لا اريد العتب على الاعلام عندنا ، فهو مشغول بمجالات شتى ، في بلد ضبابي النزعات ، لكني اعتب على وسائل التواصل الاجتماعي ، كونها مرآة الاغلبية الصامتة ، ومبعث العتب ، نسيان صفحات التواصل الاجتماعي ذكرى ولادة الرمز الاجتماعي الكبير الذي اطلقتُ عليه في مقالات سابقة ، لقب ( فتاح فال  العراق)  الذي قرأ مستقبل الوطن ، هو الفنان الاستثنائي "عزيز علي" تولد ( 1/ 12 / 1911 ) .. فالذي نُشر على ضفاف الذكرى ، بسيط ، لا يتماهى مع عبقرية هذا الانسان ..  

ان الاحتفاء بذكرى ولادة الرموز الوطنية ، هو احتفاء  بذاكرة الشعوب الحية ، كون ذلك يمثل الماضي الذي يكوّن جوهر الحاضر و كنه المستقبل ، وإذا كانت الفلسفة قاطرة العلوم ، فإن الذاكرة أمها لأنه لا وجود لأي علم من دونها ، وحين اشير الى فنان الشعب " عزيز علي " طيب الله ثراه ، فلأنني  وجدتُ  فيه ، رمزا عراقيا ، حفر في وجداننا ، أسماً وموقفاً وظاهرة ، ما لم يستطع غيره ان يحفره .. صوته وألحانه وزجله وشعره ، يلف سماء العراق بشكل عجيب ، حتى كادت " مونولوجاته " تضحى لازمة يرددها الأبناء ، مثلما رددها آباؤهم وأجدادهم ، وهذا لم يحصل إلا لقلة من النوادر الفنية .. وكان "عزيز علي" أهم تلك النوادر !

وهذه الوشائج التبادلية بين الابداع  والمجتمع ، تمثل تجسيدا حياً لروح سمحة ،  ترتقى دوما إلى أعلى  ، ولا تنحرف أبداً إلى أسفل .. مؤكدة ان  الابداع هو غذاء العقل ، وهو يجعل الفرد  اكثر رقيا من خلال طرح ما يريده ، على طبق انساني ، بعيد عن الانانية والكره والنميمة ، حيث وظًف هذا الفنان الأهزوجة والأمثال الشعبية والقصة والطرفة في حبكة شعرية ، مبسطة مفهومة وجميلة ، وما تزال "مونولوجاته" حاضرة في الوعي العراقي لصدقها والتزامها الوطني ومقاربتها هموم الناس وآهاتهم اليومية .. وقد قال يوماً في حديث ، انه لم يذهب الى مجتمع الكبار، رغم الدعوات الكثيرة التي كانت ترده لأن عقيدته كانت تتعارض مع مصالح اولئك ، اضافة الى انه لم يسخّر فنه للارتزاق والكسب والثراء ولو " فعلت ذلك لأصبحت مليونيراً "

رحم الله هذا الفنان، الذي قرأ واقعنا قبل اكثر من قرن!