رواية "وشم الروح" لسماح عادل من مصر، كان الجندر الاجتماعي فيها متساوي المشاعر والمواقف بين البطلة (جوليا) و(غسان) حبيبها وقد جرى اغلب ذلك التفاعل في الشقة بيت (جوليا) من خلال توظيف المؤلفة سماح عادل التقنية الحديثة في السرد العربي إلا وهي الحوار بين (جوليا وغسان) في(الفيس بوك) ليؤدي الحوار الروائي وظيفته الفنية من السرد في تبئير داخلي لشخصية ( جوليا وغسان) وإلا أن تفاعل( جوليا) البطلة في شقة الزوجية، كان أكثر واقوى ومؤثر في شخصيات الرواية كلها ومنها شخصية (غسان)، لقد كان الحوار في ( الفيس بوك) يعبر عن التواصل الروحي المعرفي ذو النزعة الوجودية الواقعية فـ(جوليا) كانت منتمية للحزب يساري و(غسان) ليبرالي التفكير، يبحث عن حريته الفردية ويحترم المرأة، ولهما موقف واحد سياسي - اجتماعي من الواقع عبر مشاركتهم في التظاهرات السلمية سنة 2011 وما تلاها ،ثم تركا السياسة، وحين نعلم أن(غسان وجوليا) ليسا اسمين حقيقين للشخصيتين، وكانت(جوليا) هي البطلة ولها الفعل المؤثر في السبق الى هذا التسمية لهما، ليشكل سيميائية وعلامة رفض في السرد، رفض بنية تفكيرهما للواقع المصري، بما يتجلى الى رفض الواقع اليومي للمجتمع الذكوري وما أنتجه من سطوة على الحرية الفردية للرجل والمرأة، كذلك رفض للصراعات زائفة مفتعلة بفعل فاعل بين المسلمين والمسيحين تلك الظاهرة الواقعية وأول ما تتجلى في الاسماء أحيان كثيرة..، لقد كانت شقة (جوليا) المتزوجة ولها مُولدان، اجلسها زوجها عن العمل في البيت دون رغبتها، وكانت صورة الرجل (سي السيد) تتجسد في زوجها، لكنها لم تكن تهدأ وظلت تلوم نفسها وتصبر على زوجها من أجل طفليها، تؤدي واجبها كاملاً اتجاه زوجها دون رضا منها، كما تؤدي واجبها اتجاه طفليها، مجبرةً نفسها المنكسرة لفترة وهي تفكر بالطلاق منه، لذا كانت شقتها مكان غير اليف لها بسبب وجود زوجها، وفي ذات الوقت ليس معادياً لوجود طفاليها، لذا كانت شقتها محط اضطراب نفسي بسبب عدم تحقيق ذاتها لرغباتها في زوج تحبه هي تختاره، ورغبتها في مواصلة عملها الذي أجبرت على تركه، مما سبب بقائها قلقة في الشقة طوال يومها، فتولّدت لديها رغبة التعويض عمّا لم تحققه ذاتها الانسانية، لتعوضه في حالة نفسية وهي كثرة تناولها الطعام بشراهة فـذهبتْ رشاقة جسدها وزاد وزنها وهذا يوضح اهمال ذاتها لموضوعة الممارسة الجنسية مع زوجها، نلحظ اهتمامها بجسدها ورشاقتها لتكون هيفاء رشيقة

امام حبيبها (غسان)، وقد جاء تعويضها بالطعام عن حالة عدم استمراراها بعملها وعدم رغبتها بممارسة الجنس مع زوجها لكنها تمارسه معه دون رضا منها وكأنه بغاء أجبرها عليه المجتمع الذكوري[1]، ومن جهة ثانية لم تسفعها ثقافتها التي حصلت عليها عندما كانت يسارية بوصفها أكثر الجهات السياسية تهتم بالثقافة، لم تسفعها ثقافتها في التعامل مع موضوع شراهة الطعام[2] لأن عقلها مخزن المنظومة المعرفية والثقافية والخبرات المكتسبة في البشر، إذ كان عقلها منشغلاً بصبرها وكيفية بقائها في الشقة من أجل طفليها وما ستؤول اليها حياتها، وتفكيرها بالبحث عن بديل حتى وجدت(غسان)،بينما صار عقلها أكثر انشغالاً في كيفية تعاملها معه(غسان) والزواج منه فيما بعد فكانت قلقة أيضاً، لذا فضاء شقة( جوليا) فضاء قلقاً مما زاد شراهتها لتناول الاطعمة حتى بعد معرفتها بـ(غسان) عبر (الفيس بوك) من جهة التعويض عمّا لم تحققه ذاتها، فكانت الشقة/ مكاناً تكتم فيه (جوليا) أوجاعها فهي لا تتصل بالنسوة في الشققالمجاورة من سكنة العمارة، منكفئة على طفليها وزوجها في بيتها العمودي تعاني فيه من انغلاق نفسي مركب، انغلاق من الفضاء الخارجي المادي ومن داخل الشقة انغلاق داخلي مادي بين المطبخ وسرير الزوجية والاطفال، وفي هذه الاجواء المعتمة لنفسية(جوليا) في الشقة لم يكن لها منفذ اتصال مع الفضاء الخارجي سوى (الفيس بوك) لتتحوّل عتمتها النفسية الى غائم جزئي، حتى وصلت نفسيتها في قرارها بـأن تختار (غسان) للحوار معه بسبب انغلاق نفسها عن الحوار مع زوجها الذي لا يفسح مجالاً لحوارها أو حتى التعامل بلطف معها في مجريات يومية داخل المكان /الشقة، فكانت هي من بدأت الاختيار واسمت نفسها (جوليا) وطلبت حوار (غسان) (في الفيس بوك) وهي لا تعرفه مسبقاً، وانتظرت يرد عليها حتى توصلاً الى الزواج فيما بعد أن نالت طلاقها من زوجها، في تفاعل نفسي أثمر صحة اختيارها لـ(غسان) الذي رفضها في البداية لأنه لا يريد لها أن تتطلق وتنفصل زوجها وأطفالها، وبقية هي تحاول لوحدها حتى حصلت على طلاقها ثم عاودت الاتصال بـ(غسان)، في صراع بين ما تريد من حرية اختيار الزوج وبين موقف (غسان) الرافض أن يكون سبباً في طلاقها، لقد كان انفتاح الداخل النفسي لها على نافذة التواصل الاجتماعي مع (غسان) الذي كانت تبحث عنه فلو لم يكن (غسان) سيكون غيره فهي تريد التنفيس عن داخلها النفسي المغلق في قوة من شخصيتها ومن منظومتها المعرفية والفكرية والثقافية، فلم تكن عرضة لذئاب (الفيس بوك) من الذكور أو الشذوذ الجنسي بأنواعه الذي يتغلغل الى المرأة من خلال حالتها النفسية وحاجتها للحوار، حيث يرى باشلار أن ضرورة الانفتاح النفسي على الفضاء الخارجي تكون بسبب انغلاق نفسي ومكاني وانغلاق (جوليا)في شقتها كان انغلاقاً مكانياً حيث لم تخرج الى الشارع أو بيت أهلها لمدة طويلة، كما ان انغلاقها النفسي عن زوجها وعدم وعيه لجوهر أنوثتها ومستوى ثقافتها وتعطيلها عن العمل كان السبب في انفتاح الداخل النفسي لها على الفضاء الخارجي عبر نافذة (الفيس بوك) مع غسان. لقد جسدت رواية "وشم الروح" لسماح عادل شخصية المرأة القوية التي تتجاوز واقعها اليومي المعاش بعد أن فرضتْ عليها ذكورية المجتمع من اعرافه وتقاليده واقعاً لم تكن ترتضيه في بيت الزوجية والحياة العامة، فكانت (جوليا) من الشخصيات الروائية التي طالب بها النقاد الرواية النسوية كثيراً لتكون الانموذجللمرأة الشجاعة القوية التي تتجاوز اعراف وتقاليد المجتمع الذكوري، وغير المضحوك عليها من اجل جسدها، في الرواية العربية النسوية فتتضح قوة (جوليا) في سرير الزوجية مع (غسان) حيث هي مَن تحقق رغبتها فيه ثم هو في لغة سردية تساوى فيها الجندر لوصف مشاعرهما، حيث انتفت الصورة المرأة المنكسرة في كل شيء وانها مجرد للسرير الشرقي أو تهرب منه للضد الغربي تفكيراً ومكاناً، كما تُوصف المرأة بهذه الصفة في أكثر روايات المرأة العربية[3]، فكانت (جوليا)النموذج الروائي النسوي الذي تجسدت فيه البطلة بموقف ايجابي وبمشاركة حبيبها وزوجها(غسان) في حبّ طفليها واحتفاظها بهما، فلم تكن هي تقوده ولم يكن هو يقودها بل كانت روح واحدة في جسيدهما تحركهما معاً في تفاهم وانسجام، ما يميز شخصية (جوليا) أنها تتحرك بثقافة وواقعية وحبّ وثقة كبيرة، وليس بعاطفة أو نزوة عابرة لذا كان تفاعلها في شقة زوجها الاول تفاعلاً ايجابياً فيه ثقة وقوة شخصية لها، حيث كان وعيها بأنها مُستلبة بسبب ذكورية المجتمع التي زوجتها أول مرّة، ثم طلاقها من الذكورية الخاصة في الشقة بمساعدة اهلها حيث ابناء العمودي والشقق فيه تمثل بما يشبه الحارة الواحدة فيها تذوب بعض الخصوصية فتتداخل التقاليد والعادات في سلوك الناس الساكنين فيها لذا نراها لم تختلط بذاك المجتمع رافضة تقاليدية الذكورية، ثم بعد طلاقها اتفقت مع(غسان) على الزواج[4]، ليكون مضمون الرواية يلتصق بعنوانها "وشم الروح" في تعاشق روحيهما وجسديهما وسعادة حرية الاختيار.

في حين يمثل البيت الافقي خارج ازدحام الحارة وتتداخل علاقتها الحميمية، يمثل تلك الخصوصية الشخصية الكاملة بما يشير الى خصوصية الممارسة الجنسية، بما يشير الى حرية المرأة (جوليا)ولقائها بـ(غسان) تفاعلهما جنسياً في البيت الافقي الذي مثل نقلة نفسية لـ(جوليا) عن شقة طليقها، فكانت هي المبادرة للفعل الجنسي لأنها هي مَن عشقت ومَن اختارت أن يكون زوجها(غسان)، إذ الشقة تعني نمط علاقات تخضع للسلطة الذكورية العامة، لأنها مجتمع متقارب تمسكه تلك المظاهر أو التظاهر امام الناس كما في السرد الروائي، تلك العلاقات التي تحتاج الى الصبر والثقافة والثقة العالية والفكر الواقعي مثلما تجاوزتها شخصية(جوليا)دون أن تخسر نفسها، ونلحظ تحقيق ذاتها لرغبتها حتى من خلال اللغة التي جسدت اُنوثة لغوية مطلقة كانت في اعلى منسوب لها من الرواية في ابتكار حوار خاص بـ(جوليا وغسان) في سرير لقائهما، فتغيرت اللغة والحوار بتغير المكان من الشقة في العمودي الى البيت الافقي فيه التفاعل وتحقيق ذاتها الادمية .


[1]- ينظر : مبغى المعبد ،عبد الرزاق جبران،مؤسسة الانتشار العربي، بيروت ، 2010، ص :10 .

[2]- ينظر : جريدة الصباح ، عدد يوم 10 /3 / 2019 ، بغداد ، الطعام والثقافة ، لحميد المختار، أفاد المتن النقدي منه، في علاقة الطعام بالثقافة والجنس،ولم يشر لعلاقتهن الثلاثية هذه بموضوعة عدم تحقيق الذات الانسانية لرغباتها كما جاء في المتن هنا .

[3]-ينظر: رواية المرأة العربية من 1990 الى 2007في ضوء النقد النسوي، ص : 104 – 112.

[4]- ينظر: رواية المرأة العربية المصدر نفسه : ص: 105.