مرَّ نسيمُ الصداقةِ نديَّا بقربي ، هززتُ شجرتهُ فاسَّاقطتْ من أغصانهِ أوراقُ العطرِ . أغصانٌ مثقلةٌ بعرجون الوفاءِ،أحبَّةٌ تتمايلُ أطيافُ وجوههم في خيالي ، هنا على جسرِ المحبةِ مرَّتْ قطاراتُ أشواقهم حالمةً هنيَّةً ، نقشتْ ذكراهم أغراسَ أخوةٍ و صنوبرَ إخلاصٍ ، و على ضفافهم الخضراءِ غرستني ليمونةً شذيَّةً ثمارها سلالُ الفصولِ ، لايمرُّ بها الخريفُ ، ولا يذبلُ بحضنها الحبقُ .
أصدقاءُ كانوا كبحرِ الحياةِ مدَّاً وجزراً ، بعضهم غادرني عند أوَّلِ منحدرٍ ، رمى حجارة في نهري ، الأوفياءُ تجذًّروا كالسِّنديانِ في قلبي ، قاوموا عواصفَ الزَّمنِ الكالحِ ، عطفوا أمواجَ التنائي .
في ليالي القهرِ كانوا نجوما سنيًّةً ، وفي قحطِ الزمن كانوا خبزَاً لروحي وماءً لنبتي
كم انتشوا بنجاحي وكم أشقاهم ضعفي و انكساري !!
لو فتشتَ جيوبَ قلوبهم لوجدتَ خيباتي وأقماري
نايِّ ضلوعي وأوتارَ حبوري ، أصدقائي كانوا كنيسةَ حبٍّ و إيمانٍ في محرابها تراتيلُ تسبِّحُ الخالقَ ، كبروا في سهولِ مهجتي أشجارَ نخيلٍ جذورهم قدسُ شراييني وقاماتهم في السَّماءِ ، في ظلالهم الوارفةِ قرتْ عيوني ، وهدأتْ رياحُ أحزاني سكنت أوجاعي ، ونبغَ نجمي ، فسمتْ روحي ، بألوانِ قزحٍ لوَّنوا أوقاتي حين اجترَّني اليأسُ و غامتْ نهاراتي ، الْيَوْمَ سقتني أباريقهم شذاً من خمائلِ الماضي الهنيِّ أباريقهم سرمديَّةٌ لا تعطبُ ...
هنا باحوا ، هنا بكوا ، هنا ، ناموا ، و هنا اتَّكؤوا
ما أغناكِ ياجرارُ الصداقةِ وما أشهى عصيركِ
تمطينَ السَّحابِ لتروي عطشي في شتاءِ الحياةِ !!
---------
مرام عطية