تستمر حواراتها معه لساعات طويلة، ويمنحها كل وقته، ويساعدها في أبحاثها بعض الأحيان إن لم يكن لديها وقت كافي لإنجاز ما يجب إنجازه. لقد أصبح السيد روسلان صديقها المُقرب رغم كل الإختلافات بالسن أو بالثقافة. فأصبحت زيارته جزء من حياتها. نُسجت علاقة دافئة وأبوية ما بينهما، وبلحظاتٍ ما كان يُذكرها بدفء والدها. وأحياناً كانا يسيران معاً دون أن يتحدثا، لقد كانت روبرتا هي التي جمعتهما وحين يصمتا بهذه الصورة، يشعرا بأن روبرتا ترافقهما برحلة الصمت هذه، وتدرك ليلى بأن الأرواح لا تُحبس بجسد أو بأرض وأنها حرة طليقة في الوجود رغم حبس الجسد أو فناءه.
وقبل أن تستقل القطار من بيرن بطريق العودة لبازل، تمر لرؤية بسام الذي يعكف على رسم لوحاته دون أن ينتبه لوجودها، وحين ينتبه لوجودها يشعر بسعادة كبيرة لأنها أصبحت تمارس حياة طبيعية، ولكنه يشعر بالسعادة لأنه يتحدث معها باللغة العربية، فشعور دافيء رقيق يستحوذ عليه كأنه يعود من جديد للعراق. وكانت تتجنب سؤاله عن كمال، ولكنه وبأحد المرات قال لها فجأة:
_ كمال طلق زوجته، وهو يعمل في شركة كبيرة ببازل، ويعيش بمدينة اسمها " راين فيلدن" لا تبعد كثيراً عن بازل. لقد إتصل بي وإعتذر لعدم الحديث طوال الشهور الماضية، لقد كان بحالة نفسية سيئة جداً. كنت قد أحضرت له القهوة من الأردن، وكان بمنتهى السعادة بالقهوة رغم أنها أصبحت قديمة. هلى رأيته أنت؟
أجابت بأكبر قدر من البرود:
_ لا، ولا يهمني ذلك.
_ غريب، لقد سألني عنك، لقد كان مهتم بأن يعرف أخبارك.
_ ربما، وهل يعيش أولاده معه أو مع والدتهم؟
_ أعتقد أنهم مع والدتهم.
إنتهى النقاش ولم ترغب بمعرفة المزيد عنه، بل شعرت بالحنق لأنه إتصل ببسام ولم يفكر بالإتصال بها، لذا قررت أن تنساه تماماً.
كانت قد بأت فعلاً بنسيانه، ولكن هاتفها الخلوى رن بساعة متأخرة من الليل، لقد كان كمال:
_ هل أنت مستيقظة؟
قالت وهي تصطنع عدم معرفة صوته:
_ من أنت؟
_ ألم تعرفي صوتي، معك حق، أنا كمال.
_ آه، كيف حالك؟
_ جيد، هل إيقظتك؟
_ لا، كنت على وشك النوم.
_ هل يمكن أن أراك؟
ترددت قليلاً قبل أن ترد ثم قالت:
_ لا يمكنني هذا الأسبوع، يمكن السبت المقبل.
إلتقيا في الموعد المحدد، إستغربت كم تغير، أصبح أكثر جدية ولكن أكثر هدوئاً، أصبح هناك المزيد من الشعر الأبيض بين خصيلات شعره السوداء، وشعرت بأنه حزين بشكل غير عادي رغم مظهره المرتاح نوعاً ما. تذكرت عنايته بها في المستشفى وكم كان حنوناً ولطيفاً معها، فشعرت بالإشفاق عليه، وأدركت بأنها أمام رجل مجروح، لذا قررت ألا تعاتبه عن غيابه، قالت بلطف:
_ تبدو بحالة جيدة. يبدو أن الطلاق ناسبك، فقد أخبرني بسام بأن الطلاق حصل بينك وبين زوجتك.
_ أجل، الطلاق مريح ولكنه بنفس الوقت يجعلك تشعر بأنه فشلت بمرحلة ما من حياتك وربما يكون فشل طويل الأمد أو قصير الأمد.
_ والأولاد؟
_ نادية في الجامعة في جنيف، وجاد مع والدته.
ثم قال ليغير موضوع الأولاد:
_ وأنت يا ليلى، كيف حالك؟
_ أنا بخير، لقد نظمت كل أموري، وأحب دراستي كثيراً، وتعلمت العزف على البيانو.
نظر إليها بإعجاب وقال:
_ كم تغيرت يا ليلى، أتذكر كم كانت شخصيتك منسحبة وباردة حين كنت أراقبك حين كنت تعملين بمحطة القطارات ببازل، الحقيقة أنك كنت شبه مُدمرة.
_ ورغم ذلك لفت نظرك!
_ أجل، لأنني كنت أبحث عن شيء يتجاوز الجمال الخارجي، عموماً المشاعر عالم معقد، ولا أحب الحديث عنه كثيراً.
_ لماذا؟ لقد كنت تحدثني كثيراً عن مشاعرك في السابق!
_ أجل، ولكنني أعدت التفكير بكل شيء، أنت فتاة شابة والحياة أمامك، وأصبحت بحالة جيدة، أما أنا فأكبر منك بالسن، وربما لن ننسجم تماماً مع بعض خصوصاً وأنني خرجت من زواج فاشل بمعاناة كبيرة، عدا عن معاناة إبتعادي عن وطني وموت والدي، لقد ترك موته أشد الأثر بنفسي.
_ ماذا؟ لم تخبرني بأن والدك قد مات!
_ لقد مات بنفس فترة وجود المشاكل بيني وبين زوجتي السابقة، لذلك كان الوضع صعب جداً، وموته أيضاً جعلني أُعيد تفكيري بأشياء كثيرة ومنها أنت. لم أعد أرغب بأن أجرب حياة، أريد حياة مستقرة ثابته، وأنت بحاجة لوقت لكي تُعيدي بناء أفكارك وحياتك ولا أريد أن أكون مصدر ضغط عليك من أي نوع.
صمتت، وأدركت بأنه تغير فعلاً، وتأكدت بأنه لم يكن يهتم بها لأنها عربية فقط، شعرت بأنه إبتعد فعلاً، وبدأت تفكر كيف يمكنها أن تسترجعه، شعرت ولأول مرة بأنها ربما تحب هذا الرجل، ولكنه حب مدفون وراء الخوف والقلق والغربة، ولكن الآن وبعد أن إسترجعت جزء كبير من كيانها ترى بوضوح مدى إعجابها به، بهدوءه وشخصيته الثابتة، وإهتمامه الصامت بها وقبل كل شيء إحترامه لذاته. بدأت تخشى أن تفقده وربما تكون قد فقدته، ولم ترغب بذات الوقت أن يشعر بأنها تتلهف لأجله. فصمتت ولم ترد.
إنتهى اللقاء دون إبداء أي مشاعر، تماماً مثل أي صديقين، ولكنه ليس صديق، بل رجل تريده في حياتها، فمعه فقط تشعر بالإطمئنان والسعادة، معه فقط تنسى أنها في بلد غريب. كان لابد أن تصارح نفسها بكل تلك المشاعر دون خوف ودون الكثير من الشكوك.
وفي الليل، إتصلت به وقالت:
_ كمال، لم ترغب بأن تتحدث عن المشاعر، أما أنا فأرغب بذلك، أنا معجبة بك، ومشاعري تغيرت كثيراً، بل هناك أمور تغيرت بكل أفكاري، يمكننا أن نمنح أنفسنا الوقت والفرصة لنكون معاً، فإذا إتفقت مشاعرنا وأفكارنا نبقى معاً وإلا سيتبقى لنا دائماً خيار الصداقة، ولكنني لا أريد أن أخسرك وأشعر بأنك بحاجة لوجودي بحياتك كما كنت بحاجة لك في المستشفى ولن أتخلى عنك، إلا إذا قلت لي بأنك لا تريد وجودي بحياتك.
صمت طويلاً ، ثم قال بصوتٍ عميق وحزين:
_ ليلى، هل أنت متأكدة مما تقولين؟ لن أحتمل أحزان أخرى بحياتي، إذا لم تكوني متأكدة أرجو أن تكوني صادقة وينتهي كل شيء الآن وبهذه اللحظة ولن ألومك أبداً ...
قاطعته قائلة:
_ أنا متأكدة، متأكدة...أريد أن أكون معك.
أصبحت نبرة صوته أكثر إشراقاً:
_ أنت لا تعرفين ماذا يعني هذا بالنسبة لي، يعني أن أنسى كل حزني، أنا أحبك يا ليلى.
قالت بصوتٍ متردد:
_ أعتقد..أعتقد بأنني أحبك أيضاً، لقد كنت حزينة جداً حين لم تتصل لشهور عديدة، لهذا أنا متأكدة من حبي لك.
_ هل إشتقت لي؟
_ أجل...
إنتهت المكالمة ولكن حياة أخرى بدأت في قلب كمال، لقد أعادت إليه ليلى الكثير مما فقده، شعر بأن القدر وضعها بطريقه كي لا يتحول لمجرد شبح لرجل تعيس ووحيد وغريب، لأنه لم يحب انسانه سواها منذ حضر لسويسرا، لقد كان يبحث عنها حتى قبل أن يراها. لم يكن مجرد شعور حب بالنسبة لها وله، بل حياة كاملة تفتح أبوابها إليهما ليبدآ معاً وجود من نوع آخر، أقل مرارة وأقل حزناً وأقل غربةً.


***
أصبحت جوليانا جزء من وجود بسام، لم يكن يشعر بالغربة معها، فهي منطلقة الروح وبعيدة كل البعد عن العنصرية، يشعر بحبها العميق له وتقديرها لفنه. شيء ما بروحها يجعلها بهذا القرب إليها، ليس جمالها ولكن تلك البساطة والهدوء والصدق. تسلل حبها لقلبه بهدوء وبجمال، فلم يعد هناك أي مكان لهيفاء، كلما تذكر صورتها وهي تتمايل وتغني لكل أولئك الرجال الغرباء كلما إبتعدت صورتها عن قلبه إلى أن إختفت تماماً؛ لم يشعر بالحزن لرحيل ذلك الحب، فهو كان دائما ولا يزال يحب في المرأة ليس جمالها فقط بل نقائها الداخلي، وحين فقدته هيفاء لم يعد لها مكان في حياته.
أصبحت لوحاته تلاقي نجاحاً كبيراً، ولكنه لم يترك عمله في الشركة كعامل تنظيف، ولم يعد يخجل من ذلك العمل. إنتقل للحياة في شقة صغيرة يدخلها النور من كل الجهات، وهو ما كان يبحث عنه، وفي الليل يرى أضواء المدينة من حوله، أحب هذه الشقة الصغيرة ووجد ألفة غريبة تجمعه بهذا المكان، فلطالما تخيل نفسه في مكان مشرق يمنحه آفاق غير محدودة، وكانت هذه الشقة رغم صغر مساحتها تمنحه آفاق واسعة بسبب النور الذي يملأها عبر نوافذها الواسعة، ولأنه لك يكن يوجد أي جدران بداخلها، فجميع أجزائها منفتحة على بعضها البعض، وكان هذا كل ما يحتاجه؛ وحين تأتي جوليانا فكأن الشمس أشرقت بكل وجوده.
جلست تتأمل آخر لوحاته وتقول له:
_ في كل مرة ترسم، ترسم بشكل مختلف، أنت مبدع حقاً، وما يعجبني هو أنك خرجت من الإطار الشرقي وإنطلقت لعوالم انسانية الأبعاد.
_ ربما تكونين أنت السبب بذلك، فوجودك منح حياتي معاني لم أكن أعرفها، كنت أعتقد أن الحب لن يكون إلا مع امرأة من جنسيتي ولديها ذات ثقافتي ، ولكن معك إختلف كل تفكيري، وذلك بسبب شفافية روحك وإحساسك المرهف بالفن، أنا فعلاً أحبك يا جوليانا، لا أريد أن أطلب منك الزواج بصورته التقليدية ولكن أطلب منك أن أعيش حياتي القادمة معك. فهل تقبلين الزواج بعراقي بسيط ورسام؟
نظرت إليه بدهشة، ثم أمسكت بكلتا يديه وقالت:
_ وأنا لن أرغب أن أعيش بقية حياتي إلا معك أنت فقط.
بدآ بالتحضير لمراسم الزواج، إتصل بكريستا لدعوتها لحفل زفافه، ولكن صوتها كان حزيناً، سألها بقلق:
_ كريستا، ماذا هنالك، صوتك ليس طبيعياً.
صمتت للحظات ثم قالت:
_ لا شيء، أنا بخير.
_ لا أنت لست بخير، سوف آتي لزيارتك فوراً.
_ لا،لا يا بسام، لا أريد أن أزعجك، لا داعي للحضور.
_ إذاً أخبريني...
_ أنا...أنا...مريضة، لدي...
سمع صوت بكائها، فقال لها:
_ أنا آتٍ فوراً
أغلق سماعة الهاتف قبل أن ترد، وإتجه سريعاً للترام الذي يمر ببيتها؛ وخلال نصف ساعة كان أمام الباب، دق جرس الباب، فتحت كريستا الباب، ووقف أمام انسانة بالكاد يعرفها، لقد تغيرت بشكل كبير منذ أن رآها آخر مرة، دعته للدخول. جلست بهدوء وهي لا تزال تبكي، قالت دون أن تحاول منع نفسها من البكاء:
_ بسام، أنا مريضة، لدي سرطان في الرئتين، لقد تم إكتشافه متأخراً، لن أعيش كثيراً.
شهق بسام لهول المفاجأة، لم يدر بماذا يرد عليها، ولكنه تذكر لطفها معه ومساعدتها له، فلولاها ربما لما إستطاع أن يستمر بالحياة في سويسرا، تخيل للحظات غياب كريستا عن حياته، لم يستطع منع دموعه لشدة شعوره بالحزن، فهو يحب هذه المرأة بشكل كبير، ولم يكن يتصور مدى عمق حبه لها، حباً نقياً صادقاً، لقد كانت بمثابة أم حنونة له رغم كل الفروق الثقافية والدينية بينهما، نظرت إليه بتأثر وقالت:
_ بسام، أنت تبكي لأجلي...
أجاب ولم يخجل من دموعه:
_ أجل يا كريستا، أنت عزيزة على قلبي، بل أنت من أغلى الناس على قلبي، ولا أستطيع تصور سويسرا بدونك، لقد كنت أنت صورة سويسرا الحنونة الصادقة الانسانية معي بكل عطاءك وكرمك...أرجوك يا كريستا أن تقاومي المرض وسوف أكون دائماً بجانبك، مثل ابنك وأكثر...
أصبحت تبكي أكثر من السابق حين ذكر كلمة ابنك، وقالت من بين الدموع:
_ حين أخبرت ابني قال لي بأنه لن يتمكن من الحضور قبل شهرين، لوجود عمل لابد من إتمامه، لم أخبره بأنني قد...قد..
_ قد ماذا؟
_ أخبرني الأطباء بأنني قد أموت خلال شهر فقط، فوضعي ليس سهل، ورفضت البقاء في المستشفى، أريد أن أموت في بيتي. لقد عانيت كثيراً يا بسام، لم أخبرك لأنني أعلم بأنك مشغول في بناء مستقبل جديد، وأنا سعيدة لأجلك. طوال الثلاثة أشهر السابقة كنت أذهب بشكل شبه يومي للمستشفى، أخضع للفحوصات، ثم لعلمية إستئصال الورم، ثم العلاج الكيميائي، لقد تعبت من كل الأدوية ومن المستشفى ومن كل الحياة....أعلم الآن بأنه لايوجد ما يفعلونه لي، لذا قررت أن أبقى ببيتي، وبكل الأحول لم تعد لدي القوة لأن أغادر البيت، فأنا أسير بصعوبة شديدة.
قال بسام دون تفكير:
_ سوف تأتين للبقاء في شقتي وأعتني بك.
بكت من جديد وقالت:
_ لا يا بسام، لا أريد أن أترك بيتي، أريد أن أموت بين ذكرياتي، ابني لا يريد الحضور لرؤيتي ولكنني لن أتوقف عن حبي له، وفي هذا البيت توجد كل ذكرياتي معه منذ أن كان طفلاً صغيراً، لم أكن أحب زوجي كثيراً ولكنني أحببت ابني كثيراً، لقد كان كل حياتي، فدعني أحيا مع ذكرياتي فيما تبقى لي من الحياة.
_ حسناً، ولكنني سوف آتي للإطمئنان عليك كل يوم، وأحضر معي كل ما تحتاجين إليه.
_ أشكرك يا بسام، لا أدري كيف أعبر عن مشاعري ولكنني ممتنة لك.
وقبل أن يغادر، نادته بصوتٍ ضعيف:
_ بسام، لقد كتبت هذه الرسالة لك، بعد أن تقرأها سوف أخبرك لماذا كتبتها...
أمسك بالغلاف الأبيض حيث وضعت الرسالة، أراد أن يقرأها أمام كريستا، ولكنها قالت له:
_ لا يا بسام، لابد أن تقرأها لوحدك.
وصل لبيته والفضول يملأ صدره لمعرفة ماذا يوجد في هذه الرسالة، جلس بهدوء ليقرأها:


" صديقي بسام:
أخط كلماتي هذه لك وحدك فقط ، لم ولن أقولها لأحد غيرك. لن أنسى جلساتنا الجميلة معاً، نشرب القهوة ونأكل الجاتو بالشكولاته الذي تحبه كثيراً. كنت تشكو لي قسوة حياتك في هذا البلد الغريب بالنسبة لك، أنت العراقي الذي يعيش بسويسرا الباردة؛ وأنا كنت أشكو لك شوقي لابني وشعوري بالوحدة بدونه.
وحين ننتهي من الشكوى نضحك معاً ونتحدث عن أشياء كثيرة أخرى، مثل لوحاتك وبغداد أو قطتي الحبيبة صوفي، بل وأخبرك عن الملابس التي أشتريها أو رحلاتي مع بعض صديقاتي، وأنت تستمع دائماً بهدوء؛ أحياناً كنت أنسى بأنك عربي، وأنسى أيضاً بأنني سويسرية، فالمحبة التي جمعتنا لم يكن لها لون ولا جنسية.
صداقتي معك جعلتني أعلم بأن العنصرية ليست بشعة فقط بل وغبية جداً، لأنها تغلق القلوب وتُطفيء الأرواح، فكيف أتوقع أن يأتي الحب من جنسية محددة ومن عرق بذاته بل ومن دين معين؟ كيف أضع الحياة كلها في بوتقة ضيقة اسمها أفكار وأنسى أن الحياة أوسع من الأفكار وأعمق من الشعور.
والآن ، وفي غرفة ما في مستشفى ما ، أجلس أمام رجل غريب يسمى طبيباً ليقول لي بأنني مريضة بمرض عضال ، وأن رحلة الشفاء صعبة جداً وربما أموت بسبب هذا المرض . صمت أمامه ولم أتفوه بكلمة ، لأنه يتحدث عن انسانه أخرى ليست أنا ، بل انسانه بإنتظار الموت .
قال لي الطبيب بأنني لا بد أن أتحدى الموت وأن أكون قوية فأجبته بصوتٍ داخلي لا يسمعه
هو : ومن يتحدى الموت ، نحن ننتظر الموت ولكن لا نتحداه . وللحظة تذكرت بأننا جميعاً سوف نموت ، فلماذا أحزن ؟ ولكنني تذكرت ابني وصوفي فانتابني الحزن الشديد، وبدأت أسأل الطبيب عشرات الأسئلة لأنني يجب أن أحيا لأجل ابني وصوفي وكذلك أنت يا بسام، فأنت أصبحت جزء من عائلتي، بل ربما أنت الآن عائلتي الوحيدة.
خرجت من المستشفى ، لفحتني نسمات الشتاء الباردة ولكنها أصبحت نسمات ميتة تؤلمني عوضاً عن أن تُسعدني ، شعرت بدفء أشعة الشمس على وجهي ، ولكنني تجاهلت ذلك الدفء لأنه لم يعد يعنيني فهو يعني أولئك الأصحاء .
اليوم يا صديقي أبدأ تاريخ جديد من المرض والأدوية ومراجعات طبيب لا تنتهي، أصبح الطريق ما بين بيتي والمستشفى هو نهج حياتي، الحقن، الأدوية، الجرعات الكيماوية، أحياناً أتوقف بمنتصف الطريق وأرغب بألا أستمر، أن أعود للبيت وأموت هناك بصمت؛ ولكنني ورغم كل شيء لا زلت أحب الحياة، ولا يزال هناك نبض في صدري وحب في قلبي. أنظر لقطتي صوفي التي أصبحت حزينة كأنها تشعر بأنني سوف أغادر سريعاً، وأبكي، تنظر لي بعيونٍ حنونة وكأنها تبكي معي، فتأتي لتجلس بحضني وتبادلني نظرات الحزن والمحبة.
إن كان هناك شيء واحد إيجابي في مرضي فهو أنني عرفت قيمة فنجان القهوة معك في ذلك المقهى الدافيء، وحديثنا عن مشاكل حياتية نعتقد أنها نهاية العالم ولكنها في الحقيقة هي الوجود وهي حركة الحياة في العروق ؛ لذلك يا صديقي وحين أراك في المرة القادمة أرجوك أن تحدثني كثيراً عن مشاكل لا قيمة لها أمام المرض والموت .
سوف أغادر هذه الحياة قريباً، وأنت غادرت وطنك، وتعرف ألم الفراق، ولكن مغادرة الحياة أصعب من مغادرة أرضٍ ما، فتذكر ذلك ولا تنساه، لابد أن تحيا حياتك بذكاء أينما كنت وحيثما كنت.
أجل ...شيء آخر ، لا تعتقد بأنني قد أموت قبلك لأنني مريضة ، فربما تموت أنت قبلي أو أي أحد ممن نحب ، لأنه ليس سبب الموت المرض دائماً ، لذلك ، ياصديقي العزيز ، أحب من حولك بقوة وصدق كمن يغادر غداً وسريعاً، أحبهم حتى ولو كانوا غرباء من وطن غير وطنك، ومن لون غير لونك، ومن دين غير دينك، لأننا فعلاً لن نمنح ولن نعطي شيئاً سوى هذا الحب.
شيء أخير، أرجوك أن تعتني بصوفي بعد موتي، لن أوصي بها لابني لأنني أشك بأنه قد يعتني بها، ربما سيضعها بمكان تبني للحيوانات، أرجوك، إعتن بها."
أمسك بالورقة الغارقة بالحزن وبالوداع المر، بكى فراق كريستا، وشعر بأنها لن تعيش طويلاً،
إتصل بها وقال:
_ كريستا، رسالتك حزينة ولكنني أحببتها كثيراً، أشكرك.
_ لا تشكرني يا بسام، الآن يمكنني أن اقول لك لماذا كتبتها لك. بعد إكتشاف مرضي، تذكرت محادثاتنا الماضية، والحزن الذي تغرق به عيناك كلما تذكرت العراق، وكنت أشعر بأنني لا أستطيع فعل شيء لك أمام كل ذلك الحنين، ولكن بعد مرضي، شعرت بأن حزنك هذا لا مبرر له، لقد فقدت وجودك في وطنك ولكنك لا تزال تمتلك الحياة، هل فهمتني يا بسام؟
_ أجل، لقد فهمتك جيداً.
أجل بسام زواجه من جوليانا، وكرس معظم وقته بعد عمله في الشركة للإعتناء بكريستا، إلى أن أتى ذلك اليوم بغيومه الرمادية الداكنة والأمطار التي لا تتوقف، أعد لها كأس الشاي الذي تحبه، وكانت ضعيفة الجسد ونظراتها واهنة، نظر إليها بقلق وقال:
_ كريستا، أريد أن اصطحبك للمستشفى، تبدين بحالة سيئة.
قالت بصوتٍ ضعيف:
_ لا ، ارجوك يا بسام، أريد أن أموت بيتي، في المستشفى سوف يعطونني أدوية مسكنة، ولقد تناولتها الآن، لن يقدموا لي شيء آخر، فدعني هنا في بيتي.
لم يرد عليها، ولكنه نهض وطلب سيارة الإسعاف، إلتفت كي يخبرها، فوجدها غائبة عن الوعي، خلال دقائق كانت سيارة الإسعاف قد وصلت، أمسك الممرض يدها، ونظر لبسام وقال بأسف:
_ لقد فارقت الحياة.
كانت الجنازة قصيرة، حضرها بعض أصدقائها، ولم يتمكن ابنها من الحضور، وقفت جوليانا بجانب بسام ممسكة بيده، ويمسك بيده الأخرى الصندوق الصغير حيث وضع القطة صوفي التي لم تتوقف عن المواء الحزين؛ بكى فراق كريستا اللطيفة والحنونة، وشعر بأنه يفقد جزء من نفسه برحيلها، قال لها بروحه قبل أن ينهال التراب على جثمانها:
" كنت أعتقد أن غربتي لن تسمح لي بأن يكون لي أهل وأقارب، والآن أودعك يا كريستا وكأنك واحدة من أهلي لشدة عطفك وحنانك، لم أعد أؤمن بغربتي بعد رحيلك، فأنت علمتني بأن الغربة الحقيقية هي القسوة. وداعاً أيتها الغالية كريستا."
وصل لبيته، وفتح الصندوق الصغير، خرجت صوفي، لتنظر حولها بحزن وخوف، نظرت إليه بعيون مُطفأه كأنها تسأله أين كريستا؛ إحتضنها ولكنها إنسحبت من بين يديه، لتمشي في المكان كأنها تبحث عن كريستا، وحين لم تجدها، جلست بزاوية بعيدة تموء بحزنٍ شديد كأنها تبكي رحيل كريستا؛ وقف بسام عاجزاً عن فعل أي شيء، حتى الطعام كانت ترفض أن تأكله. حضرت جوليانا، فشرح لها بسام بأن القطة لم تأكل منذ يومين، إقتربت منها بهدوء، حملتها ووضعتها في حضنها، ثم همست بأذنها بكلمات لم يسمعها بسام. نظرت صوفي لجوليانا، ثم هدأت في حضنها حتى إستغرقت بالنوم. سألها بسام ما الذي قالته لها:
_ لقد همست لها بألا تخاف، وأنها ستكون بخير هنا. وأن كريستا لن تعود ولكنها تركتها معنا لأننا نحب كريستا مثلها.
نظر لها بسام وضحك رغم حزنه، وقال:
_ هل تمزحين! وهل ستفهم كلامك؟
_ بسام، هناك لغة الكلمات، وهناك لغة الأرواح، وهل تعتقد أننا نحن الممثلون نستعمل لغة الكلمات فقط، بل الأرواح أيضاً؛ والحيوانات تفهم تماماً لغة الأرواح، تشعر بالخوف أو الأمن عبر الروح، تشعر بالكره أو الحب عبر الروح، تسمع اسم من تحب وتعلم أنك تتحدث عنه؛ حين تفهم عالم الحيوان سوف تعشقه لأنه مليء بالمشاعر وبالأرواح التي تتخاطب دون صوت فقط بالشعور.
_ أنت رائعة يا جوليانا.
إستيقظت صوفي، ونظرت من جديد إلى جوليانا، ثم نهضت وإتجهت نحو صحن طعامها، أكلت قليلاً ثم وجدت لنفسها مكان قرب المدفأة، جلست بهدوء تراقب بسام وجوليانا. لم تتوقف عن البحث عن كريستا، ولكنها بدأت تتعلق ببسام وجوليانا إلى أن توقفت عن البحث وإعتادت على حياتها الجديدة.
رن هاتف بسام الخلوي، ليرى رقم منصور يتصل به من الأردن ، ويخرجه من الحزن الذي غرق به بعد موت كريستا، قال له منصور:
_ خمن من أتى لزيارتي اليوم؟
_ لا أدري، من؟
_ إنها هيفاء، لقد كانت بحالة نفسية سيئة جداً، يبدو أنهم وقعوا عقد معها لعمل عدة كليبات، ولكنهم أعطوا الأغاني لفتاة أصغر بالسن منها وأجمل منها، كانت تبكي وتشتمهم، ثم سألت عنك.
_ وماذا أخبرتها؟
_ لا شيء، قلت لنفسي أن أسألك أولاً، أعتقد أنها ترغب بأن تعود لك.
_ ولكنني لم أعد أرغب بذلك، أنا أحب انسانة أخرى هنا، سويسرية وهي ممثلة معروفة، أحبها كثيراً وسنتزوج قريباً.
_ ماذا؟ بهذه السرعة، لماذا لم تعد تريد هيفاء؟
_ كلما تذكرت منظرها وهي تغني وتتمايل أمام كل أولئك الرجال تبتعد صورتها عن تفكيري إلى أن تلاشت تماماً.
_ ولكن أعذرني ولكن الممثلة أيضاً قد تتمايل أمام الرجال، خصوصاً إذا كانت أجنبية.
_ لا أريد أن تقارن ما بينهما، أنا شرقي، لا أستوعب أن أتزوج مغنية، جوليانا لا تغني، هي ممثلة قديرة ولا تمثل إلا أفلام ومسرحيات جادة، ثم إنها نقية الروح، أما هيفاء فقد فقدت ذلك النقاء الداخلي.
_ ولكنها بحالة سيئة ولا أريد أن تتجه لطريق لا عودة منه..
_ إذا كنت قلق لأجلها، لماذا لا تتزوجها يا منصور؟
ضحك منصور وقال:
_ أنا أيضاً لا أتزوج من مغنية، ثم إنها لا تعجبني كثيراً، أنا أبحث عن نوع مختلف تماماً.
_ أي نوع؟
_ نوع محافظ، تقليدي، فقد شبعت من النساء السهلات، أريد شيء مختلف خصوصاً حين أريد الزواج والإستقرار.
_ عموماً يا منصور، لن أتخلى عن هيفاء، إذا إحتاجت لأي مساعدة مالية يمكنني أن أرسل لك النقود لأجلها، فوضعي المادي أصبح ممتاز الآن.
_ لا أعتقد بأنها بحاجة للنقود، هي تحتاج لرجل يحبها بصدق ويكون بجانبها.
_ لقد عرضت عليها ذلك ورفضتني، وحين تراها في المرة القادمة أرجو أن تذكرها بذلك وتقول لها بأن بسام أحبك ولكنك رفضت حبه لأنه كان فقير.
إنتهت المكالمة، وتأمل بسام مدينة بيرن بأضوائها المنيرة، وأسقف البيوت التي غطتها الثلوج، كان كل ما حوله يبدو رائع الجمال؛ إتصل بجوليانا وقال لها:
_ أريد أن نتزوج قريباً، لقد أوصتني كريستا بألا أؤخر الزواج بسبب موتها، وأنا أريد أن تكوني دائماً بقربي.

***
في زيارة ليلى الأسبوعية للسيد روسلان، أخبرته بأن بسام سيتزوج جوليانا قريباً، لم يقل شيئاً، ولكنه إتصل ببسام وقال له:
_ بسام، أود أن يكون حفل زواجك بمزرعتي هنا في بيرن، وسوف أرتب كل شيء لك.
تفاجيء بسام من طلب السيد روسلان وقال له:
_ لا داعي لذلك، لقد رتبت لكل شيء مع جوليانا، وسوف يتم الزواج بمطعم صغير في بيرن، وأنت بالطبع مدعو، سأرسل لك بطاقة الدعوة قريباً.
_ أرجوك يا بسام، أريد أن أرى هذا البيت سعيداً من جديد، لم يعرف هذا البيت أي فرح منذ موت روبرتا، ليلى أحضرت لي السعادة، ولكن حفل زواجك سيجعلنا جميعاً سعداء، أرجو أن تلغي الحجز في المطعم وأن يكون الحفل هنا.
صمت بسام قليلاً، ثم أجابه:
_ حسناً، سوف أخبر جوليانا.
كان يوماً صيفياً رائعاً، تفتحت زهور الحديقة بألوانها المتعددة، وألتمعت أوراق الأشجار اليانعة تحت أشعة الشمس، فتح السيد روسلان جميع نوافذ غرفة الحديقة الزجاجية، وهبات صيفية دافئة تحرك الستائر البيضاء الشفافة. كانت جوليانا رائعة الجمال بفستانها الأبيض والمزدان بورود صغيرة حمراء اللون، إنسدلت خصلات شعرها الصفراء على كتفيها وظهرها، فبدت كأنها حورية آتية من عالم خيالي؛ أما بسام فكان بأوج وسامته وبهاءه وهو يرتدي البذلة السوداء التي إختارتها له جوليانا. إجتمع عدد كبير من الأصدقاء من بينهم مارك وداني وربيكا وزوجها، ثم ليلى وكمال والسيدة بلانسكي، وكان السيد ميشيل بوقاره وتحفظه أول من حضر للحفلة. تم ترتيب الطاولات والمقاعد بعناية في الحديقة الكبيرة، وتم تغطيتها بأغطية ذهبية شفافة منثور عليها أوراق الورود الحمراء. إرتدت ليلى ولأول مرة منذ حضورها لسويسرا فستاناً أزرق اللون يُظهر رشاقة قوامها، نظر إليها كمال بإعجاب شديد، ثم همس بأذنها:
_ سوف يكون دورنا بعدهم، أليس كذلك؟
ضحكت بسعادة، وأمسكت بيده لتضمها بين يديها. ثم قالت بحذر:
_ وأولادك يا كمال؟
_ ما سوف يكون رد فعلهم إن تزوجنا؟
_ لن يهتموا، هم يعيشون حياتهم، ولا يهتموا إلا بأمورهم، وحين يريدون شيء ما يرسلون رسالة لي. كنت قد طلبت منهم ألا يتكلموا معي ولكن لم ينجح ذلك، فلابد من الحديث أحياناً عن أمور تتعلق بهم؛ أصبحت علاقتي معهم تنحصر بالإحتياجات المادية. لا تقلقي يا ليلى، أصبح لهم حياتهم فعلاً ولا يحتاجون لي، وأنت تعلمين أنه في الغرب يكون من السهل على الأبناء الإستقلال بحياتهم. أتمنى أن يكون لدي طفل منك أنت يا ليلى.
ضحكت، وأمسك بيدها الصغيرة وأنضما لبقية المدعوين.
إرتفعت الألحان الموسيقية في المكان، وإحتضن بسام زوجته جوليانا ليرقصا معاً، ووقفت قطة كريستا تراقبهما من بعيد، ثم تتجول في المكان تبتعد ثم تعود لتجلس بقربهما. ووقف جميع أصدقائهما سويسريون وأشخاص آخرين من جنسيات متعددة يشاركونهما فرحتهما بالزواج.
ثم جلسوا جميعاً ليتناولوا وجبة الطعام الشهية، وخلال تناولهم لطعام، نهض السيد روسلان وقال متحدثاً للجميع:
_ لابد أن اشكر بسام لأنه أحضر ليلى لحياتي، ولأنه جلب الفرح لبيتي. أشكرك يا بسام.
ثم نظر السيد روسلان إلى ليلى وقال:
_ أنت جميلة يا ليلى، تماماً مثل روبرتا، منذ سنوات لم يعرف هذا المنزل أي معنى للفرح، وأنت بحضورك أدخلت السعادة من جديد إليه، كنت أعلم منذ أن رأيت لوحة بسام التي رسمك بها، أن القدر قد أرسلك بطريق رجل عجوز ووحيد مثلي، أنا سعيد بهذا الزواج، وسعيد بوجودك هنا، وأعلم أن روح روبرتا تتجول بيننا. ليلى، يمكنني أن أقول لك شيء أخفيته عنك سابقاً، حين أموت سوف ترثين أنت هذا البيت.
نظرت إليه والدهشة تعلو وجهها:
_ ماذا؟ ولكن....
_ لا تقولي أي شيء، لقد جهزت وصيتي، وإذا مت سوف يتصل بك المحامي ويرتب كل الأمور.أما بقية أموالي فقد تبرعت بها لدور الأيتام. اليوم تكتمل سعادتي بهذه الحياة، وأعلم بأن ليلى سوف تعتني بهذا البيت الذي أحبه كثيراً؛ يمكنني الآن أن أرحل بأي وقت وأنا مرتاح لأنني أعلم بأن من سيسكن بيتي هو انسان قريب لروحي وروح ابنتي روبرتا.
جلست ليلى مذهولة لوقع المفاجأة، وشعرت بالحرج الشديد، قتوجهت للسيد روسلان وقالت:
_ سيد روسلان أرجو أن تُعيد النظر بقرارك، فأنا لا أستحق هذا، لست سوى فتاة أجنبية، يوجد من يستحق هذا البيت أكثر مني..
نظر إليها وأبتسم:
_ من يستحقه أكثر منك؟
_ لا أدري، ولكن شخص ما من أهلك ومن جنسيتك.
_ وهل أي شخص سيكون أقرب لي من انسانة مثلك تفهمت حزني لأجل ابنتي، وعاملتني كأنني أب حقيقي بالنسبة لها. لا يا ليلى، أنت أحق الناس بهذا البيت، أريد أن أعلم بأنك ستسكنين به بعد موتي، هل ستسكنين به، بالطبع يمكنك بيعه، ولكن أود فعلاً أن تسكني به وأن يبقى دافئاً ومفتوحاً دائماً للأصدقاء.
صمتت للحظة، نظرت إليه بمحبة وقالت:
_ أجل، سأسكن به دائماً.
قال السيد روسلان:
_ أريد أن أطلب شيء قد يبدو غريب بحفل زفاف، أنت تعلمون أنه يوجد بيننا أشخاص ينتمون لجنسيات مختلفة، وكنت أود أن يكتب كل منهم مشاعره ومفهومه لكونه أجنبي في سويسرا، لأنني فعلاً لطالما تساءلت كيف يشعر الانسان حين يضطر أو يرغب بأن يعيش بوطن غير وطنه. وأعتقد أنه يوجد لدينا الكثير من الوقت لإنتظار ما سيكتبه كل منهم، فلحسن الحظ، في سويسرا يمتد حفل الزفاف طوال اليوم، بينما في بلادٍ أخرى يستمر لبضعة ساعات ثم ينتهي، بل أحياناً يكون لساعة واحدة فقط. إن كانت تعجبكم الفكرة سوف تصوتون بنعم، وإن لم تعجبكم سوف نتجاهلها.
رفعوا جميعاً أيديهم، نظر بسام لكمال ثم إلتقت نظراتهما بليلى التي إبتسمت. غابوا لنصف ساعة ثم عاد كل منهم ليحمل ورقته الصغيرة:
كتب بسام:
غادرت بغداد تحت القصف المدفعي، سارت بنا السيارة بسرعة قصوى لنهرب من الموت، كنت أرى شوارع بغداد تختفي من تحت ناظري شارعاً بعد شارع؛ وجزء من روحي يختفي معها جزء بعد الآخر، وحين خرجنا من الحدود العراقية، لم يتبق من روحي سوى رماد الألم.
خلال تلك الساعات من السفر بين العراق والأردن، أصبحتُ انسان آخر، بملامح أخرى، بنفس أخرى؛ أصبحت بلا جذور، لقد كانت تلك المرة الأولى التي أغادر بها العراق، فأنا لم أعرف سوى وطني بذلك الوقت؛ لذا كان إقتلاعي من بيتي ووطني وأهلي جريمة قتل مُكتملة العناصر، لم يعد لدي شيء سوى حقيبة صغيرة من الذكريات. كانوا يقولون لي دائماً في بيت أهلي بأن الرجل لا يجب أن يبكي، ولكنني بتلك السيارة القديمة والتي لا لون لها، بكيت بصمت، دون أن تشعر والدتي بي، أو كنت أعتقد بأنها لم تشعر بي، ولكنها وبعد فترة من الصمت، همست بأذني:
_ توقف عن البكاء، بكاءك يقتلني أكثر مما تقتلني هذه الغربة.
كنت أريد أن أقول لها، لا أستطيع، لا أستطيع، ولكنني حين إلتفت ورأيت وجهها، رأيت انسانة أخرى لم أراها من قبل، لقد شاخت والدتي خلال ساعات، وأتسائل أحياناً إن كان بكائي زاد من شيخوختها أيضاً؛ نظرت إلي بعيون جافة من الدموع، كان يوجد هناك الإقتلاع فقط بلا دموع، بلا حزن، فقط وجه جاف بتجاعيد عميقة وبعيون مليئة بالخوف والقلق؛ لم تبك أمي كي لا أضعف أمامها، وأنا بكيت فسحقت قلبها.
إن كان يجب أن أتحدث عن غربتي، لن أتحدث عن غربة واحدة بل عشرات الأنواع من الغربة، فحين نعتقد بأن الغربة تُختصر بكلمة نكون قد قزمنا مشاعر انسانية تنزف ألماً.
وهنا على هذه الأرض الغريبة، تم منحي وطن، أو أرض أعيش عليها، بلاد خضراء وجملية ولكنها مهما كانت رائعة الجمال لن تكون بجمال وطني، وطني ليس أخضر مثل سويسرا، ولا تملؤه الأنهار والبحيرات ولكنه وطني حتى ولو لم تنبت به شجرة واحدة، معلق هنا بروحي ومكانه بقلبي. لستُ حزيناً لغيابي عن وطني فقط، ولكنني حزين لأنني لا أعلم إن كان هذا الوطن سيصلح للحياة مرة أخرى، لقد أصبح وطن الأرض المحروقة. ربما لا أحزن لغربتي الآن ولكنني أحزن لوطني الذي لا يزال ينزف دماً .
كتب كمال:
هناك على أرض الزيتون والعنب، تركت طفولتي وذكرياتي وبإختياري، لم أركب سيارة أجرة وأهرب من القصف، ولكنني ركبت سيارة أجرة بكامل رغبتي و إرادتي لأغادر مكان اسمه منطقة عسكرية مغلقة، فلسطين. اسمها فلسطين بقلبي وأوراق تاريخي ويسمونها " اسرائيل" وهي في الحقيقة اسمها" منطقة عسكرية مغلقة" تنغلق علينا وعلى الإحتلال بنفس الوقت.
في فجرٍ بعيد قررت أن يكون لي حياة أخرى، وأن تكون هنا في الغرب، وفي فجرٍ آخر أدركت بأنني نسجت حياة من أوهام، وأن الغربة خيوط ننسجها ونعتقد بأننا نرسم أشكالها ونلون خطوطها، لكنها وفي النهاية هي من تنسج الشرنقات حولنا وتحدد مساراتنا، وفي لحظةٍ ما أدركت بأنني كنت في الغربة الخاطئة، وهي الإعتقاد بأنني قد أعيش في مجتمع ما وأحمل موروث ثقافي لمجتمع آخر، إنها غربة خاطئة لأنها تحمل السراب بأعماقها، كان لابد ومنذ سنوات أن أدرك بأنني أعيش هنا على أرض سويسرية ولكنني عشت هنا وكذلك عشت هناك، فلم أكن ذاتي بكلتا الحالتين. الوجة الأول للغربة هو الإبتعاد عن الوطن وعمن نحب، والوجه الآخر لها هو كيف لروح والنفس والتقاليد المتجذرة في الوجدان أن تتآلف من مفاهيم جديدة وأفكار جديدة بل ووجود بأكمله مختلف وقد يكون رافض للوجود الأول للغريب؟ كيف لي أنا الفلسطيني القادم من مدينة تقليدية أن أتأقلم مع مجتمع أوروبي بكل مفاهيمه وثقافته؟ ولكن ولحكمة الله تعالى في الوجود، منحنا التأقلم مع كل الظروف. والآن وبعد سنواتٍ من الغربة، أفهم الغربة بشكل واقعي، وأنني لن أكون أبداً ذلك الذي غادر مدينة الخليل، بل أنا من عاش هنا لسنوات أطول من السنوات التي عشتها في الخليل؛حتى حين عدت للخليل شعر أهلي بأنني أصبحت غريب عنهم وأنني بملامح أخرى بل وبروحٍ أخرى، إنها شرنقة الغربة التي تنسجها حولنا رغماً عن إرادتنا، لا نرها ولكن يراها من حولنا. أُدرك الآن أن ما يمزق الانسان ليس غربته، ولكن تفكيره الدائم بأنه غريب. لذا قررت ألا أكون غريب وأن أنتمي للمكان الذي أحيا به، لن استطيع العودة لفلسطين، لذلك تتحول سويسرا برغبتي بدايةً ثم رغماً عني نهايةً إلى وطني. ولكنني اليوم أختارها وطناً بعد أن كانت منفى، وتبقى فلسطين أرضي بروحي ووجداني إلى أن أفارق هذه الحياة وتزول كل الحدود وكل الفروقات والتناقضات هناك في ملكوت الله حيث لا غربة ولا سفر ولا هجران.

كتبت ليلى:
فتاة وحيدة ممزقة القلب والشعور، تفقد أهلها جميعهم بدقائق معدودة، تذهب لتشتري الخبز وتعود لتجدهم أشلاء متناثرة؛ كان الشيء الوحيد المنطقي هو أن تصاب بالجنون. ولكنها أُصيبت بما و أصعب من الجنون وهو عدم التعرف على الذات وفقدان كل عناصر الهوية. تترك دمشق أرض الياسمين، وتحتضنها سويسرا بدفء مُشفقة على آلامها وحزنها، حتى نظرات السويسريون تجاهها كانت حنونة ورحيمة. لم تعط سويسرا لي مجال بأن أشتكي من الغربة، فمنذ أن وصلت إلى المطار إمتدت أيدي دافئة لإحتضاني بل وربما البكاء لأجلي، فكيف أقول بأنني أعيش بغربة! لقد كانت غربتي شوقي لأهلي ووطني، ولكنني هنا وجدت أهل يحبونني وأحبهم، لقد تعلمت بسويسرا بأن الغربة مفهوم نسبي، وأنني غريبة حيث يوجد الألم، ومنتمية حيث يوجد الحب. كنت أسير في الشوارع أبكي وحيدة وضعيفة وخائفة، والآن أسير ولدي حلم بالحياة، ونظرة للمستقبل. أصبحت سويسراً فعلاً وطني، وأحبها بكل جوارحي، لن أستطيع العودة لدمشق التي لا تزال تحترق، ولكنني أختار أن أعيش بسويسرا حتى ولو عادت الحياة الطبيعية لدمشق، ليس لأنني أصبحت أحب سويسرا أكثر ولكن لأنني وجدت هنا أهل لا تجمعني بهم الدماء ولكن يجمعني بهم العطف والانسانية برفعتها وعظمتها، منحنوني كل العطف رغم أنني غريبة عن ثقافتهم وحتى دينهم؛ اليوم تتحول سويسرا فعلاً لوطني وأختار أن أكون بها مدى حياتي، عند من منحني الأمن وقت الخوف والأمل عند اليأس. تمتزج بروحي الآن دمشق مع بازل، لأكون عربية الأصل وسويسرية الشعور، ليمتزج الحب بين هاتين الثقافتين دون تناقض ولا صراع، لأن الحب فقط هو من يُذيب فروقات وصراعات أسس لها العقل بجفاف المنطق وضيق الأفق، أريد أن أحيا بنبض الشعور فقط لا بجدلية المنطق، لذا أختار الحب ليكون وطناً لي، فمتتلاحم به دمشق مع بازل وأرى أننا لسنا سوى بشر نحلم ونتأمل ونتألم، نبتعد ونقترب، أرى أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، لذلك سأبقى دائماً على حدود الحب ولا أغادره لأي غربة أخرى.
ساد الصمت للحظات، وهبت نسمات صيفية رائعة، تسللت أشعة الشمس من بين أوراق الأشجار شديدة الخضرة، وتلألأت أشعة الشمس على صفحة المياة للنهر القريب من الحديقة. نهضوا جميعاً ليسيروا معاً بجانب النهر، كانوا هناك معاً ، لم يجمعهم سوى الحب، لا شيء سواه، ولكن هذا الرابط غير المرئي كان أقوى الروابط الانسانية لأنه يتجاوز الهوية والمعتقد بل ومساحات الأرض أيضا.


بريطانيا والأتحاد الأوربي- والطلاق التأريخي / عبدا
إلى متى الصبر على السعودية وعملائها ؟؟؟ / قاسم محم

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الأربعاء، 05 أيار 2021

صورة كابتشا