الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

3 دقيقة وقت القراءة ( 675 كلمة )

أحمد النيروز – البصير / د. حامد تركي هيكل

 بين الشارع العام الذي يربط البصرة ببغداد مرورا بالعمارة والكوت من جهة الغرب، وبين شط العرب من جهة الشرق، يمتد شريط عميق من غابات النخيل الكثيفة، تتخللها الأنهار، وتوشّي وسطها تماما القرى الصغيرة الوادعة. يبدأ هذا الشريط من القرنة و ينتهي عند حافة البحر المالح في الفاو. خضابو واحد من تلك الأنهار، بل هو أهمها. لماذا هو أهمها؟ سأقول لكم، ببساطة لأنه نهري الذي عرفته، ولم أعرف غيره. ربما لأنه في هذه البقعة من العالم يوجد ما لا يتوفر في غيرها. هي قرية بين طريقين عظيمين، طريق جديد آخذ بالتغول والاتساع. يزداد هديره يوما بعد يوم، وترتفع ضوضاؤه، ويزداد قسوةً مع مرور الأيام. ينجذب الناس اليه مأخوذين بسحره، أو بجدته، أو ربما بسرعته، ذلك هو طريق السيارات المتحرّك جهة الغرب، وطريق آخذ بالضمور، تتناقص سفنه كل يوم، يكاد الناس ينسونه بعد أن كان منذ مدة ليست بالبعيدة شريان الحياة المتدفق، والدرب الذي يسلكه الناس مغرّبين ومنحدرين، ليس لهم من سبيل غيره.
خضابوه أهم مكان في العالم، على الأقل بحسب علمي! حين كنت في السابعة من العمر! هي عالم تتجاذبه قوى متعاكسة لا تهدأ حربها أبدا. الموت والحياة، الاستمرار والزوال، الاستقرار والحركة، الصيف والشتاء. هي مكان التنوع بكل ما للكلمة من معنى. صيفاً يعجُّ بالأعراب القادمين من الشمال للاشتراك بموسم التمر الوفير، يبنون أكواخهم على حافة البساتين، وتنتشر نساؤهم الجميلات اللواتي تعبق منهن روائح الرشوش والخضيرة، يتراقصن في مشيتهنَّ، ويضفن الى خضرة المكان ألواناً صارخة متنوعة. ويفدُ أيضا البدو بجمالهم وخيمهم وأشعارهم، ويفد المعدان بزوارقهم وأبلامهم المحملة بكل ما يخطر على بالك من سلع، كالرقي، والملح، وأواني الفخار، والسمك المسفوط المملح، واليقطين. يبادلون سلعهم بالتمر، ويتشاركون خبزهم وقصصهم وقصائدهم. وحين يحلُّ الخريف يغادرون. لا يبق منهم سوى رماد مواقدهم حيث خبزوا، وذكرى العيون الكحيلة، والأكف الموشومة الغضّة، والحلي التي تزيّن الأذان والأنوف والرقاب والمعاصم والسيقان! تبقى ترنُّ في الخيال حتى موسم التمر القادم. بل ظلَّت ترنُّ حتى الساعة!
خضابوه قصة لا تنتهي أبداً. رغم أنها مرت سريعة كحلم، واختفت من الوجود تماماً، الا أن غرائبها ما زالت لم تكشف بعد. ومن غرائبها التي تثير الدهشة ذلك الرجل الأعمى، أحمدالنيروز.
هو رجل ضئيل البنية، نحيف، عيناه محجران خاليان الا من فصّين أبيضين كما لو كانا حجرين. لازلت أتذكر وجهه الذي تعلوه ابتسامة خفيفة، وتحيط به هالة من الثقة بالنفس عجيبة. وجه أحمد النيروز متجه الى جهة ما، فهو لا يحتاج أن يوجّه وجهه باتجاه حركته، فلا حاجة له بذلك، لأنه لا يرى ببساطة.
يحمل دائما عصا خفيفة، هي طرف سعفة جرّدها من الخوص، هكذا ببساطة. يتلمّس بها جذوع النخيل والتراب حين يسير. ولأحمد النيروز قدرة عجيبة على صعود النخل، وبإمكانه أيضا العثور على الهنابيش الصُفْر، يلتقطها بخفّة من العذوق التي ما زالت خضراء. كيف يمكنه فعل ذلك وهو الضرير؟ لا أحد يعلم.
ولأحمد النيروز قدرة عجيبة على تعيين حدود بساتين الناس. ليس هناك علامات ،وليس هناك جدران ولا أسيجة، بل هي مجرد حدود وهمية تعارف عليها الناس، فهذا الطين لك وهذا لي، وهذه النخلة لفلان وهذه لعلّان. المبصرون عادة ما لا يعرفون تلك الأسرار سوى أصحابها العاملون عليها كل يوم. ولكن أحمد وحده يعرف الحدود دون ان يراها. وهو يسير أيضا على القناطر المتأرجحة والجسور الضعيفة المتكوّنة من جذوع النخل فوق السواقي .
ذات ليلة حالكة الظلام ممطرة، جاء عمّي من سفر بعيد. ونزل قبالة القرية من السيارة التي أقلّته. ولكن كيف له أن يصل البيت القابع وسط غابة النخيل؟ كيف له أن يسير تحت المطر في ظلام دامس؟ وكيف له أن يعبر القناطر؟ كانت تلك مهمة لا يقدر عليها أحد. الا أن فكرة عجيبة خطرت بباله تلك اللحظة. فتلمس طريقه بصعوبة بالغة صوب بيت أحمد النيروز الذي كان قريبا. إصطدم بالجدران الطينية المبتلة، وتعثر بالشجيرات، وارتطم بجذع نخلة. ولكنه وصل الى باب أحمد بشق الأنفس، كان يهتدي بما يصل اليه خافتاً متقطعاً خاطفاً من ضوء مصابيح السيارات التي كانت تمرّ في الشارع العام الذي صار بعيداً، طرقه، فتح أحمد بابه، وعرف الطارق على الفور، وعرف مطلبه. ها حاج! تريدني أن أوصلك الى بيتك الليلة؟ ثم قاد الضريرُ المبصرَ بخفّة ورشاقة وسلامة عبر الغابة السوداء، حيث لا نجم ولا قمر. سار أحمد تلك الساعة متأبطاً يد الرجل يقوده كما لو كان ضريراً، يسير في تلك الليلة الحالكة كما يسير دوماً، فلا فرق لديه إن حضر الضوء أم لم يحضر! أوصله الى بيته وقفل راجعاً! لا يلوي على شيء!

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الأحد، 09 أيار 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://www.iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الجمعة، 25 كانون1 2020
  451 زيارة

اخر التعليقات

زائر - Aaron Perez حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
02 أيار 2021
لقد كان من الرائع معرفة أن هناك شخصًا ما يعرف عن السقوط والوقوف من جدي...
زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...
زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...

مقالات ذات علاقة

أظلل عالصديج وعلي ماظل وينه العن طريجه اليوم ماضل أغربل بالربع ظليت ماظل سوى الغربال ثابت
1 زيارة 0 تعليقات
لا أظن أن مكتبة بحجم قصر شعشوع، بإمكانها احتواء ما دوّنه النقاد والكتاب بحق ماسكي زمام أمو
2 زيارة 0 تعليقات
ما منْ إمرءٍ او حتى " نصفَ امرءٍ – مجازاً " إلاّ وصارَ على درايةٍ كاملة وإحاطة شاملة بمتطل
101 زيارة 0 تعليقات
في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين كان العراق يئن تحت سياط الظلم والقمع والبطش، عل
111 زيارة 0 تعليقات
سوف ندافع عن السنة, كما ندافع عن الشيعة, وندافع عن الكرد والتركمان, كما ندافع عن العرب, ون
111 زيارة 0 تعليقات
اعتدت منذ فرض الحظر الجزئي ان أغادر مدينتي ظهر الخميس إلى أحد المدن او المحافظات لاقضي أيا
115 زيارة 0 تعليقات
حياة الإنسان مليئة بالتجارب والدروس والمواقف عبر التاريخ، خيارات متعدّدة تصل إليك، إما أن
119 زيارة 0 تعليقات
عندما يجهل الانسان حقيقته يكون من السهل استغفاله ، واسوء شيء عند الانسان عندما تكون اوراقه
158 زيارة 0 تعليقات
هنالك من الأحداثِ احداثٌ يصعبُ للغاية تزامنها في تواريخٍ بذات يوم حدوثها , وهي ليست بقليلة
163 زيارة 0 تعليقات
طبيعة السمات البشرية متغيرة ، مختلفة من انسان إلى آخر ، متناقضة أحيانآٓ ، ما بين الظاهر م
163 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال