لسنا متشائمين انما من باب الحقيقة نستطيع ان نقول بأن إنقاذ العراق وتحويله من بلد مضطرب تسيل منه الدماء، إلى بلد مستقر، لن يتحقق عبر هزيمة تنظيم «داعش» فقط، وإِنَّما يحتاج الأَمر إِلى حلِّ القضايا السِّياسيَّة، التي خلقت فراغاً أَدى إلى بروز ظاهرة التكفيريين والتي انتجت الارهاب  وعظمت وجودهم، إِلى الدرجة التي أصبحوا يمثلون فيها خطراً وجوديّاً على عدة دول في آنٍ واحد ٍفي المنطقة ومنها الى العالم .

والبلد يحتاج إلى حكومة وطنية منتخبة بالطرق الديمقراطية  تمثل كل فئات المجتمع،. ولكن بناء أساس لثقافة سياسية ديمقراطية حديثة هو بطبيعته ليس عملاً مؤسسياً، وانما بالقيم الثقافية الساندة و هي اما غائبة كلياً او انحسرت عبر عقود طويلة من القمع والتجاهل المتعمد للسلطات المتعاقبة التي توالت على الحكم .

الحكومة الناجحة يجب ان تقوم  بثلاث وظائف رئيسيَّة، وهي القدرة على ممارسة دورها كحكومة على جميع المناطق، مع توافر بنية تحتيَّة مناسبة، وفكرة وطنية جامعة. وسيتوجب من الحكومة  أن تستفاد من الفرصة السانحة حاليّاً لتطبيق إصلاحات جذرية من أجل إِنقاذ العراق. وتطهير المؤسسات من العناصر الدخيلة واللوبيات المعشعشة في اداراتها .

 وكذلك الوضع الامني السائب ومفارقة تعدد سلطة القرار ولا يعرف المواطن من هو المسؤول عن امن العاصمه والخلافات حول ( صقر بغداد ) والكواشف الزاهية وقباحة الموقف والمهاترات بين وزارة الداخلية ومجلس محافظة بغداد الملغوم في عز النصر المفرح الذي لم يدم ووقت اثارتها مع تحرير الفلوجة مما ينتج عنها الظن أنه ليست هناك إمكانية على المدى القريب للسيطرة على الامن في ظل هذه المساجلات الغير مفيدة والصراعات العمياء المقصودة ولن تكون الكرادة داخل ذات النكهة الطيبة ومثال الى الشراكة ( مذهبياً وقومياُ ودينياُ ) بلغاتها المختلفة وتحوي كل اطياف المجتمع وحدها القربان ، المطلوب الان توحيد الجهود الامنية وجعلها تحت قيادة واحدة مهنية وذات خبرة عالية . ومعالجة الثغرات و مكامن الخلل والاعتماد على اجهزة كشف المتفجرات المتقدمة دون النظر الى القيمة المادية والتي تعمل عليها شتى دول العالم واستخدام منظومة الكاميرات الرقمية الحديثة ذات الكيفية والمناسبة لكافة اماكن بغداد وتسخير السيطرات للعمل باليقظة والحذر ومراقبة حركة السير لكافة الشوارع التجارية والاهتمام بحزام بغداد الأمني .

  الارهاب لم يهزم  بعد والعنف مستمر، لكن هذه لن تكون هي المشكلة الخطيرة في المدى البعيد . ان التحدي الاكبر هو توحيد العملية السياسية التي اضعفتها الصراعات الطائفية . وايجاد الوسائل لإستيعاب تنوعه السكاني  المركّب من هويات جرى دمجها وتسييسها اعتباطاً لان إعادة بناء الدول المنقسمة من الصعب بقائها  على طول الخط المشتركة وثبت انها مشاريع مضلل ".اذا لم يجري هيكلتها بالطرق السليمة المعمقة فكراً وثقافتاُ"

 تحقيق النصرلم ياتي اعتباطاً و ليس له معنى ما لم تكن الحكومة قادرة على جمع الشِّيعة والسُّنَّة والأكراد وفئات المجتمع المختلفة تحت مظلتها وحسب الكفاءة بعيداً عن المحاصصة ، وإقناع الجميع بأنَّ مستقبلهم هو مع الدولة العراقية الموحدة والارادة المشتركة في الحياة ، وليس مع الجماعات المتشددة الفارغة من الانسانية ولاتعترف إلا بنفسها فقط . وفوق هذا وذاك فإِنَّ العراق ابتلي بنخب تهتم بمصالحها الذاتية فقط ، وهي لا تنسى شيئاً من خلافاتها وتاريخها، لكنها لا تتعلم شيئاً أَيضاً.

ما يشهده العراق ما هو إِلا نموذج فاقع لما تشهده مختلف دول المنطقة، بدرجاتٍ أَقل، وبصورةٍ لا تظهر بالشكل المتوحش، كما نراه في العراق. والنخب غير مبالية بالنتائج ، منشغلة بهمومها فقط مع وجود الانقسامات و التوقعات والطموحات تلاشى الرؤى والافكار تضمحل وتنصهر في بودق الصراعات الذاتية ، الساسة  منشغلون بما تهيؤه الأطراف الدولية المتصارعة على الأرض العراقية من فتن ورؤى تقسيم وارهاب ،و غير قادرون على معالجة الأمور بمفردهم بسبب ثقل التدخلات الخارجية وبسبب الفايروسات المدمرة التي بثت في الأرض العراقية وغياب المعالجات الشمولية التي تخص مجموع العراق ،وحتى المؤسسات التي ينتخبها الشعب فأنها لاتعمل لأجل العراق بقدر ما تتشظى الى الأتجاهات التي بدأت منها .

إِنَّ فساد النخب في هذه المنظومة ­السياسية الُمعقدة وغير العادلة التي ألحقت ضرراً فادحاً بالشخصية العراقية ومشروعها الحضاري٬أرغمت قطاعات واسعة من المجتمع العراقي على التعايش في إطارها. كما أنها خلخلت­ وعن سابق قصد­ أركان وحدة الشعب العراقي وهزت بعنف بنيان التآخي الديني والقومي للمجتمع وشككت بكل ما هو وطني جامع عروة العراقيين٬ وأطلقت العنان للتطرف والإرهاب والجهل والانعزال واما التضخم في الادارات والمؤسسات فحدث ولاحرج عن الترهل الكبير فيها وكشف تقرير نشرته صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، أن الحكومة العراقية تدفع شهرياً اكثر من 4 مليارات دولار كمرتبات للجيش والمتقاعدين العسكريين، بالإضافة إلى الأعداد الهائلة من موظفي مؤسسات القطاع العام المتضخمة دون انتاج. ولأن مبيعات النفط تشكل أكثر من 90% من عوائد الدولة، فقد انخفضت نسبة هذه العوائد بمعدل الثلث على اعلى الاسعار التي وصلت سابقاً (112 )دولار للبرميل الواحد مع الانخفاض الحاد في أسعار النفط. مع أن أزمة النفط قد جاءت في الوقت الذي يخوض فيه البلد حربا أثرت على استقراره وأمنه وافتقاره للتسليح الحديث والذي يكلف خزينة الدولة ، بالإضافة لفواتير إعادة إعمار المدن المدمرة وفاتورة الدعم لأكثر من ثلاثة ملايين من مشردي الداخل، والذين من المتوقع أن يزداد عددهم مع ارتفاع وتيرة الحرب وخاصة الاستعدادات جارية لتحرير الموصل . وعجزه عن التصدي لمشاكل البلد يتعدى الحدود العراقية، وهذا أفسح المجال لتحويل المشاكل السِّياسيَّة إِلى صراعاتٍ طائفيَّةٍ تتغذى عليها الجماعات التي تعتاش على كراهيَّة الآخرين.

عبد الخالق الفلاح  -  باحث سياسي واعلامي