كل تلك القصة الرمزية لصراع قابيل و هابيل، و التي تناقلتها الرسالات الإبراهيمية قرنا بعد قرن، و توارثتها أجيال الديانات السماوية شعبا لشعب ، لم تكن كافية، بكل ثقلها الروحي و العقدي، و متخيلها الرمزي... كي تهذب من طبائع الذكور المسكونة بالحقد ذاك الداء القديم في الرجال ، و تحد من هذا المنسوب المجنون من شهوة الدم، و الرغبة في القتل و الحرب و التملك .

و قد تعب كثير من الأنبياء والمرسلين، و دعاة السلام و التسامح و أخلاق بالتي هي أحسن، من الحلم و دعوة الناس إلى فضيلة التساكن و السلم...

كما أن قصائد الشعراء، و فلاسفة ومفكري التحضر، و إعمال العقل و بناء المدن الفاضلة، و مشرعي القوانين، لم يكن حظهم بأفضل منهم !

توالت الحضارات والأديان و النظريات، و طورا بعد طور، و بعد ان قتلت الخرافة و الأسطورة و الآلهة، و مات العقل و إنتهى التاريخ، و حاول كثيرون بعد انتهاء عصر الأنبياء، قتل الله حينا ! و أحيانا فصل الدين عن السياسة، و عن الحكمة، و عن الطب، و عن باقي العلوم الأخرى... ظل الثابث المستمر الذي لم يفصل ليس فقط عن الدين، و لكن عن الإنسان و عن إله كل شعب... مختار او محتار ...هو : القتل و الحرب بإسم كل شيء و بإسم لا شيء !
و كان ذلك الداء القديم الذي يحركه الذكور ( حقد الرجال ) و تحت مسميات عديدة : الطموح . المجد . صناعة التاريخ.... من أجل تلبية ذلك النداء العميق القادم من غاباته النفسية السخيفة و السحيقة التي يتربع فيها الرجل / الصياد، حقده على الطريدة، و رغبته في القتل، و سفك الدماء، و السيطرة على باقي أفراد القطيع !

لذلك كانت دوما جيوش الحروب مكونة من الرجال، و كذا صناع الموت و تجار الأسلحة، ذكورا.

الإناث تلدن و الذكور يقتلون، و ذلك طبع ليس فقط في ذكور الإنسان و لكن في كل الكائنات الحية !

بماذا يمكن أن نفهم كل ما وقع عبر التاريخ، هل حقيقة هي حروب دينية من أجل الجنة و النار ؟ أم هي حروب من أجل تعميم أفكار و اسلوب حياة ما ؟ أم هي الرغبة الجنسية الطاغية و عقد فرويد؟ أم تطور القرود و الانتخاب الطبيعي و كل التفاصيل الداروينية الأخرى؟ أم هو الصراع الطبقي بين مالكي وسائل الإنتاج و الطبقة العاملة و كل تلك الترسانة الشيوعية التي انهارت ذات جدار برلين ! صراع و استغلال كانا قبل ظهور الطبقات نفسها بملايين السنين ؟

كل ما سبق يشكل حقيقة أجزاء من المشهد العام لتاريخ الإنسان على هذه الأرض و تاريخ فضاعاته البئيسة، و اطماعه الحقيرة، التي هجرت و قتلت و نفت و سجنت و اختطفت و اغتصبت و باعت تحت ظل الرق في العصور القديمة، و إتجرت في البشر في العصور الحالية....في ملايين الأطفال و الأسر و النساء و المغلوبين على أمرهم .

هؤلاء الذين جعلوا من سفاحي التاريخ رموزا و عظماء نفخر بهم، في المقررات الدراسية و في حكايات الجدات، و الآن في الأعمال الدرامية، و صنيعة اغلبهم : الحرب و القتل و التهجير .

ذكور في أغلب الحالات بسبب حقد طفولي أو حقد جنسي أو حقد طبقي أو حقد هوياتي ، او عرقي أو لوني او تاريخي او ديني... : كي يبرروا فضاعاتهم السلوكية و جرائمهم ضد الإنسانية و طبول الحروب التي يدقونها .... يسمون كل جريمة قتل فردي أو جماعي يقومون بها حربا مقدسة باسم الله حينا و بإسم الإيديولوجية والسياسة حينا آخر و بإسم الوطنية و الأوطان دائما....

إنه ببساطة الحقد، الداء القديم الذي يسكن الذكور المسيطرة أو المريضة في كل قطيع ! و ما دامت الأمور مستمرة على هذا الحال، و ما دامت الشعوب مجرد قطيع سيستمر القتل و الحرب و إرهاب الناس .

الم تسألوا انفسكم لماذا أغلب المناضلين و النشطاء الحقوقيين، و المشاركين في حركات الاحتجاج و التغيير السلمي : نساء ؟!! و لماذا جيوش القتل و الفاشية و خلايا الإرهاب و الفساد و المافيات ذكور؟!!