الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

6 دقيقة وقت القراءة ( 1190 كلمة )

جرهم .. فنطازيا على هامش التاريخ / د.طه جزاع

 لأعترف أولاً .. لم أقلب صفحات الكتاب السابق لمفيد عباس " كلكم عيوني " على الرغم من استلامي نسخة مهداة منه في وقتها ، والسبب انطباعي الأولي بأن الكتابَ ليس أكثر من منشورات وتعليقات فيسبوكية ، الكثير منها كُتب باللهجة الدارجة ، والبغدادية المحلية تحديداً ، ولم أكن أتخيل بأن مزاجي في القراءة يمكن أن يستوعب مثل ذلك الكتاب الذي يُقرأ من عنوانه الشعبي ، أو أن أضيع فيه وقتاً ، فتخلصت منه سريعاً ! .
ولأعترف أيضاً .. استلمتُ نسختي من كتابه الثاني " جرهم .. فنطازيا على هامش التاريخ " مع بدء هذا العام ، وفي كل مرة حين يقع هذا الكتاب بين يدي مصادفة أثناء ترتيب مكتبتي ، أنقله من خانة إلى أخرى ، إلى أن حانت لحظة المزاج قبل يومين ، فقلت لألقي عليه نظرة سريعة ، وإذا بالنظرة هذه تأخذني بلا توقف بين صفحات " جرهم " الرواية الفنطازية الشعبية الهزلية الساخرة ، التي تضطرك لأن ترضخ لشروطها مقابل المتعة والتشويق والطرافة والجرأة والخيال الجامح ، وشروطها بسيطة للغاية : لا تكن مُعَقداً ، ولا متصلباً في اللغة ، واترك قواعدها ، فلا إنَ تنصب المبتدأ ، ولا كانَ ترفعه ، ولا حروف الجر تجرُ . ولا تكن محدود الخيال ، فلا تستوعب كيف يمكن وجود الموبايل والفيسبوك والستلايت ورياض الأطفال وبقلاوة أبو عفيف في السنوات الأولى للهجرة النبوية ؟ . والأهم من ذلك كله أن تسقط حسابات المكان والزمان ، والمعقول واللامعقول على ما تقرأ ، ذلك أن مفيد عباس قد أسقط ذلك من حساباته ، فبات مغرداً ساخراً على راحته ، يتنقل بين مكة والمدينة ومضارب بني دوئل ، وبني حسحسة ، وعرعر ، ومعسكر المحاويل ، والمشخاب ، ويسخر من الحاضر تحت عباءة الماضي ، فلا أحد يمكن أن يعاتبه أو يلزمه الحجة ، ولا خطوط حمر توقفه عن التوغل في خياله الفنطازي المنفلت بلا حدود ، فالرواية هي في النهاية تخيلية هزلية شعبية ، وإن كنت تخشى الحديث بصراحة عن التاريخ .. فنطزه ! ، بل أن عباس احتاط لأي نوع من المخاطر حين نوه في بداية روايته إلى أن : " الشخوص الرئيسية في هذه الرواية من وحي الخيال .. وليس لهم وجود تاريخي فعلي .. كما هي أحداث الرواية " .. فالشخوص إذن والأحداث كلها من وحي الخيال ، وهي بحق لعبة ماهرة ، تحتاج إلى نمط من الكُتاب اللماحين الأذكياء ، الذين يمتلكون حزيناً معرفياً تاريخياً جيداً ، وجرأة بالغة في الاقتراب من محرمات لا يكون الاقتراب منها هيناً ، لو كتبت في أي اسلوب آخر غير هذا الأسلوب الذي توفرت عليه لعبة " جرهم " المغرقة في الخيال والفنطزة والسخرية . وهي لعبة ذهنية ذات استخدام مزدوج ، تُلعب مرة للهروب من التاريخ الخطير إلى الحاضر ، وأخرى للتملص من الحاضر الخطير بالهروب إلى التاريخ ، ومفيد عباس سعيد بلعبته هذه ، لأنها في النتيجة مجرد فنطازيا على هامش التاريخ . ومن يحاسب المجنون على جنونه ، ومن يحاجج المتفنطز بسبب فنطزته على هامش التاريخ ، مع أنها في صلب التاريخ ؟ ! .
دع ذلك كله ، واستمتع بواحدة من أجمل الروايات الشعبية الهزلية التي كاد فنها أن يغيب عن المكتبة الأدبية ، لتكتشف أن الرواية الشعبية المحكية باللهجة البغدادية المحلية ، وبسردية الخيال والشخصيات المبتكرة ، والأحداث اللامعقولة ، يمكن أن تجد لها جمهوراً واسعاً من القراء ، على يد كاتب مبهر في خياله الفنطازي الجامح ، كاتب ساحر يدفع قارئه لأن يضحك مع كل صفحة من صفحات الرواية ، حتى إذا انتهى منها ، بقيت شخوصها وأحداثها وأماكنها تداعب خياله ، بعد أن نجح في مهمته الفنطازية التي اصطحبنا فيها عبر أكثر من ألف وأربعمائة عام في قوافل على ظهر حصان أو جمل ، نتنقل بين مدن التاريخ الإسلامي ، لكن من دون أن نتخلى عن أجهزتنا الإلكترونية الحديثة ، ورسائل المسج على تلفون " الگلاكسي " ! .
وجرهم بن كُليب الخزاعي ، كما يعرف نفسه ، كان يمتلك دكاناً في مكة لبيع الآلهة ، وكان يحب حنتمة بنت عياض المخزومية ، وهي بائعة لديها " بسطية " مقابل دكانه : " تبيع كفشة الاذرة للچلاويهم تعبانة ... صيدلانية مال ذاك الوكت " وفي هذه الأثناء دخل الإسلام مكة فأصبح عمل " جرهم " محظوراً وخطيراً ، فقام بجمع تماثيل الآلهة ودفنها لعله يحتاجها إن تبدلت الأحوال ، ثم فكر بتغيير عمله فكلف أحد الخطاطين ليخط له لوحات من الآيات القرآنية ، مثل آية الكرسي وعبس وتولى ، عرضها للبيع في محله مع " بطالة مي زمزم " بعد أن أخفى تماثيل آلهة قريش . أما حبيبته حنتمة فقد تحجبت ، وتخلت عنه ، باتجاه أريقة المضمد : " لأن چان يبوگ سبيرتو ولفافات من المستشفى العسكري ويجيبلها " . هههههههههه . وفشلت كل محاولاته في استمالة حبيبته التي تخلت عنه ، فأرسل لها " مسج " على تلفونها دون فائدة ، ورسائل على صفحتها في الفيسبوك التي تحمل اسم " توته الحنفوشة " لكنها كانت قد عملت له " بلوك " ! ، إلى أن يئس لتحدث مصادفة يتعرف فيها على حبيبة جديدة هي جمانة بنت بديل الدئلية ، من بني دئل بن بكر : " وهذولة علاقتهم بخزاعة كلش خربانة " و " عمامي وعمامها صاير بيناتهم كسر عظم " ، فسأل " جرهم " الذي باتت جمانة تناديه " جرهومي " وهو يناديها تدليلاً " جمنمن " عن كبير بني دئل بن بكر ، فقالوا له أنه صمصم بن قنيدح الدئلي : " فتذكرته ، هذا جان كلما يجي لمكة حتى يحج ، يشتري من عندي تشكيلة مال آلهة ، يوزعهن كصوغة مال بركة ، وچنت أنطيه فد قطعة أو قطعتين ( العزة ومناة ) كهدية ، لأن چان ميشلع گلبي بالعملة ، وبما انه الجماعة بعدهم مداخلين الاسلام ، خلي اطلع الگونية مال الاصنام اللي دفنتها البارحة جوه المرجوحة ، واخذها بيدي هدية الهم ، ووياها بقلاوة من ابو عفيف ، بلكي صمصم يوافق وينطينياها "! .
باستطاعتي أن أتوغل بعيداً في أحداث الرواية ، فلا مانع من قراءتها ثانية ، لأنها بمثابة وصفة كتابية لتعديل المزاج إن كنتَ متعكر المزاج ، فهي تسرق الضحكة من بين شفتيك شئتَ أم أبيتَ ، وما ذكرته من بعض مقاطعها باللهجة العامية التي كتبت بها ، إنما ذكرته لتكون فكرة عن لغة الرواية ، التي هي ليست مجرد نكات ومواقف هزلية طريفة ، بل هي تجمع خيوطها في حبكة روائية متقنة ، وتسلسل للأحداث ، وفيها مفاجآت درامية ، ومفارقات لا تخطر على بال ، صاغها مفيد عباس بصبر وبراعة مذهلة على تطويع اللهجة المحلية لكتابة رواية تاريخية هزلية فنطازية – سمها ما شئتَ – لكنك حين الانتهاء منها ، لن تشعر بالأسف لأنك أضعت فيها وقتاً أو جهداً . وكان د . طريف كامل الشيبي محقاً في التمهيد الذي وضعه للرواية حين كتب : " سيبقى جرهم رغم كونه حجازياً جاهلياً مرح الطبع بغدادياً منفتحاً ، تمر به المنايا والمتغيرات الاجتماعية والسياسية والدينية القاسية مرور الكرام ، فهذا الجرهم لينٌ سمحٌ لا ينكسر ، انه نموذج للفرد الانسان ، الذي يريد ان يعيش يومه مقبلاً على الحياة ، يمنح الحياة قيمة ومعنى مهما كان الظرف " .
لا يحتاج قاريء هذه الرواية إلى قدر كبير من النباهة ، ليتوصل إلى أن " جرهم " يمثل الشخصية المدنية المعاصرة ، التي تريد العيش بأمن وسلام ، بعيداً عن الحروب والغزوات والاقتتال ، وسيجد ذلك في مواقف كثيرة ، يواجهها جرهم في بلاد الحجاز ، أو بعد انتقاله إلى مدينة المشخاب في العراق ، بعد أن وصفوا له جمال هذه البلاد ، وكثرة خيراتها ، وطيب ثمارها . مثلما سيجدها في حياته الاجتماعية التي يرغب أن يصونها بالحب وتدليل الزوجة الحبيبة ، والشعور بالجمال ومتعة الحياة ، من دون أن ينغصها أعداء الحياة .

الديك.. والكلب.. والأغنام.. والراعي.. والمهمة الإس
فريق علماء دولي في تقرير متشائم: الكارثة على الأرض

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
السبت، 17 نيسان 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://www.iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الإثنين، 30 تشرين2 2020
  819 زيارة

اخر التعليقات

زائر - Anitha حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
16 نيسان 2021
اسمي Anitha من الولايات المتحدة الأمريكية! قبل ثلاث سنوات تم خداعي وفق...
زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - مصطفى محمد يحيى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
04 نيسان 2021
شكرا جزيلا [Freedom Mortgage Corp ؛ البريد الإلكتروني على: usa_gov@out...
زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...

مقالات ذات علاقة

أعلن منذ قليل اسم الفائز بالدورة الـ 13 للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر"، في القن
921 زيارة 0 تعليقات
قرأت الكتاب الذي بين يديك سنة بتاريخ: الثلاثاء 28 رجب 1438، الموافق لـ 25 أفريل 2017، ولم
800 زيارة 0 تعليقات
كتب : عبد الواحد الورد  ضيّف نادي الكتاب في محافظة كربلاء، الناقد والباحث مؤيد عليوي،
1126 زيارة 0 تعليقات
منذ عتبة المجموعة وعنوانها "اصيغُوا الانتباه: ما حولنا يهمس!" التي تضيء معبرة بوضوح عن قصص
930 زيارة 0 تعليقات
صدر حديثاً في بغداد وعن ‏دار ضفاف للنشر كتاب جديد بعنوان (يا حبيبي يا رسول الله محمد) وهو
770 زيارة 0 تعليقات
في كتابي الصادر عن دار كتبا للنشر ، صدرت لي وراية في ديسمبر لعام 2019 باسم قنابل الثقوب ال
770 زيارة 0 تعليقات
رعد اليوسف / شبكة الإعلام (اجراس الذاكرة ).. هو الكتاب الجديد الذي يحمل الرقم ( 14) ، في م
842 زيارة 0 تعليقات
جرس الالفاظودلالتها في "تحت نصب الحرية" إنموذجا   أن النصوص الشعرية التي تتماهى من شع
635 زيارة 0 تعليقات
عمان/ الأردن:  أصدرت دار أمواج للنّشر والتّوزيع الأعمال القصصيّة الكاملة للأديبة د. س
544 زيارة 0 تعليقات
كتب : محمد ناصر المولهي - تونس الشاعرة التونسية إيمان موسى : أنا في رحلة صوفية داخلية دائم
782 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال