القصيدةُ الأُنثى المتجدِّدةُ المدهشةُ ، التي لا تذبُلُ أو تشيخُ ، في كلِّ الظُّروفِ ، تعلو الأمكنةَ ، وتلبسُ رداءً أوسعَ من المكانِ الضَّيقِ ، والزَّمان المحدَّدِ بقيدٍ سياسيٍّ أو فكريٍّ أو تقليدٍ تاريخيٍّ ، أمُّها الأرضُ الخصبةُ على مساحةِ الكونِ ، وأبوها رحبُ السَّماء ، تعانقُ الإنسانيةَ ّفي لحظةٍ ما . القصيدةُ الخضراءُ ، ابنةَ الرَّبيعِ المتجدِّدِ ، هي المقيمةُ في ديوانِ الشَّاعِرِ المتألقِ رياض ابراهيم الدليمي . القصيدةُ التي وصلت إلى معارج الجمالِ والحداثةِ ،لا تقيمُ وزناً للمعاركِ أو الصِّراعِ بينَ القصائدِ الثَّلاثِ : العموديةِ ،والتفعيلةِ ، والنَّثريةِ لأنَّها تعلمُ أنَّه سجنٌ مؤبدٌ للشَّاعرِ الوثَّابِ ، وهي القضبانُ الحديديَّةُ ، الَّتي منعتْ تألقَ شعراءَ كثيرينَ في الماضي ؛ بسبب البيئةِ التي علتها طحالبُ الزمنِ ، والعفن الذي غزاها ، جراء القمعِ الأدبي والسلطوي الَّذي كبَّلها ؛ فلا نافذةَ تطلُّ على الآفاقِ الجديدةِ في آداب العالم ،والقيودُ الشعرية الصارمةُ، دفنت مواهب شعراء في مهدها . فالشاعر المعاصرُ ابنُ التَّفجرِ المعرفي ، والتَّاريخِ الفكري والسياسي والثقافي الطويلِ ، فكيفَ يلبسُ جلبابَ الأقدمين ؟! يَغلبُ على نصوصِ الشَّاعِرِ تعاريفٌ ، أو مقولاتٌ( ثلاثٌ : ) الأُنُوثَةُ ،والوطنُ ، والذاتُ الشاعرةُ) وكُلُّها تتماهى مَعَ الداخل (ذات الشاعر ) مع غَلَبَةِ قصائدِ الأنوثة في الأساليبِ الفنيَّةِ .(١) اعتمدَ الشَّاعرُ مصادرَ دينيةٍ وثقافيةٍ ،في بيئةٍ زمانيةٍ ومكانيةٍ ، ثمَّ انطلقَ إلى البشريةِ في ملِّ زمانٍ ومكانٍ ، إلاَّ أنَّ حقلا ً دلاليا كانَ مسيطراً ، على تلكَ المصادرِ وهو حقلُ الرمزِ والأسطورةِ والتاريخ . اعتمَدَ الشَّاعرُ الخطابَ الإبداعي ( أفعال الأمر ، والنَّهي والتَّعجبً والنِّداء والاستفهامِ ) الذَّي يبحثُ عن أُنوثَةِ القصيدةِ المتجدِّدةِ ، الَّتي صيغتْ بلغةِ البداهةِ والذكاءِ تارةً ، والرَّمز والمجازِ تارةً أخرى ، استعارَ فيها مِنَ الموروثِ الثَّقافي الهائلِ ، وابتعدَ عن الصُّورةِ التَّقليديةِ ، الَّتي تُسلِّمُ نفسها للمتلقِّي عادة ً ( في الشِّعرُ التَّقليدي ) راضيةً مرضيَّةً وتسَلَّقَ عرائشَ المجازِ ليقطفَ عنبَ الجمالِ في تموزَ ناضجاً ، في ظُروفٍ من نورٍ ، مُعتَّقةٍ بطعمِ المجازِ الوارفِ ، والاستعاراتِ ، أو تراهُ يلبسُ ثوبَ نحلةٍ ، ويُجهدُ نفسَهُ ، في رحلةٍ مشوِّقةٍ يجني فيها شهدا وعسلاً طيباً. فيأسرنا ، ويدهشنا، بالَّلونِ والصوتِ والحركةِ ، عبرَ لوحاتْ آسرةٍ تخاطبُ حواسَ وفكرَ القارئ الواعي ( السمع ، والبصرَ والحسَّ) .....مثل : ( تسألين عن أوطانِ النَّوارسِ ..، عن شبقِ الشَّمس عن غروب حضوري ، ووهمِ القوسِ قزحٍ أنحتُ شرائطَ الماسِ ..، تدمنينَ المرايا ، أذيبُ الشَّمعَ ، أرمي كراتِ الآه ) وتتسارع الصور في نهرٍ لا يهدأُ كغادةٍ فاتنةٍ ، في كلَّ مناسبة تلبسُ فستاناً جديدا، فتتوقُ لرؤيتها العيونُ وتتلهَّفُ لسماعها الآذانُ .. أمَّا المفردةُ الشِّعريَّةُ ، فتكتسبُ دلالتها من ارتباطها بالتركيبِ الشعريِّ أو الجملةِ الشِّعريَّةِ مثل : ( أتنفس..أراجيح.، السُّهاد ...، السنابل ) في ( أتنفسُ أراجيل السُّهادِ ) ( أمرحُ بأراجيحِ الوقتِ ) (أثملُ برعشاتِ السنابل ) وتغلبُ على هذه الجملِ الرشاقةُ ، والمتانة والخطابيَّة (الأسلوب الإنشائي ) ومن خلالِ هذه الجملِ تنسابُ اللغةُ الآسرةُ عذبةً لينةً ممتنعةً على البسيطِ غيرِ المتمكنِ ، ينثالُ المعنى مطراً غزيراً من سحابةٍ الإلهامِ الخصبةٍ ؛ ليعشبَ في ثرى النفوس نباتاً مورقا ، أو ينثرُ ثمرا لذيذاً ، في كل منحى أو منعطف حسيِّ ( هفهفي ضفائركِ .. كوِّعي حقائبكِ .. شمِّري الذِّراعَ.. كتمتُ الأنفاسَ .. توقَّفَ النبضُ .. ترميَ برقمِ الجوَّالِ .. سأنفثُ روحي بأوردةِ الاتِّصالِ.. سأغنيكِ عصفوراً لم يذقْ طعمَ النَّومِ ) وككلِّ قصائد الأدب الحديثِ ، في الواقعية الاجتماعيةِ الجديدة ، أو الأدبِ الواقعيِّ الاجتماعيِّ الجديدِ ، يهتمُّ بالبيئةِ المكانيةِ والزَّمانيَّةِ ، والتَّفاصيلِ الصَّغيرةِ ، والتاريخِ ، والرمزِ والأسطورةِ ؛ ( لا تتبخترْ أيُّها النَّملُ في حضرةِ سليمانَ (صحف داود .. طرق المغول .. بلاد السِّندِ أفياء جسرِ الهنودِ ....) وحينَ يُحلِّقُ الشِّعرُ تتولى الحواسُ مهمةَ تحريرِ السجناءِ سجنُ الشفتينِ ، واليدين ِ ، والفكرِ من أسرِ الخجلِ ، وجرادِ الخوف ، وعنكبوت الخرافاتِ ، وأعرافِ الزِّمَنِ البائدِ ، وتفرشُ لها سريرَ الرُّوحِ الهاربة من سجن الجسدِ الماديِّ ، فينتفضُ الجسدُ الأنثويُّ ، وتفوحُ منه روائحُ البنفسجِ والخزامى ، في تماهٍ جميلٍ لعشقِ الوطنِ والمرأة والأرض ، وتتولَّى ريشَةُ الحرفِ ، تلوينُ اللوحاتِ الأخَّاذةِ ، يستحضر الشَّاعرُ لتركيبِ المشهدِ الشِّعريِّ الماضي بكلِّ مكوناتهِ ، وعطرُ الأمكنةِ ، ومذاقُ الأشخاصِ واللحظةِ ؛ ( لن تجدي هناك كوثرا أو كنعان أو فرعون ..اعبري الفراتَ..) هكذا ينسجُ الشَّاعرُ المبدعُ رياض إبراهيم الدليمي ، المشاهد البهية الغنيَّة بالجمال ، بخيوطِ النارنجِ وزهرِ السَّوسنِ ، و سلالَ العشقِ السَّاحرةِ ، جامعاً فيها فاكهةَ المجازِ النَّادرةِ النَّاضجةِ ، مخاطباً القارئَ والمستمعَ الواعي والمثقفَ ، مؤمنا بثقافتهِ وحسنِ تفكيرهِ ، ويعطيهِ مهمةَ فكِّ شيفرةِ الرمزِ ، وتحليلِ النَّصِ الشِّعريِّ ، أو تركيبِ أجزائهِ المتناثرةِ لوحةً متكاملةً فنيةً مدهشةً ، فيكتملُ الفنُ بإدراكِ القارئ للنَّصِ وأبعادهِ ومراميهِ ، والتَّأثيرِ بهِ ، فيمنحنا في كلٍِّ نصٍٍّ زمردةَ فكرٍ مضيئةً ، أو فاكهةً روحيةً ، أو يطوفُ بنا في رحلةِ سندباده ، على متنِ قصيدتهِ في بحار عميقة لنلتقطَ لؤلؤا ومرجانَ ، وفي اليابسةِ نصعدُ القممَ حيناً ، ونهبطُ إلى الوديانِ أحيانا . لنستمتعَ برياضةِ الرَّوحِ والجسَدِ . (١) تحولات الدلالة في النص الشِّعريِّ للدكتور هايل الطالب