في خضم التغييرات الكبيرة في العالم العربي قد لا يتذكر هذا الجيل شخصية مصرية كانت لولب العمل العربي هو المرحوم عبد الخالق حسونة الامين العام للجامعة العربية من عام 1952 ولمدة 20 عاما.
ذكرني اليوم الفيسبوك ان يوم 20 كانون الثاني ذكرى وفاته عام 1992 عن عمر 93 عاما
هاتان صورتان من مجموعة صور لقاءاتي به كصحفي خلال زياراته لبغداد في فترة عمله في الجامعة.
جاء الى بغداد لحضور مؤتمر وزراء الخارجية العرب يوم 30 كانون الثاني عام 1961 وهو المؤتمر الذي دعا الى عقده رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم لجمع الشمل العربي.

** جهود لحث تونس على العودة للجامعة
وفي لقائي بالامين العام للجامعة اشاد بدعوة العراق لعقد المؤتمر فيه لبحث عدة امور ومنها الجهود العراقية لعودة تونس الى الجامعة واقناعها لحضور المؤتمر بعد قطيعة استمرت عدة سنوات
وكما هو معروف فان جامعة الدول العربية التي تم توقيع ميثاقها بالقاهرة في 22 اذار 1945 من قبل سبع دول عربية مستقلة آنذاك، هي مصر، وسوريا، والأردن، والعراق، ولبنان، والمملكة العربية السعودية واليمن، نشأت في غياب تونس وجميع دول المغرب العربي التي كانت وقتئذ ترزح تحت نير الاستعمار.
وعلمت من الامين العام عبد الخالق حسونه ومما نشر في الصحافة التونسية وغيرها ان الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الذي تولى وزارة خارجيتها سنة 1956 بعد الاستقلال ثم رئاسة جمهوريتها سنة 1957، لم يقرّر انضمام تونس إليها إلا سنة 1958 بعد ثورة 14 تموز في العراق لاسباب متعددة منها الخلاف الذي قام بين الرئيس الحبيب بورقيبة وبين الرئيس المصري جمال عبد الناصر بسبب موقف مصر المؤيد لخصمه الأكبر صالح بن يوسف،

** مبعوث عراقي الى تونس بعد شهر من الثورة
وبعد ثورة العراق ارسل الزعيم عبد الكريم قاسم وزير الخارجية العراقي عبد الجبار الجومرد إلى تونس في 22 اب 1958 يستحث الحكومة على الالتحاق بالجامعة واستجابت تونس لوساطة العراق أملا في حل الخلافات.
ويبدو أن الرئيس الحبيب بورقيبة رأى في هذه الثورة امكانية لإضفاء شيء من التوازن على عمل الجامعة.
وهكذا طلبت تونس الانضمام إلى صفوف الجامعة على امل ان الجامعة ستتمكن من أداء رسالتها وستتحرر من العقد التي عرقلت سيرها وستصبح فعلا جامعة قوية فعالة.

** تونس تعلق عضويتها في الجامعة
وبعد فترة قصيرة علقت تونس عضويتها في الجامعه وقال المسؤولون في تونس انذاك انها "مأوى يأوي إليه أناس بلا قلوبهم ويجتمع فيه أشخاص تفرّقت مشاربهم واتجاهاتهم ويتلاقون وكأنهم لا يدرون لماذا يتلاقون أو قل يتلاقون حتى يقال عنهم قد تلاقوا ثم يفترقون وقد حمل البعض منهم حقدا جديدا على أخيه أو احتقارا أو بغضاء أو فكرة في أن الجامعة أصبحت ذات اتجاه واحد تعمل لصالح شق واحد وتأتمر بأوامر عضو واحد."

واعرب الامين العام بعد وصوله الى بغداد عن ثقته أن ثورة العراق تبشر بالأمل لتسود الحرية والازدهار والسيادة لكافة البلاد العربية.
ومما اذكره عن ذلك اليوم الذي انعقد فيه مؤتمر وزراء الخارجية لم يكن احد يعرف ان تونس ستحضر وتنهي المقاطعة لكني عرفت من الزعيم نفسه صباح ذلك اليوم عندما استدعاني لمقابلته في وزارة الدفاع وقال لي انه يريد ان يعطيني ما تسمونه في الصحافة (سبق صحفي) وهو ان تونس ستحضر المؤتمر وان الجهود العراقية نجحت في إقناع تونس التي كانت تقاطع اجتماعات الجامعة العربية بحضور مؤتمر وزراء الخارجية في بغداد وان وزير خارجية تونس في طريقه الآن إلى العراق وعليك ان تعلن ذلك الان.
** مصير السبق الصحفي
خرجت من مكتب عبد الكريم قاسم وأنا لا اعرف ماذا افعل بالخبر الهام الذي احمله، كان الوقت ضيقا، ولم تبق سوى عشر دقائق على افتتاح المؤتمر، وبالفعل فقد استمعت في مكتب السكرتير إن الإذاعة قد بدأت بالنقل المباشر لوقائع المؤتمر من قصر الزهور.
كان المذيع سعاد الهرمزي يتولى نقل وقائع المؤتمر من القصر وهو يصف وصول الوزراء، اتصلت هاتفيا بالإذاعة وطلبت رقم هاتف النقل الخارجي في القصر، وعندما تحدثت مع أحد الموظفين أمليت عليه الخبر وطلبت منه أن يعطيه إلى المذيع سعاد الهرمزي لإذاعته فورا.
كان الخبر يبدأ بعبارة (علمت وكالة الأنباء العراقية) باعتبار أن هذه العبارة هي التي تسجل السبق الصحفي للوكالة ولكن الذي حدث هدم كل شيء فقد أذاع المرحوم الهرمزي الخبر بعبارة (علمت وكالة الأنباء العربية) ومعنى ذلك أن الخبر أو السبق الصحفي قد نسبه إلى وكالة أخرى هي (وكالة الأنباء العربية) وهي فرع من وكالة أنباء رويترز البريطانية وهي وكالة نشطة في الدول العربية في حين أن وكالتنا مازالت غير معروفة إذ لم يمض على تأسيسها سوى عام ونصف العام. وهكذا ضاع السبق الصحفي!!

** معلومات عن عبد الخالق حسونه
عبد الخالق حسونة هو ثاني أمين عام لجامعة الدول العربية بعد عبد الرحمن عزام ولد بمدينة القاهرة في 28 تشرين الأول 1898 وتوفي في 20 كانون الثاني 1992 اي انه توفي وعمره 94 عاما. وهو ابن شيخ الأزهر حسونة النواوي

وحسونه يحمل شهادة ماجستير الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كامبردج بإنجلترا عام 1925 وكان عضوًا في أول بعثة للسلك الدبلوماسي لوزارة الخارجية المصرية. كما تولى منصب محافظ الإسكندرية من عام 1942 حتى عام 1948.
تولى عدة وظائف في الحكومات المصرية في العهد الملكي منها مناصب وزارية هي وزير الشؤون الاجتماعية من 1949 حتى 1950، ووزير للمعارف حتى 1952، ووزير للخارجية في 1952 وفي ايلول من ذلك العام انتخب أمينا عاما لجامعة الدول العربية بعد شهرين من قيام الثورة المصرية واستمر في منصبه إلى ايار 1972وفي هذه الفترة التي امتدت 20 عاما أعيد انتخابه ثلاث مرات.